مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (52)

أما قوله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين }

فيه مسائل :

المسألة الأولى : روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك ؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ أطردهم عن نفسك ، فلعلك إن طردتهم اتبعناك ، فقال عليه السلام : «ما أنا بطارد المؤمنين » فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا ، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت ، فقال «نعم » طمعا في إيمانهم . وروي أن عمر قال له : لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون ، ثم ألحوا وقالوا للرسول عليه السلام : أكتب لنا بذلك كتابا فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت هذه الآية ، فرمى الصحيفة ، واعتذر عمر عن مقالته ، فقال سلمان وخباب : فينا نزلت ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته ، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام ، فنزل قوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال : «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات » .

المسألة الثانية : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه : الأول : أنه عليه السلام طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد ، فكان ذلك الطرد ذنبا . والثاني : أنه تعالى قال : { فتطردهم فتكون من الظالمين } وقد ثبت أنه طردهم ، فيلزم أن يقال : إنه كان من الظالمين . والثالث : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } ثم إنه تعالى أمر محمدا عليه السلام بمتابعة الأنبياء عليهم السلام في جميع الأعمال الحسنة ، حيث قال : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فبهذا الطريق وجب على محمد عليه السلام أن لا يطردهم ، فلما طردهم كان ذلك ذنبا . والرابع : أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف ، فزاد فيها فقال : { تريد زينة الحياة } ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى فقال { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا } فلما نهى عن الالتفات إلى زينة الدنيا ، ثم ذكر في تلك الآية أنه يريد زينة الحياة الدنيا كان ذلك ذنبا . الخامس : نقل أن أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الواقعة فكان عليه السلام يقول «مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم » أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل أيضا على الذنب .

والجواب عن الأول : أنه عليه السلام ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش ، فكان غرضه منه التلطف في إدخالهم في الإسلام ولعله عليه السلام كان يقول هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم بسبب هذه المعاملة أمر مهم في الدنيا وفي الدين ، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى ، فأقصى ما يقال إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطأ في الاجتهاد مغفور . وأما قوله ثانيا : إن طردهم يوجب كونه عليه السلام من الظالمين .

فجوابه : أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، والمعنى أن أولئك الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم عن ذلك المجلس كان ذلك ظلما ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ترك الواجبات وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { بالغداة والعشي } بالواو وضم الغين وفي سورة الكهف مثله والباقون بالألف وفتح الغين . قال أبو علي الفارسي الوجه قراءة العامة بالغدة لأنها تستعمل نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها . فأما ( غدوة ) فمعرفة وهو علم صيغ له ، وإذا كان كذلك ، فوجب أن يمتنع إدخال لام التعريف عليه ، كما يمتنع إدخاله على سائر المعارف . وكتابة هذه الكلمة بالواو في المصحف لا تدل على قولهم ، ألا ترى أنهم كتبوا «الصلوة » بالواو وهي ألف فكذا هاهنا . قال سيبويه " غدوة وبكرة " جعل كل واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا أم حبين اسما لدابة معروفة . قال وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت لقيته يوما من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون . فهذه الأشياء تقوي قراءة العامة ، وأما وجه قراءة ابن عامر فهو أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز أن يقال أتيتك اليوم غدوة وبكرة فجعلهما بمنزلة ضحوة ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : في قوله { يدعون ربهم بالغداة والعشي } قولان : الأول : أن المراد من الدعاء الصلاة ، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ، وهي صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد .

وقيل : المراد من الغداة والعشي طرفا النهار ، وذكر هذين القسمين تنبيها على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس .

والقول الثاني : المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم : الدعاء هاهنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار .

المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله { يريدون وجهه } وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله { ويبقى وجه ربك } .

وجوابه أن قوله { قل هو الله أحد } يقتضي الوجدانية التامة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء ، فثبت أنه لابد من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : قوله { يريدون وجهه } المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم ، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل ، والثاني : أن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من لوازم المحبة ، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } .

ثم قال تعالى : { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } اختلفوا في أن الضمير في قوله { حسابهم } وفي قوله { عليهم } إلى ماذا يعود ؟

والقول الأول : أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما شاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار ، فلعلهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر ، فقال تعالى : لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر .

القول الثاني : أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله { فتطردهم فتكون من الظالمين } عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء ، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم ، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله { ما عليك من حسابهم من شيء } قولين : أحدهما : أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك ، فقال الله تعالى إن كان الأمر كما يقولون ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله ، فحسابهم عليه لازم لهم ، لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم ، كقوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } .

فإن قيل : أما كفى قوله { ما عليك من حسابهم من شيء } حتى ضم إليه قوله { وما من حسابك عليهم من شيء }

قلنا : جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه .

القول الثاني : ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم ، ولا حساب رزقك عليهم ، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم .

واعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } فأجابهم نوح عليه السلام و { قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون } وعنوا بقولهم { الأرذلون } الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ، فكذلك هاهنا . وقوله { فتطردهم } جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم ، وقوله { فتكون من الظالمين } يجوز أن يكون عطفا على قوله { فتطردهم } على وجه التسبب لأن كونه ظالما معلول طردهم ومسبب له . وأما قوله { فتكون من الظالمين } ففيه قولان : الأول : { فتكون من الظالمين } لنفسك بهذا الطرد ، الثاني : أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلما لهم ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (52)

{ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } . لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لعلهم ينتظمون في سلك المتقين نهي عليه الصلاة والسلام عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم ؛ ويفهم من بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معاً ولا يفهم ذلك من البعض الآخر ، فقد أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : «مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا : يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك أهؤلاء من الله تعالى عليهم من بيننا أنحن نكون تبعاً لهؤلاء اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل الله تعالى فيهم القرآن { وَأَنذِرْ بِهِ الذين } إلى قوله سبحانه : { والله أَعْلَمُ بالظالمين } [ الأنعام : 51 58 ] .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في «الدلائل » . وغيرهم عن خباب رضي الله تعالى عنه قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال وصهيب . وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا : نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب له فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا قعوداً مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال : نعم قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة ودعا علياً كرم الله تعالى وجهه ليكتب ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بهذه الآية { وَلاَ تَطْرُدِ الذين } الخ ثم دعانا فأتيناه وهو يقول : { سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } [ الأنعام : 54 ] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله تعالى { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم } [ الكهف : 28 ] الخ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم .

وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال : مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة بن عمرو بن نوفل والحرث بن عامر بن نوفل ومطعم بن عدي في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا : لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد والحلفاء كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم : وما يصيرون إليه من أمرهم فأنزل الله سبحانه { وَأَنذِرْ بِهِ } إلى قوله سبحانه

{ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } [ الأنعام : 51 53 ] وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وصبيحاً مولى أسيد ، والحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم . ونزل في أئمة الكفر من قريش والموالي . والحلفاء { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } [ الأنعام : 53 ] الآية فلما نزلت أقبل عمر رضي الله تعالى عنه فاعتذر من مقالته فأنزل الله تعالى : { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا } [ الأنعام : 54 ] الآية .

والغداة أصله غدوة قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وأصل العشي عشوي قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وفاء بالقاعدة ، والظاهر أنه مفرد كالعشية وجمعه عشايا وعشيات ، وقيل : هو جمع عشية وفيه بعد ، ومعنى الأول لغة البكرة أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس ، ومعنى الثاني آخر النهار ، والمراد بهما ههنا الدوام كما يقال فعله مساء وصباحاً إذا داوم عليه ، والمراد بالدعاء حقيقته أو الصلاة أو الذكر أو قراءة القرآن أقوال .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنهما عبارة عن صلاتي الصبح والعصر لأن الزمان كثيراً ما يذكر ويراد به ما يقع فيه كما يقال صلى الصبح والمراد صلاته وقد يعكس فيراد بالصلاة زمانها نحو قربت الصلاة أي وقتها ، وقد يراد بها مكانها كما قيل في قوله تعالى : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 43 ] أن المراد بالصلاة المساجد ، وخصا بالذكر لشرفهما . والأقوال في الدعاء جارية على هذا القول خلا الثاني ، وقرأ ابن عامر هنا وفي الكهف ( 82 ) ( الغدوة ) بالواو وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي وغيرهم ، وزعم أبو عبيد أن من قرأ بالواو فقد أخطأ لأن غدوة علم جنس لا تدخله الألف واللام ، ومنشأ خطئه أنه اتبع رسم الخط لأن الغداة تكتب بالواو كالصلاة والزكاة وقد أخطأ في هذه التخطئة لأن غدوة وإن كان المعروف فيها ما ذكره لكن قد سمع مجيؤها اسم جنس أيضاً منكراً مصروفاً فتدخلها أل حينئذ ، وقد نقل ذلك سيبويه عن الخليل ، وتصديره بالزعم لا يدل على ضعفه كما يشير إليه كلام الإمام النووي في «شرح مسلم » وذكره جم غفير من أهل اللغة .

