قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } .
اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين ، وأمر المجاهدين بالتثبيت فيه لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف ، وهذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات { فتثبتوا } من ثبت ثباتا ، والباقون بالنون من البيان ، والمعنيان متقاربان ، فمن رجح التثبيت قال : إنه خلاف الإقدام ، والمراد في الآية التأني وترك العجلة ، ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين ، فكان التبيين أبلغ وأكمل .
المسألة الثانية : الضرب معناه السير ، فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد ، وأصله من الضرب باليد ، وهو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنسانا كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة ، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير . قال الزجاج : ومعنى { ضربتم في سبيل الله } أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد .
ثم قال تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمنا } .
أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ، ومنه قوله : { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي استسلموا للأمر ، ومن قرأ { السلام } بالألف فله معنيان : أحدهما : أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين ، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره .
والثاني : أن يكون المعنى : لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمنا ، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة . قال صاحب الكشاف : قرئ { مؤمنا } بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك .
المسألة الثالثة : في سبب نزول هذه الآية روايات :
الرواية الأولى : أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فذهبت سرية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة ، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل ، وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه ، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال : قتلتموه إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية على أسامة ، فقال أسامة يا رسول الله استغفر لي ، فقال : «فكيف وقد تلا لا إله إلا الله ! » قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي وقال : أعتق رقبة .
الرواية الثانية : أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الإسلام ، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «لا غفر الله لك » فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الذنب عنده » ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة .
الرواية الثالثة : أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال : فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة ، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك ؟ فقال رسول الله لا تقتله ، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي ، فقال عليه الصلاة والسلام » لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال » وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح » قال القفال رحمه الله : ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها ، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه : الأول : هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب ذلك في الكل .
الحجة الثانية : قوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } وهو عام في جميع أصناف الكفرة .
الحجة الثالثة : أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة ، والتوبة مقبولة على الإطلاق لقوله تعالى : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } وهذا عام في جميع الذنوب وفي جميع أصناف الخلق .
المسألة الخامسة : إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة ، وقال الشافعي لا يصح . قال أبو حنيفة دلت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } عام في حق الصبي ، وفي حق البالغ . قال الشافعي : لو صح الإسلام منه لوجب ، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذنا في الكفر ، وهو غير جائز ، لكنه غير واجب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام : «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ » الحديث ، والله أعلم .
المسألة السادسة : قال أكثر الفقهاء : لو قال اليهودي أو النصراني : أنا مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر بإسلامه ، لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الإسلام وهو الإيمان ، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعند قوم لا يحكم بإسلامه ، لأنه فيهم من يقول : إنه رسول الله إلى العرب لا إلى الكل ، ومنهم من يقول : إن محمدا الذي هو الرسول الحق بعد ما جاء ، وسيجيء بعد ذلك ، بل لابد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم .
ثم قال تعالى : { تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة } قال أبو عبيدة : جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال : إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر ، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير ، وإنما سمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير باق ومنه يسمي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضا لقلة لبثه ، فقوله : { فعند الله مغانم كثيرة } يعني ثوابا كثيرا ، فنبه تعالى بتسميته عرضا على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء ، وبقوله : { فعند الله مغانم كثيرة } على أن ثواب الله موصوف بالدوام والبقاء كما قال : { والباقيات الصالحات خير عند ربك } .
ثم قال تعالى : { وكذلك كنتم من قبل } وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا السلم ، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع ، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوها : الأول : أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم ، فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر القول ، وأن لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف ، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين ، وفي إشكال لأن لهم أن يقولوا : ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء ، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار ، وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف ، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر .
الوجه الثاني : قال سعيد بن جبير : المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه ، ثم من الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم ، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة ، وهذا أيضا فيه إشكال لأن إخفاء الإيمان ما كان عاما فيهم . الثالث : قال مقاتل : المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة «لا إله إلا الله » فاقبلوا منهم مثل ذلك ، وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول ، والأقرب عندي أن يقال : إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف ، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال ، فكأنه قيل لهم : كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام ، ثم من الله عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر ، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان ، فإن الله تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم ويقوي تلك الرغبة في صدورهم ، فهذا ما عندي فيه .
ثم قال تعالى : { فمن الله عليكم } وفيه احتمالان : الأول : أن يكون هذا متعلقا بقوله : { كذلك كنتم من قبل } يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب ، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلا بسبب ضعيف ، ثم من الله عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له . والثاني : أن يكون هذا منقطعا عن هذا الموضع ، ويكون متعلقا بما قبله ، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا الله ، ثم أنه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك { فمن الله عليكم } أي من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر .
ثم أعاد الأمر بالتبيين فقال : { فتبينوا } وإعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل .
ثم قال تعالى : { إن الله كان بما تعملون خبيرا } والمراد منه الوعيد والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار .
