مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ} (13)

قوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب * وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب * فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير * والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد * الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب * يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد * الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز } .

اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى ، هذا هو المقصود من لفظ الآية ، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات ( أحدها ) أنه قال في أول الآية { ما وصى به نوحا } وفي آخرها { وما وصينا به إبراهيم } وفي الوسط { والذي أوحينا إليك } فما الفائدة في هذا التفاوت ؟ ( وثانيها ) أنه ذكر نوحا عليه السلام على سبيل الغيبة فقال : { ما وصى به نوحا } والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال : { والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم } ( وثالثها ) أنه يصير تقدير الآية : شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله { شرع لكم } خطاب الغيبة وقوله { والذي أوحينا إليك } خطاب الحضور ، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها ، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين دينا تطابقت الأنبياء على صحته ، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئا مغايرا للتكاليف والأحكام ، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع ، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال ، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله { ولا تتفرقوا } أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة ، كما قال يوسف عليه السلام : { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } واحتج بعضهم بقوله { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثا بشريعة نوح عليه السلام ، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل ، ومحل { أن أقيموا الدين } إما نصب بدل من مفعول { شرع } والمعطوفين عليه ، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع ؟ فقيل هو إقامة الدين { كبر على المشركين } عظم عليهم وشق عليهم { ما تدعوهم إليه } من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع ، بدليل أن الكفار قالوا { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } وهاهنا مسائل :

المسألة الأولى : احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع ، والله تعالى ذكر في معرض المنة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة ، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقا لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة ، فوجب أن يكون ذلك محرما ممنوعا عنه .

المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه ، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان ، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان ، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء ، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان ، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني ، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل ، وبيان منفعته من وجوه ( الأول ) أن للنفوس تأثيرات ، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير ( الثاني ) أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معينا للآخر في ذلك المقصود المعين ، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود ، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود ( الثالث ) أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب ، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى { ولا تنازعوا فتفشلوا } .

ثم قال تعالى : { الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب } وفيه وجهان ( الأول ) أنه تعالى لما أرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بين أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير ، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة ( الثاني ) أنه إنما كبر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبرا وأنفة فبين تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم ، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى ، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى ، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع ، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله { الله يجتبي إليه } أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة ، وقوله { من يشاء } كقوله تعالى : { يعذب من يشاء ويرحم من يشاء } .

ثم قال : { ويهدي إليه من ينيب } وهو كما روي في الخبر «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » أي من أقبل إلي بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره .

واعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه ، كان لقائل أن يقول : فلماذا نجدهم متفرقين ؟

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ} (13)

{ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى } وإيذان بأن ما شرع سبحانه لهم صادر عن كمال العلم والحكمة كما أن بيان نسبته إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيه على كونه ديناً قديماً أجمع عليه الرسل ، والخطاب لأمته عليه الصلاة والسلام أي شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ومن بعده من أرباب الشرائع وأولي العزم من مشاهير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمرهم به أمراً مؤكداً ، وتخصيص المذكورين بالذكر لما أشير إليه من علو شأنهم وعظم شهرتهم ولاستمالة قلوب الكفرة إلى الأتباع لاتفاق كل على نبوة بعضهم واختصاص اليهود بموسى عليه السلام والنصارى بعيسى عليه السلام وإلا فما من نبي إلا وهو مأمور بما أمروا به من إقامة دين الإسلام وهو التوحيد وما لا يختلف باختلاف الأمم وتبدل الإعصار من أصول الشرائع والأحكام كما ينبئ عنه التوصية فإنها معربة عن تأكيد الأمر والاعتناء بشأن المأمور به ، والمراد بإيحائه إليه صلى الله عليه وسلم إما ما ذكر في صدر السورة الكريمة وفي قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ الشورى : 7 ] الآية وإما ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواقع التي من جملتها قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ النحل : 123 ] وقوله سبحانه : { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحِى إلى أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } [ الكهف : 110 ] وغير ذلك ، وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده مْ التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة ولما في الإيحاء من التصريح برسالته عليه الصلاة والسلام القامع لإنكار الكفرة ، والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمال الاعتناء بإيحائه ، وفي ذلك إشعاء بأنه شريعته صلى الله عليه وسلم هي الشريعة المعتني بها غاية الاعتناء ولذا عبر فيها بالذي التي هي أصل الموصولات وذلك هو السر في تقديم الذي أوى إليه عليه الصلاة والسلام على ما بعده مع تقدمه عليه زماناً ، وتقديم توصية نوح عليه السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم ديناً قديماً ، وقد قيل : إنه عليه الصلاة والسلام أول الرسل ، وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم { أَنْ أَقِيمُواْ الدين } أي دين الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى وطاعته والإيمان بكتبه ورسله وبيوم الجزاء وسائر ما يكون العبد به مؤمنا ، والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ والمواظبة عليه ، و { أن } مصدرية وتقدم الكلام في وصلها بالأمر والنهي أو مخففة من الثقيلة لما في { شَرَعَ } من معنى العلم ، والمصدر اما منصوب على أنه بدل من مفعول { شَرَعَ } والمعطوفين عليه أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف والجملة جواب عن سؤال نشأ من إبهام المشروع كأنه قيل : وما ذاك ؟ فقيل : هو أن أقيموا الدين ، وقيل : هو مجرور على أنه بدل من ضمير { بِهِ } ولا يلزمه بقاء الموصول بلا عائد لأن المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة ، نعم قال شيخ الإسلام : إنه ليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستلزم لكون الخطاب في النهي الآتي عن التفرق للأنبياء المذكورين عليهم السلام وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر مع أن الأظهر أنه متوجه إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنهم المتفرقون ، ثم بين ما استظهره وسنشير إليه إن شاء الله تعالى .

وجوز كونه بدلاً من { الدين } ويجوز كون { أن } مفسرة فقد تقدمها ما يتضمن معني القول دون حروفه والخطاب في { أَقِيمُواْ } وقوله تعالى : { وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } على ما اختاره غير واحد من الأجلة شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه وللأنبياء والأمم قبلهم وضمير { فِيهِ } للدين أي ولا تتفرقوا في الدين الذي هو عبارة عما تقدم من الأصول بأن يأتي به بعض ولا يأتي بعض ويأتي بعض ببعض منه دون بعض وهو مراد مقاتل أي لا تختلفوا فيه ، ولا يشمل هذا النهي عن الاختلاف في الفروع فإنها ليست من الأصول المرادة هنا ولم يتحد بها النبيون كما يؤذن بذلك قوله تعالى : { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } [ المائدة : 48 ] وبعضهم أدخل بعض الفروع في أصول الدين المرادة هنا من الدين .

