فإن قيل : ما المراد بقوله : { أو خلقا } .
قلنا : المراد أن كون الحجر والحديد قابلا للحياة أمر مستبعد ، فقيل لهم : فافرضوا شيئا آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث يستبعد عقلكم كونه قابلا للحياة وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى أن يتعين ذلك الشيء ، لأن المراد أن أبدان الناس وإن انتهت بعد موتها إلى أي صفة فرضت وأي حالة قدرت وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة فإن الله تعالى قادر على إعادة الحياة إليها ، وإذا كان المراد من الآية هذا المعنى فلا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء ، وقال ابن عباس : المراد منه الموت ، يعني لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ، واعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره على سبيل المبالغة مثل أن يقال : لو كنت عين الحياة فالله يميتك ولو كنت عين الغنى فإن الله يفقرك ، فهذا قد ذكر على سبيل المبالغة ، أما في نفس الأمر فهذا محال ، لأن أبدان الناس أجسام والموت عرض والجسم لا ينقلب عرضا ثم بتقدير أن ينقلب عرضا فالموت لا يقبل الحياة لأن أحد الضدين يمتنع اتصافه بالضد الآخر ، وقال مجاهد : يعني السماء والأرض .
ثم قال : { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } والمعنى أنه لما قال لهم : كونوا حجارة أو حديدا أو شيئا أبعد في قبول الحياة من هذين الشيئين فإن إعادة الحياة إليه ممكنة فعند ذلك قالوا : من هذا الذي يقدر على إعادة الحياة إليه ؟ قال تعالى قل يا محمد : الذي فطركم أول مرة يعني أن القول بصحة الإعادة فرع على تسليم أن خالق الحيوانات هو الله تعالى .
فإذا ثبت ذلك فنقول : إن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل وإله العالم قادر لذاته عالم لذاته فلا يبطل علمه وقدرته البتة ، فالقادر على الابتداء يجب أن يبقى قادرا على الإعادة ، وهذا كلام تام وبرهان قوي .
ثم قال تعالى : { فسينغضون إليك رؤوسهم } قال الفراء يقال : أنغض فلان رأسه ينغضه إنغاضا إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وسمي الظليم نغضا لأنه يحرك رأسه ، وقال أبو الهيثم : يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إنكارا له قد أنغض رأسه فقوله : { فسينغضون إليك رؤوسهم } يعني يحركونها على سبيل التكذيب والاستبعاد . ثم قال تعالى : { ويقولون متى هو } واعلم أن هذا السؤال فاسد لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها ، ثم إن الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه ، فقولهم متى هو ؟ كلام لا تعلق له بالبحث الأول ، فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود في نفسه وجب الاعتراف بإمكانه ، فأما أنه متى يوجد فذاك لا يمكن إثباته من طريق العقل ، بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعين عرف وإلا فلا سبيل إلى معرفته .
واعلم أنه تعالى بين في القرآن أنه لا يطلع أحدا من الخلق على وقته المعين ، فقال : { إن الله عنده علم الساعة } وقال : { إنما علمها عند ربي } وقال : { إن الساعة آتية أكاد أخفيها } فلا جرم . قال تعالى : { قل عسى أن يكون قريبا } قال المفسرون عسى من الله واجب معناه أنه قريب .
فإن قالوا : كيف يكون قريبا وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر ؟ قلنا : إذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريبا قليلا
{ أَوْ خَلْقًا } أي مخلوقاً آخر { مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } أي مما يستبعد عندكم قبوله الحياة لكونه أبعد شيء منها وتعيينه مفوض إليكم فإن الله تعالى لا يعجزه إحياؤكم لتساوي الأجسام في قبول الاعراض فكيف إذا كنتم عظاماً بالية وقد كانت موصوفة بالحياة قبل والشيء أقبل لما عهد مما لم يعهد ، وقال مجاهد : الذي يكبر السموات والآرض والجبال .
/ وأخرج ابن جرير وجماعة عن ابن عباس . وابن عمر . والحسن ، وابن جبير أنهم قالوا : ما يكبر في صدورهم الموت فإنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم من الموت ، والمعنى لو كنتم مجسمين من نفس الموت لأعادكم فضلاً عن أصل لايضاد الحياة إن لم يقتضها ، وإن كان اللفظ غير ظاهر فيه { فَسَيَقُولُونَ } لك : { مَن يُعِيدُنَا } مع ما بيننا وبين الإعادة من مثل هذه المباعدة والمباينة { قُلْ } لهم تحقيقاً للحق وإزاحة للاستبعاد وإرشاداً إلى طريقة الاستدلال { الذى فَطَرَكُمْ } أي القادر العظيم الذي اخترعكم { أَوَّلَ مَرَّةٍ } منغير مثال يحتذيه ولا أسلوب ينتحيه وكنتم تراباً ما شم رائحة الحياة أليس الذي يقدر على ذلك بقادر على أن يفيض الحياة على العظام البالية ويعيدها إلى حالها المعهودة بلى إنه سبحانه على كل شيء قدير ، والموصول مبتدأ خبره يعيدكم المحذوف لدلالة السؤال عليه أو قاعل به أو خبر مبتدأ محذوف على اختلاف في الأول كما فصل في محله .
و { أَوَّلَ مَرَّةٍ } ظرف فطركم { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ * رُءوسِهِمُ } أي سيحر كونها نحوك استهزاء كما روى عن ابن عباس وأنشد عليه قول الشاعر :
أتنغض لي يوم الفخار وقد ترى . . . خيولاً عليها كالأسود ضواريا
انغض نحوي رأسه وأقنعا . . . كأنه يطلب شيئاً أطمعا
وفي «القاموس » نغض كنصر وضرب نغضاً ونغوضاً ونغضاناً ونغضا محركتين تحرك واضطرب كانغض وحرك كأنغض ، وفسر الفراء الانغاض بتحريك الرأس بارتفاع وانخفاض ، وقال أبو الهيثم ، من أخبر بشيء فحرك رأسه انكاراً له فقد أنغض رأسه فكأنه سيحركون رؤسهم إنكاراً { وَيَقُولُونَ } استهزاء { متى هُوَ } أي ما ذكرته من الإعادة ، وجوز أن يكون الضمير للعود أو البعث المفهوم من الكلام { قُلْ } لهم { عسى أَن يَكُونَ } ذلك { قَرِيبًا } فإن ما هو محقق إتيانه قريب ، ولم يعين زمانه لأنه من المغيبات التي لا يطلع عليها غيره تعالى ولا يطلع عليها سبحانه أحداً ، وقيل : قربه لأن ما بقي من زمان الدنيا أقل مما مضى منه ؛ وانتصاب { قَرِيبًا } على أنه خبر كان الناقصة واسمها ضمير يعود على ما أشير إليه ، وجوز أن يكون منصوباً على الظرفية والأصل زماناً قريباً فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه فانتصب انتصابه وكان على هذا تامة وفاعلها ذلك الضمير أي عسى أن يقع ذلك في زمان قريب وأن يكون في تأويل مصدر منصوب وقع خبر لها أي عسى كونه قريباً أو في وقت قريب .
واعترض بأن عسى للمقاربة فكأنه قيل : قرب أن يكون قريباً ولا فائدة فيه ، وأجيب بأن نجم الأئمة لم يثبت معنى المقارنة في عسى لا وضعاً ولا استعمالاً ، ويدل له ذكر { قَرِيبًا } بعدها في الآية فلا حاجة إلى القول بأنها جردت عنه فالمعنى يرجى ويتوقع كونه قريباً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.