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في التحذير عما يوجب الندم من قتل من لا ينبغي قتله . { إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله } أي سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق { فَتَبَيَّنُواْ } أي فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا ( تعملوا ) فيه من غير تدبر وروية ، وقرأ حمزة وعلي وخلف فتثبتوا أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه ، والمعنيان متقاربان ، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال ، ودخلت الفاء لما في { إِذَا } من معنى الشرط كأنه قيل : إن غزوتم فتبينوا { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام } أي حياكم بتحية الإسلام ومقابلها تحية الجاهلية كأنعم صباحاً وحياك الله تعالى وقرأ حمزة وخلف وأهل الشام السلم بغير ألف ، وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ السلم بكسر السين وفتح اللام ، ومعناه في القرائتين الاستسلام والانقياد ، وبه فسر بعضعم { السلام } أيضاً في القراءة المشهورة ، واللام على ما قال السمين : للتبليغ ، والماضي بمعنى المضارع ، و ( من ) موصولة أو موصوفة ، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به ، وتعيين مادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت ، وتقييد ذلك بالسفر لأن عدم التبيين كان فيه لا لأنه لا يجب إلا فيه ، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه : { لَسْتَ مُؤْمِناً } وإنما فعلت ذلك خوف القتل بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه .
وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهما وأبي جعفر القاري أنهم قرؤوا { مُؤْمِناً } بفتح الميم الثانية أي مبذولاً لك الأمان .
{ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } أي تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال وشيك الانتقال ، والجملة في موضع الحال من فاعل { تَقُولُواْ } مشعراً بما هو الحامل لهم على العجلة ، والنهي راجع إلى القيد والمقيد ، وقوله تعالى : { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل : لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل فإن عنده سبحانه وفي مقدوره مغانم كثيرة يغنمكموها فيغنيكم عن ذلك ، وقوله سبحانه : { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه ردّ إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطىء الباطن والظاهر ولم تظهر فيه ، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فيه حيز الصلة ، والفاء في { فَمَنْ } للعطف على { كُنتُمْ } وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة كأنه قيل : لا تردّوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام وتقولوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به مؤمناً معصوماً لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل عليه ، فإنكم كنتم أنتم في مبادىء إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها ، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطاً مما يدل على التواطؤ ، ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك فمنّ الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم ، وعصم بذلك دماءكم وأموالكم ، فإذا كان الأمر كذلك { فَتَبَيَّنُواْ } هذا الأمر ولا تعجلوا وتدبروا ليظهر لكم أن ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم حيث كفى فيكم من قبل ، وأخر هذا التعليل على ما قيل لما فيه من نوع تفصيل ربما يخلّ تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به ، أو لأن في تقديم الأول إشارة ما إلى ميل القوم نحو ذلك العرض ، وأن سرورهم به أقوى ، ففي تقديمه تعجيل لمسرتهم ، وفيه نوع حط عليهم رفع الله تعالى قدرهم ورضي المولى عز شأنه عنهم أو لأنه أوضح في التعليل من التعليل الأخير وأسبق للذهن منه ، ولعله لم يعطف أحد التعليلين على الآخر لئلا يتوهم أنهما تعليلا شيء واحد أو أن مجموعهما علة ، وقيل : موافقة لما علل بهما من القيد والمقيد حيث لم يتمايزا بالعطف ، وقيل : إنما لم يعطف لأن الأول تعليل للنهي الثاني بالوعد بأمر أخروي لأن المعنى لا تبتغوا عرض الحياة الدنيا لأن عنده سبحانه ثواباً كثيراً في الآخرة أعده لمن لم يبتغ ذلك ، وعبر عن الثواب بالمغانم مناسبة للمقام ، والتعليل الثاني للنهي الأول ليس كذلك ، وذكر الزمخشري وغيره في الآية ما رده شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التحقيق ، وقال بعض الناس فيها : إن المعنى كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفياً بدينه في قومه خوفاً على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذراً من قومكم على أنفسكم ، فمنّ الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعدما كنتم تكتمونه من أهل الشرك فتبينوا نعمة الله تعالى عليكم ، أو تبينوا أمر من تقتلونه ، ولا يخفى أن هذا وإن كان بعضه مروياً عن ابن جبير غير واف بالمقصود على أن القول بأن المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذراً من قومهم في حيز المنع اللهم إلا أن يقال : إن كون البعض كان مستخفياً كاف في الخطاب ، وقيل : إن قوله سبحانه : { فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } منقطع عما قبله ، وذلك أنه تعالى لما نهى القوم عن قتل من ذكر أخبرهم بعد بأنه منّ عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر ، ثم أعاد الأمر بالتبيين مبالغة في التحذير ، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه شكراً لما منّ عليهم به وهو كما ترى .