قال مجاهد : لم يبعث نبي إلا أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار بالله تعالى وطاعته سبحانه وذلك إقامة الدين ، وقال الحافظ أبو بكر بن العربي : لم يكن مع آدم عليه السلام إلا بنوه ولم يفرض له الفرائض ولا شرعة له المحارم وإنما كان منبهاً على بعض الأمور مقتصراً على بعض ضروريات المعاش واستمر الأمر إلى نوح عليه السلام فبعثه الله تعالى بتحريم الأمهات والبنات ووظف عليه الواجبات وأوضح له الأدب في الديانات ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر الأنبياء واحداً بعد واحد وشريعة أثر شريعة حتى ختمه سبحانه بخير الملل على لسان أكرم الرسل ، فمعنى الآية شرعنا لكم ما شرعنا للأنبياء ديناً واحداً في الأصول وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب بصالح الأعمال والصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم وتحريم الكبر والزنا والإيذاء للخلق والاعتداء على الحيوان واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع ديناً واحداً وملة متحدة لم يختلف على ألسنة الأنبياء وان اختلفت أعدادهم ، ومعنى { أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } اجعلوه قائماً أي دائماً مستمراً من غير خلاف فيه ولا اضطراب انتهى ، ولعله أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج مطلقها لا ما نعرفه في شرعنا منها فإن الصلوات الخمس والزكاة المخصوصة وصيام شهر رمضان من خواص هذه الأمة على الصحيح ، والظاهر أن حج البيت لم يشرع لأمة موسى وأمة عيسى عليهما السلام ولا لأكثر الأمم قبلهما على أن الآية مكية ولم تشرع الزكاة المعروفة وصيام رمضان إلا في المدينة ، وبالجملة لا شك في اختلاف الأديان في الفروع ، نعم لا يبعد اتفاقها فيما هو من مكارم الأخلاق واجتناب الرذائل { كَبُرَ } أي عظم وشق { عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } على سبيل الاستمرار التجددي من التوحيد ورفض عبادة الأصنام ويشعر بإرادته التعبير بالمشركين وهو أصل الأصول وأعظم ما شق عليهم كما تنبئ بذلك الآيات أو ما تدعوهم إليه من إقامة الدين وعدم التفرق فيه { الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء } تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن منهم من يجيب ، و { يَجْتَبِى } من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والضمير في { إِلَيْهِ } لله تعالى كما ذكر محيي السنة وغيره وكذا الضمير في قوله تعالى : { وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ يُنيبُ } أي يصطفي إليه سبحانه من يشاء اصطفاءه ويخصصه سبحانه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع النعم ويهدي إليه عز وجل بالإرشاد والتوفيق من يقبل إليه تعالى شأنه .

وعدى الاجتباء بإلى لما فيه من الجمع على ما يفهم من كلام الراغب ، وجعله جمع من الجباية بمعنى الجمع يقال جبيت الماء في الحوض جمعته فيه فمنهم من اختار جعل ضمير { إليه } في الموضعين لما لما فيه من اتساق الضمائر أي يجتلب ويجمع من يشاء اجتلابه وجمعه إلى ما تدعوهم إليه ، ومنهم من اختار جعله للدين لمناسبة معنوية هي اتحاد المتفرق فيه والمجتمع عليه والزمخشري اختار كونه من الجباية بمعنى الجمع وعود الضمير على الدين ، وما ذكره محيى السنة وغيره قال في الكشف أظهر وأملأ بالفائدة ، أما الثاني فللدلالة على أن أهل الاجتباء غير أهل الاهتداء وكلتا الطائفتين هم أهل الدين والتوحيد الذين لم يتفرقوا فيه وعلى مختار طائفة واحدة .

وأما الأول فلأن الاجتباء بمعنى الاصطفاء أكثر استعمالاً ولأنه يدل على أن أهل الدين هم صفوة الله تعالى اجتباهم إليه واصطفاهم لنفسه سبحانه ، وأما الذي آثره الزمخشري فكلام ظاهري بناه على أن الكلام في عدم التفرق في الدين فناسب الجمع والانتهاء إليه ، وقيل : { مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } على معنى ما تدعوهم إلى الإيمان به والمراد به الرسالة أي ثقلت عليهم رسالتك وعظم لديهم تخصيصنا إياك بالرسالة والوحي دونهم وقوله تعالى : { الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء } رد عليهم على نحو { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] وما قدمنا أظهر .

ومما قاله أرباب الإشارات في بعض الآيات : { الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } [ الشورى : 13 ] يشير إلى مقامي المجذوب والسالك فالمجذوب من الخواص اجتباه ربه سبحانه في الأزل وسلكه في مسلك من يحبهم واصطنعه سبحانه لنفسه جل شأنه وجذبه تعالى عن الدارين بجذبة توازي عمل الثقلين فهو في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، والسالك من العوام سلكه في سلك من يحبونه بالتوفيق للهداية والقيام على قدمي الجهد والإنابة إلى سبيل الرشاد من طريق العناد