وذكر المبرد أيضاً عن العرب تنكير غدوة وصرفها وإدخال اللام عليها إذا لم يرد بها غدوة يوم بعينه والمثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، وكفى بوروده في القراءة المتواترة حجة فلا حاجة كما قيل إلى التزام أنها علم لكنها نكرت فدخلتها أل لأن تنكير العلم وإدخال أل عليه أقل قليل في كلامهم بل إن تنكير علم الجنس لم يعهد ولا إلى التزام أنها معرفة ودخلتها اللام لمشاكلة العشي كما دخلت على يزيد لمشاكلة الوليد في قوله :

رأيت الوليد بن اليزيد مباركا *** شديداً بأعباء الخلافة كاهله

لأن هذا النوع من المشاكلة وهو المشاكلة الحقيقية قليل أيضاً ، والكثير في المشاكلة المجاز ولا دلالة في الآية على أنه صلى الله عليه وسلم وقع منه الطرد ليخدش وجه العصمة ، والذي تحكيه الآثار أنه عليه الصلاة والسلام هم أن يجعل لأولئك الداعين المتقين وقتاً خاصاً ولأشراف قريش وقتاً آخر ليتآلفوا فيقودهم إلى الإيمان ؛ وأولئك رضي الله تعالى عنهم يعلمون ما قصد صلى الله عليه وسلم فلا يحصل لهم إهانة وانكسار قلب منه عليه الصلاة والسلام .

{ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } في موضع الحال من ضمير { يَدَّعُونَ } . وفي المراد بالوجه عند المؤولين خلاف فقيل وهو المشهور إنه الذات أي مريدين ذاته تعالى ، ومعنى إرادة الذات على ما قيل الإخلاص لها بناء على استحالة كون الله تعالى مراداً لذاته سبحانه وتعالى لأن الإرادة صفة لا تتعلق إلا بالممكنات لأنها تقتضي ترجيح أحد طرفي المراد على الآخر وذلك لا يعقل إلا فيها أي يدعون ربهم مخلصين له سبحانه فيه ، وقيد بذلك لتأكيد عليته للنهي فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد ، وقيل : المراد به الجهة والطريق ، والمعنى مريدين الطريق الذي أمرهم جل شأنه بإرادته وهو الذي يقتضيه كلام الزجاج ، وقيل : «إنه كناية عن المحبة وطلب الرضا لأن من أحب ذاتاً أحب أن يرى وجهه فرؤية الوجه من لوازم المحبة فلهذا جعل كناية عنها ، قاله الإمام وهو كما ترى وجوز أيضاً أن يكون ذكر الوجه للتعظيم كما يقال : هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل ، والمعنى يريدونه2 .

{ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } ضمير الجمع للموصول السابق كما روي عن عطاء وغالب المفسرين . وجوز في ( ما ) أن تكون تميمية وحجازية وفي { شَىْء } أن يكون فاعل الظرف المعتمد على النفي و { مِنْ حِسَابِهِم } وصف له قدم فصار حالاً ، وأن يكون في موضع رفع بالابتداء والظرف المتقدم متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً له و { مِنْ } زائدة للاستغراق ، وكلام الزمخشري يشير إلى اختياره ، والجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى أن يتوهم كونه مسوغاً لطرد المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم كدأب قوم نوح عليه السلام حيث قالوا : { مَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } [ هود : 27 ] ، والمعنى ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة كما يقوله المشركون حتى تتصدى له وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام وإنما وظيفتك حسبما هو شأن منصب الرسالة النظر إلى ظواهر الأمور وإجراء الأحكام على موجبها وتفويض البواطن وحسابها إلى اللطيف الخبير ، وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي وروي عن ابن زيد أن المعنى ما عليك شيء من حساب رزقهم أي من فقرهم ، والمراد لا يضرك فقرهم شيئاً ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون منك فيهم .

{ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } عطف على ما قبله ، وجيء به مع أن الجواب قد تم بذلك مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلاً وهو انتفاء كون حسابه صلى الله عليه وسلم عليهم فهو على طريقة قوله سبحانه : { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ، والنحل : 61 ] في رأي . وقال الزمخشري : «إن الجملتين في معنى جملة واحدة تؤدي مؤدي { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ فاطر : 18 ] كأنه قيل : لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه ، وحينئذ لا بد من الجملتين » ، وتعقب بأنه غير حقيق بجلالة التنزيل . وتقديم خطابه صلى الله عليه وسلم في الموضعين قيل للتشريف له عليه أشرف الصلاة وأفضل السلام وإلا كان الظاهر وما عليهم من حسابك من شيء بتقديم على ومجرورها كما في الأول ، وقيل : إن تقديم عليك في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصديه عليه الصلاة والسلام لحسابهم/ .

وذهب بعض المفسرين إلى أن ضمير الجمع للمشركين وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والمعنى إنك لا تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين ، والضمير في قوله سبحانه : { فَتَطْرُدَهُمْ } للمؤمنين على كل حال ، والفعل منصوب على أنه جواب النفي ، والمراد انتفاء الطرد لا انتفاء كون حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام ضرورة انتفاء المسبب لانتفاء سببه كأنه قيل : ما يكون منك ذلك فكيف يقع منك طرد وهو أحد معنيين في مثل هذا التركيب يمتنع ثانيهما هنا .