واختلف في سبب الآية ، فأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حميد وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له فسلم عليهم فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت » . وأخرج ابن جرير عن السدي قال : «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر فآوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل عليهم فقال : السلام عليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيراً ويسأل عنه أصحابه ، فلما رجعوا لم يسألهم عنه فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : يا رسول الله لو رأيت أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل : لا إله إلا الله محمد رسول الله فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال : كيف أنت ولا إله إلا الله ؟ا فقال يا رسول الله إنما قالها متعوذاً يتعوذ بها فقال عليه الصلاة والسلام : هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه ؟ا » ثم نزلت الآية . وأخرج عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء ، وذكر من قصته مثل ما ذكر من قصة أسامة ، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام على هذا مع أنها كانت مقرونة بكلمة الشهادة للمبالغة في النهي والزجر ، والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ببيان أن التحية كانت كافية في المكافة والانجزار عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونة بتلك الكلمة الطيبة ، واستدل بالآية وسياقها على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطىء وإن خطأه مغتفر ، وجه الدلالة على الأول أنه مع ظن القاتلين أن إسلام من ذكر لخوف القتل وهو إكراه معنى أنكر عليهم قتله فلولا صحة إسلامه لم ينكر ، ووجه الدلالة على الثاني أنه أمر فيها بالتبيين المشعر بأن العجلة خطأ . ووجه الدلالة على الثالث مأخوذ من السياق وعدم الوعيد على ترك التبيين ، وذهب بعضهم إلى أنه لا عذر في ترك التثبت في مثل هذه الأمور ، وأن المخطىء آثم ، واحتج على ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن «أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون فلقوا ناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاعه فلما غشيه بالسنان قال : إني مسلم إني مسلم فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام للقاتل : أقتلته بعد ما قال : إني مسلم ؟ا قال : يا رسول الله إنما قالها متعوذاً قال : أفلا شققت عن قلبه ؟ا قال : لم يا رسول الله ؟ قال : لتعلم أصادق هو أو كاذب ؟ قال : كنت عالم ذلك يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام : إنما كان يبين عنه لسانه إنما كان يعبر عنه لسانه ، قال : فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض ، ثم عادوا فحفروا له ، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره ، قال الحسن فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : دفناه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك لا تقبله الأرض فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجله فألقيناه في بعض تلك الشعاب » فأنزل الله تعالى قوله سبحانه : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الآية ، وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران " ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهر ، وأجيب بأن هذا القاتل لعله لم يفعل ذلك لكون المقتول غير مقبول الإسلام عنده بل لأمر آخر ، واعتذر بما اعتذر كاذباً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد وابن المنذر والطبراني وجماعة عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال : «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود معه متيع له ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله وأخذ متيعة فلما قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ ، والظاهر أن الرجل المبهم في خبر الحسن هو هذا الرجل المصرح به في هذا الخبر ، وهو يدل على أن القتل كان لشيء كان في القلب من ضغائن قديمة ، وإنما قلنا : إن هذا هو الظاهر لما في خبر ابن عمر أن محلما بن جثامة لما رجع جاء النبي صلى الله عليه وسلم في بردين فجلس بين يديه عليه الصلاة والسلام ليستغفر له فقال : لا غفر الله تعالى لك ، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت ساعة حتى مات ودفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله تعالى أراد أن يعظكم ، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة ، فإن الذي يميل القلب إليه اتحاد القصة ، واعترض على القول بعدم الوعيد بأ قوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } / يستفاد منه الوعيد أي أنه سبحانه لم يزل ولا يزال بكل ما تعملونه من الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها ، ويدخل في ذلك التثبيت وتركه دخولاً أولياً مطلع أتم اطلاع فيجازيكم بحسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، والجملة تعليل بطريق الاستئناف ، وقرىء بفتح { ان } على أنه معمول لتبينوا أو على حذف لام التعليل .
( ومن باب الإشارة ) : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله } لإرشاد عباده { فَتَبَيَّنُواْ } حال المريد في الرد والقبول { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } أي لا تنفروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه فتقولوا له لست مؤمناً صادقاً لتعلق قلبك بالدنيا فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك وتصلح لسلوك الطريق { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } للسالكين إليه فإذا حظي بها السالك ترك لها ما في يده من الدنيا وأعرض قلبه عن ذلك { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ } [ النساء : 94 ] أي مثل هذا المريد كنتم أنتم في مبادي طلبكم وتسليم أنفسكم للمشايخ حيث كان لكم تعلق بالدنيا فمنّ الله عليكم بعد السلوك بتلك المغانم الكثيرة التي عنده فأنساكم جميع ما في أيديكم وفطم قلوبكم عن الدنيا بأسرها فقيسوا حال من يسلم نفسه إليكم بحالكم لتعلموا أن الله سبحانه بمقتضى ما عود المتوجهين إليه الطالبين له سيمنّ على هؤلاء بما منّ به عليكم ، ويخرج حب الدنيا من قلوبهم بأحسن وجه كما أخرجه من قلوبكم . والحاصل أنه لا ينبغي أن يقال لمن أراد التوجه إلى الحق جل وعلا من أرباب الدنيا في مبادي الأمر : أترك دنياك واسلك لأن ذلك مما ينفره ويسد باب التوجه عليه لشدة ترك المحبوب دفعة واحدة ، ولكن يؤمر بالسلوك ويكلف من الأعمال ما يخرج ذلك عن قلبه لكن على سبيل التدريج