مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} (59)

أما قوله تعالى : { فبدل الذين ظلموا } ففيه قولان . الأول : قال أبو مسلم قوله تعالى : { فبدل } يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنهم أتوا له ببدل ، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة ، قال تعالى : { سيقول المخلفون من الأعراب } إلى قوله : { يريدون أن يبدلوا كلام الله } ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا ، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه . الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل ، فلابد من حصول البدل ، وهذا كما يقال : فلان بدل دينه ، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : { قولا غير الذي قيل لهم } ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان ؟ فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا زاحفين على أستاههم ، قائلين حنطة من شعيرة ، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا : حنطة استهزاء ، وقال ابن زيد : استهزاء بموسى وقالوا : ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة .

أما قوله تعالى : { الذين ظلموا } فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم ، وذلك ظلم على ما تقدم .

أما قوله تعالى : { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء } ففيه بحثان :

الأول : أن في تكرير : { الذين ظلموا } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذانا بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم . الثاني : أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى : { ولما وقع عليهم الرجز } أي العقوبة ، وكذا قوله تعالى : { لئن كشفت عنا الرجز } وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب .

وأما قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } فمعناه لطخه وما يدع إليه من الكفر ، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه ، فقال ابن عباس : مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفا في ساعة واحدة ، وقال ابن زيد : بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفا ، ولم يبق منهم أحد .

أما قوله تعالى : { بما كانوا يفسقون } ، فالفسق هو الخروج المضر ، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته ، قال أبو مسلم : هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى : { على الذين ظلموا } وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين . الأول : أن الظلم قد يكون من الصغائر ، وقد يكون من الكبائر ، ولذلك وصف الله الأنبياء بالظلم في قوله تعالى : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ولأنه تعالى قال : { إن الشرك لظلم عظيم } ولو لم يكن الظلم إلا عظيما لكان ذكر العظيم تكريرا والفسق لابد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولا : وصفهم بالفسق ، ثانيا : ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر . الثاني : يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار .

النوع الثاني من الكلام في هذه الآية : اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة الأعراف وهو قوله : { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم وسنزيد المحسنين ، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون } واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى : { فبدل الذين ظلموا } على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها بغيرها ، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول ، فلا جرم استوجبوا الذم ، فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله : { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } يتناول كل من بدل قولا بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم يتفقا ، وههنا سؤالات :

السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : { وإذ قلنا } وقال في الأعراف : { وإذ قيل لهم } الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام : { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ثم أخذ يعدد [ نعمه ] نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول : { وإذ قلنا } أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى : { وإذ قيل لهم } إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة .

السؤال الثاني : لم قال في البقرة : { وإذ قلنا ادخلوا } وفي الأعراف : { اسكنوا } ؟ الجواب : الدخول مقدم على السكون ولابد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة .

السؤال الثالث : لم قال في البقرة : { فكلوا } بالفاء وفي الأعراف : { وكلوا } بالواو ؟ والجواب ههنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : { وكلا منها رغدا } وفي الأعراف : { فكلا } .

السؤال الرابع : لم قال في البقرة : { نغفر لكم خطاياكم } وفي الأعراف : { نغفر لكم خطيئاتكم } ، الجواب : الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة ، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال : { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة ، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة ، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال : { وإذ قيل لهم } لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة ، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة [ 5 ] وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة .

السؤال الخامس : لم ذكر قوله : { رغدا } في البقرة وحذفه في الأعراف ؟ الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا ، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه .

السؤال السادس : لم ذكر في البقرة : { وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } وفي الأعراف قدم المؤخر ؟ الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضا فالمخاطبون بقوله : { ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } ، يحتمل أن يقال : إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين ، فالمذنب لابد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدما على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولا «حطة » ثم يدخلوا الباب سجدا ، وأما الذي لا يكون مذنبا فالأولى به أن يشتغل أولا بالعبادة ثم يذكر التوبة ، ثانيا : على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجدا أولا ثم يقولوا حطة ثانيا ، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى .

السؤال السابع : لم قال : { وسنزيد المحسنين } في البقرة مع الواو وفي الأعراف : { سنزيد المحسنين } من غير الواو ؟ الجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، ( وثانيها ) : دخول الباب سجدا وهو إشارة إلى العبادة ، ثم ذكر جزأين : ( أحدهما ) : قوله تعالى : { نغفر لكم خطاياكم } وهو واقع في مقابلة قول الحطة . ( والآخر ) : قوله : { سنزيد المحسنين } وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجدا فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين . وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحدا لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة .

السؤال الثامن : قال الله تعالى في سورة البقرة : { فبدل الذين ظلموا قولا } وفي الأعراف : { فبدل الذين ظلموا منهم قولا } فما الفائدة في زيادة كلمة «منهم » في الأعراف ؟ الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ «من » لأنه تعالى قال : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم ، فلما انتهت القصة قال الله تعالى : { فبدل الذين ظلموا منهم } فذكر لفظة : { منهم } في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقا لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة ، وههنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف ، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله : { فبدل الذين ظلموا } تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق .

السؤال التاسع : لم قال في البقرة : { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا } وقال في الأعراف : { فأرسلنا } الجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة .

السؤال العاشر : لم قال في البقرة : { بما كانوا يفسقون } وفي الأعراف : { بما كانوا يظلمون } ، الجواب : أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقا اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} (59)

{ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } أي بدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولاً غيره { فَبَدَّلَ } يتعدى لمفعولين أحدهما : بنفسه والآخر : بالياء ، ويدخل على المتروك فالذمّ متوجه وجوّز أبو البقاء أن يكون بدل محمولاً على المعنى ، أي : فقال الذين ظلموا قولاً الخ ، والقول بأن ( غير ) منصوب بنزع الخافض ، كأنه قيل : فغيروا قولاً بغيره غير مرضي من القول ، وصرح سبحانه بالمغايرة مع استحالة تحقق التبديل بدونها تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على المغايرة من كمل وجه ، وظاهر الآية انقسام من هناك إلى ظالمين وغير ظالمين وأن الظالمين هم الذين بدلوا وإن كان المبدل الكل كان وضع ذلك من وضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بالعلة .

واختلف في القول الذي بدلوه ففي الصحيحين أنهم قالوا : حبة في شعيرة ، وروى الحاكم { حنطة } بدل { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وفي «المعالم » إنهم قالوا بلسانهم حطة سمقاثاً أي حنطة حمراء ، قالوا ذلك استهزاء منهم بما قيل لهم ، والروايات في ذلك كثيرة ، وإذا صحت يحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلين ، والقول بأنه لم يكن منهم تبديل ومعنى فبدلوا لم يفعلوا ما أمروا به ، لا أنهم أتوا ببدل له غير مسلم وإن قاله أبو مسلم وظاهر الآية ، والأحاديث تكذبه .

/ { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح أمرهم ، وإشعاراً بكون ظلمهم وإضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها ، أو وضعهم غير المأمور به موضعاً سبباً لإنزال الرجز وهو العذاب وتكسر راؤه وتضم والضم لغة بني الصعدات وبه قرأ ابن محيصن ، والمراد به هنا كما روى عن ابن عباس ظلمة وموت ، يروى أنه مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفاً ، وقال وهب : طاعون غدوا به أربعين ليلة ثم ماتوا بعد ذلك ، وقال ابن جبير : ثلج هلك به منهم سبعون ألفاً فإن فسر بالثلج كان كونه { مّنَ السماء } ظاهراً وإن بغيره فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء أو مبالغة في علوّه بالقهر والاستيلاء ، وذكر بعض المحققين أن الجار والمجرور ظرف مستقر وقع صفة لرجزاً و{ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } متعلق به لنيابته عن العامل علة له ، وكلمة ( ما ) مصدرية ، والمعنى : أنزلنا على الذين ظلموا لظلمهم عذاباً مقدراً بسبب كونهم مستمرين على الفسق في الزمان الماضي ، وهذا أولى من جعل الجار والمجرور ظرفاً لغواً متعلقاً بأنزلنا لظهوره على سائر الأقوال ، ولئلا يحتاج في تعليل الإنزال بالفسق بعد التعليل المستفاد من التعليق بالظلم إلى القول بأن الفسق عين الظلم وكرر للتأكيد ، أو أن الظلم أعم والفسق لا بد أن يكون من الكبائر ، فبعد وصفهم بالظلم وصفوا بالفسق للإيذان بكونه من الكبائر ، فإن الأول( {[165]} ) : بضاعة العاجز .