وقوله تعالى : { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } جواب النهي ، وجوز الإمام والزمخشري أن يكون عطفاً على { فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبب لأن الكون ظالماً معلول طردهم وسبب له . واعترض بأن الاشتراك في النصب بالعطف يقتضي الاشتراك في سبب النصب وهو توقف الثاني على الأول بحيث يلزم من انتفاء الأول انتفاؤه والكون من الظالمين منتف سواء لوحظ ابتداء أو بعد ترتبه على الطرد وجعله مترتباً على الطرد بلا اعتبار كونه مترتباً على المنفي ومنتفياً بانتفائه يفوت وجود سببية العطف . وأجيب بأن الظلم بالطرد يتوقف انتفاؤه على انتفاء الرد كما لا يتوقف وجوده على وجوده وانتفاء الطرد متوقف على انتفاء كون حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام فانتفاء الظلم بالطرد يتوقف على ذلك أيضاً فيلزم من الانتفاء الانتفاء ويتحقق الاشتراك في سبب النصب وهو ظاهر وإنكاره مكابرة . واعترض أيضاً بأن العطف مؤذن بأن عدم الظلم لعدم تفويض الحساب إليه صلى الله عليه وسلم فيفهم منه أنه لو كان حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم وطردهم لكان ظلماً وليس كذلك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه .

وأجيب بأنه على حد «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه » . وفي «الكشف » في بيان مراد صاحب «الكشاف » أنه أراد أن الطرد سبب للظلم فقيل : ما عليك من حسابهم لتطردهم فتظلم به ويفهم منه أنه لو كان عليه حسابهم لم يكن طرده إياهم ظلماً وذلك لأن الطرد جعل سبباً للظلم على تقدير أن لا يملك حسابهم وعليه لا حاجة إلى جعله على حد نعم العبد الخ بل هو خروج عن الحد ، وجوز بعضهم أن يكون الأول جواباً للنهي كما جاز أن يكون جواباً للنفي ، ونقل عن «الدر المصون » وقال : الكلام عليه بحسب الظاهر ولا تطردهم فتطردهم وهو كما ترى ، وجعل بعضهم اجتماع ذينك النفيين السابقين على هذا الجواب من قبيل التنازع خلا أنه لا يمكن كون الجواب للثاني بوجه أصلاً إذ يلزم المعنى حينئذ أنه لو كان عليهم شيء من حسابه عليه الصلاة والسلام كان طرده إياهم حسناً وهو خلف لا يجوز حمل القرآن عليه وليس في هذا خروج عن مختار البصريين لإعمال الثاني لأن شرطه عندهم أن يكون المعنى مستقيماً فيهما فإن لم يستقم أعمل الأول اتفاقاً كما في قوله

: ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة *** كفاني ولم أطلب قليل من المال

وأنت إذا علمت أن الجملة الثانية لماذا أتى بها علمت ما في هذا الكلام فافهم ؛ وأياً ما كان فالمراد فتكون من الظالمين لأنفسهم أو لأولئك المؤمنين أو فتكون ممن اتصف بصفة الظلم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تَطْرُدِ } أي لأجل التربية والتهذيب والامتحان { الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } الذي أوصلهم حيث أوصلهم من معارج الكمال { بالغداة } أي وقت تجلي الجمال { والعشى } أي وقت تجلي العظمة والجلال { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي يريدونه سبحانه بذاته وصفاته ويطلبون تجليه عز وجل لقلوبهم { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم } أي حساب أعمالهم القلبية من شيء لأن الله تعالى قد تولى حفظ قلوبهم وأمطر عليها سحائب عنايته فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، وقوله تعالى : { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } عطف على سابقه أتى به للمبالغة على ما مر في العبارة .

ويحتمل أن يراد لا تطرد السالكين لأجل المحجوبين فما عليك من حساب السالكين أو المحجوبين شيء ومعنى ذلك يعرف بأدنى التفات { فَتَطْرُدَهُمْ } عن الجلوس معك { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } [ الأنعام : 52 ] لهم بنقص حقوقهم وعدم القيام برعاية شأنهم . ومن المؤولين من قال : إن الآية في أهل الوحدة أي لا تزجر الواصلين الكاملين ولا تنذرهم فإن الإنذار كما لا ينجع في الذين قست قلوبهم لا ينجع في الذين طاشوا وتلاشوا في الله تعالى وهم الذين يخصونه سبحانه بالعبادة دائماً بحضور القلب وعدم مشاهدة شيء سواه حتى ذواتهم { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم } فيما يعملون { مِن شَىْء } إذ لا واسطة بينهم وبين ربهم { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } أي لا يخوضون في أمور دعوتك بنصر وإعانة لاشتغالهم به سبحانه عمن سواه ودوام حضورهم معه { فَتَطْرُدَهُمْ } عما هم عليه من دوام الحضور بدعوتك لهم لشغل ديني { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } لتشويشك عليهم أوقاتهم ، والله تعالى أعلم بحقيقة كلامه .