والثاني : لا يدفع ركاكة التعليل ، وما قيل : إنه تعليل للظلم فيكون إنزال العذاب مسبباً عن الظلم المسبب عن الفسق ليس بشيء ، إذ ظلمهم المذكور سابقاً ، الذي هو سبب الإنزال لا يحتاج إلى العلة ، وقد احتج بعض الناس بقوله تعالى : { فَبَدَّلَ } الخ ؛ وترتب العذاب على التبديل ، على أن ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره ولا تبديله بلفظ آخر ، وقال قول : يجوز ذلك إذا كانت الكلمة الثانية تسد الأولى( {[166]} ) ، وعلى هذا جرى الخلاف كما في البحر في قراءة القرآن بالمعنى ورواية الحديث به ، وجرى في تكبيرة الإحرام ، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك ، والبحث مفصل في محله هذا . وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات . الأول : قال هنا : { وَإِذْ قُلْنَا } [ البقرة : 8 5 ] لما قدم ذكر النعم ؛ فلا بد من ذكر المنعم ، وهناك { وَإِذْ قِيلَ } [ الأعراف : 161 ] إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به . الثاني : قال هنا : { أَدْخِلُواْ } وهناك { اسكنوا } لأن الدخول مقدم ، ولذا قدم وضعاً المقدم طبعاً . الثالث : قال هنا : { خطاياكم } بجمع الكثرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه ، واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة ، وهناك { خطيئاتكم } بجمع القلة إذ لم يصرح بالفاعل . الرابع : قال هنا : { رَغَدًا } دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا ، فناسب ذكر الإنعام الأعظم وعدم الإسناد هناك .

الخامس : قال هنا : { ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وهناك بالعكس ، لأن الواو لمطلق الجمع ، وأيضاً المخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين ، والبعض الآخر ما كانوا كذلك ، فالمذنب لا بد وأن يكون اشتغاله بحط الذنب مقدماً على اشتغاله بالعبادة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا : ( حطة ) ثم يدخلوا وأما الذي لا يكون مذنباً ، فالأولى به أن يشتغل أولاً : بالعبادة ثم يذكر التوبة . ثانياً : للهضم وإزالة العجب فهؤلاء يجب أن يدخلوا ثم يقولوا فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ذين القسمين ، لا جرم/ ذكر حكم كل واحد منهما في سورة أخرى . السادس : قال هنا : { وَسَنَزِيدُ } بالواو وهناك بدونه ، إذ جعل هنا المغفرة مع الزيادة جزاءاً واحداً لمجموع الفعلين ، وأما هناك فالمغفرة جزاء قول ( حطة ) والزيادة جزاء الدخول فترك ( الواو ) يفيد توزع كل من الجزاءين على كل من الشرطين .

السابع : قال هناك : { الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 162 ] وهنا لم يذكر ( منهم ) لأن أول القصة هناك مبني على التخصيص ب { مِنْ } حيث قال : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } [ الأعراف : 159 ] فخص في آخر الكلام ليطابق أوله ، ولما لم يذكر في الآيات التي قبل { فَبَدَّلَ } هنا تمييزاً وتخصيصاً لم يذكر في آخر القصة ذلك . الثامن : قال هنا : { فَأَنزَلْنَا } وهناك { فَأَرْسَلْنَا } [ الأعراف : 162 ] لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر ، والإرسال يفيد تسليطه عليهم واستئصاله لهم ، وذلك يكون بالآخرة . التاسع : قال هنا : { فَكُلُواْ } [ البقرة : 8 5 ] بالفاء وهناك بالواو لما مر في { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } [ البقرة : 5 3 ] وهو أن كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط ، وذلك الشيء بمنزلة الجزاء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو فلما تعلق الأكل بالدخول قيل في سورة البقرة : { فَكُلُواْ } ولما لم يتعلق الأكل بالسكون في الأعراف ( 161 ) قيل : { وَكُلُواْ } . العاشر : قال هنا : { يَفْسُقُونَ } وهناك { يَظْلِمُونَ } [ الأعراف : 162 ] لأنه لما بين هنا كون الفسق ظلماً اكتفى بلفظ الظلم هناك انتهى . ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر ، أما في الأول والثاني والثامن والعاشر فلأنها إنما تصح إذا كانت سورة البقرة متقدمة على سورة الأعراف نزولاً كما أنها متقدمة عليها ترتيباً وليس كذلك ، فإن سورة البقرة كلها مدنية ، وسورة الأعراف كلها مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية } إلى قوله تعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل } [ الأعراف : 163 171 ] وقوله تعالى : { اسكنوا هذه القرية } [ الأعراف : 161 ] داخل في الآيات المكية ، فحينئذ لا تصح الأجوبة المذكورة . وأما ما ذكر في التاسع فيرد عليه منع عدم تعلق الأكل بالسكون لأنهم إذا سكنوا القرية ، تتسبب سكناهم للأكل منها كما ذكر الزمخشري ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، فحينئذ لا فرق بين { كُلُواْ } و{ فَكُلُواْ } فلا يتم الجواب ، وأما الثالث فلأنه تعالى وإن قال في الأعراف ( 161 ) { وَإِذْ قِيلَ } لكنه قال في السورتين : { نَّغْفِرْ لَكُمْ } [ البقرة : 58 ، الأعراف : 161 ] وأضاف الغفران إلى نفسه ، فبحكم تلك اللياقة ينبغي أن يذكر في السورتين جمع الكثرة بل لا شك أن رعاية { نَّغْفِرْ لَكُمْ } أولى من رعاية { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } لتعلق الغفران بالخطايا كما لا يخفى على العارف بالمزايا . وأما الرابع فلأنه تعالى وإن لم يسند الفعل إلى نفسه تعالى لكنه مسند إليه في نفس الأمر ، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين .

وأما الخامس فلأن القصة واحدة ، وكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين محقق ، فعلى مقتضى ما ذكر ينبغي أن يذكر { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } مقدماً في السورتين . وأما السادس فلأن القصة واحدة ، وأن الواو لمطلق الجمع ، وقوله تعالى : { نَّغْفِرْ } في مقابلة { قُولُواْ } سواء قدم أو أخر ، وقوله تعالى : { وَسَنَزِيدُ } [ البقرة : 85 ] في مقابلة { وادخلوا } [ الأعراف : 161 ] سواء ذكر الواو أو ترك ، وأما السابع فلأنه تعالى قد ذكر هنا قبل { فَبَدَّلَ } [ البقرة : 59 ] ما يدل على التخصيص والتمييز ، حيث قال سبحانه : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } [ البقرة : 57 ] الخ بكافات الخطاب وصيغته فاللائق حينئذ أن يذكر لفظ ( منهم ) أيضاً ، والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حكاها ما ذكره الزمخشري من أنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض ، ولا تناقض بين قوله تعالى : { اسكنوا هذه القرية } [ الأعراف : 161 ] وقوله : { وَكُلُواْ } [ الأعراف : 161 ] لأنهم إذا سكنوا القرية فتسبب سكناهم للأكل منها ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، وسواء قدموا ( الحطة ) على دخول الباب أو أخروها ، فهم جامعون في الإيجاد بينهما ، وترك ذكر الرغد لا يناقض/ إثباته ، وقوله تعالى : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم سَنَزِيدُ المحسنين } [ الأعراف : 161 ] موعد بشيئين بالغفران والزيادة ، وطرح الواو لا يخل لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل : ماذا بعد الغفران ؟ فقيل له : { سَنَزِيدُ المحسنين } وكذلك زيادة { مِنْهُمْ } زيادة بيان و{ فَأَرْسَلْنَا } [ الأعراف : 162 ] و{ أَنزَلْنَا } [ البقرة : 7 5 ] و{ يَظْلِمُونَ } [ الأعراف : 162 ] و{ يَفْسُقُونَ } [ البقرة : 9 5 ] من دار واحد ، انتهى .

وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء ، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى ، والقرآن الكريم مملوء من ذلك ، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني ، والله يؤتي فضله من يشاء ، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو .

( ومن باب الإشارة ) { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها { قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } ابتغاءاً للحظوظ الفانية والشهوات الدنية . { فَأَنزَلْنَا } [ البقرة : 9 5 ] على الظالمين خاصة ، عذاباً وظلمة وضيقاً في سجن الطبيعة ، وأسراً في وثاق التمني ، وقيد الهوى ، وحرماناً ، وذلاً بمحبة الماديات السفلية ، والإعراض عن هاتيك التجليات العلية ، وذلك من جهة قهر سماء الروح ، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى كما ورد في الأثر «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون » إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء . وهذا هو البلاء العظيم ، والخطب الجسيم .

من كان يرغب في السلامة فليكن *** أبداً من الحدق المراض عياذه

لا تخدعنك بالفتور فإنه *** نظر يضر بقلبك استلذاذه

إياك من طمع المنى فعزيزه *** كذليله ، وغنيه شحاذه


[165]:_ الأول لأبي مسلم، والثاني للرازي، والثالث للجيلي اهـ منه.
[166]:_ قوله: نسد الأولى كذا بخط مؤلفه، ولعل فيه سقطا من قلمه، والأصل تسد مسد الأولى اهـ.