مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (70)

قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } .

اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله : { الذين يخوضون في آياتنا } ومعنى { ذرهم } أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده : { وذكر به } ونظيره قوله تعالى : { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم } والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا يترك إنذارهم وتخويفهم .

واعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان موصوفا بصفتين :

الصفة الأولى : أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وفي تفسيره وجوه : الأول : المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا به واستهزؤوا به . الثاني : اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها دينا لهم . الثالث : أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني ، مثل تحريم السوائب والبحائر وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة ، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله تعالى عنهم بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا . والرابع : قال ابن عباس جعل الله لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى . ثم إن الناس أكثرهم من المشركين ، وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى . والخامس : وهو الأقرب ، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب . فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا ، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو . فالمراد من قوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه . وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة . والله أعلم .

الصفة الثانية : قوله تعالى : { وغرتهم الحياة الدنيا } وهذا يؤكد الوجه الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعبا ولهوا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا . فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا .

إذا عرفت هذا ، فقوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } معناه أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزنا { وذكر به } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { به } إلى ماذا يعود ؟ قيل : وذكر بالقرآن وقيل أنه تعالى قال : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته . فقوله : { وذكر به } أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور . والدين أقرب المذكور ، فوجب عود الضمير إليه . أما قوله { أن تبسل نفس بما كسبت } فقال صاحب «الكشاف » : أصل الإبسال المنع ومنه ، وهذا عليك بسل أي حرام محظور ، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه ، أو لأنه شديد البسور ، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه ، وإذا زاد قالوا بسل ، والعابس منقبض الوجه .

إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : { تبسل نفس بما كسبت } أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا . وقال الحسن ومجاهد : تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل . وقال قتادة : تحبس في جهنم ، وعن ابن عباس { تبسل } تفضح و{ أبسلوا } فضحوا ، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن ، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون . ثم قال تعالى : { ليس لها } أي ليس للنفس { من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } أي وإن تفذ كل فداء ، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية منها . قال صاحب «الكشاف » : فاعل يؤخذ ليس هو قوله : { عدل } لأن العدل ههنا مصدر ، فلا يسند إليه الأخذ . وأما في قوله : { ولا يؤخذ منها عدل } فبمعنى المفدى به ، فصح إسناده إليه . فنقول : الأخذ بمعنى القبول وارد . قال تعالى : { ويأخذ الصدقات } أي يقبلها . وإذا ثبت هذا فيحمل الأخذ ههنا على القبول ، ويزول السؤال . والله أعلم .

والمقصود من هذه الآية : بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة ، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور ، ولا شفيع يشفع فيها ، ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع . فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا ، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة ، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام ، فليس لها ألبتة دافع من عذاب الله تعالى ، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى . ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين ، فقال { لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } وذلك هو النهاية في صفة الإيلام . والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (70)

{ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ } الذي فرض عليهم وكلفوه وأمروا بإقامة مواجبه وهو الإسلام { لَعِباً وَلَهْواً } حيث سخروا به واستهزأوا ، وجوز أن يكون المعنى اتخذوا الدين الواجب شيئاً من جنس اللعب واللهو كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب ونحو ذلك أو اتخذوا ما يتدينون به وينتحلونه بمنزلة الذين لأهل الأديان شيئاً من اللعب واللهو . وحاصله أنهم اتخذوا اللعب واللهو ديناً ، وقيل : المراد بالدين العيد الذي يعاد إليه كل حين معهود بالوجه الذي شرعه الله تعالى كعيد المسلمين أو بالوجه الذي لم يشرع من اللعب واللهو كأعياد الكفرة لأن أصل معنى الدين العادة والعيد معتاد كل عام ونسب ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، والمعنى على سائر الأقوال لا تبال بهؤلاء وامص لما أمرت به .

وأخرج ابن جرير وغيره أن المعنى على التهديد كقوله تعالى : { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } [ المدثر : 11 ] و { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } [ الحجر : 3 ] ، وقيل : المراد الأمر بالكف عنهم وترك التعرض لهم . والآية عليه منسوخة بآية السيف ، وهو مروي عن قتادة . ونصب { لَعِباً } على أنه مفعول ثان لاتخذوا وهو اختيار السفاقسي ، ويفهم من ظاهر كلام البعض أنه مفعول أول و { دِينَهُمُ } ثان ، وفيه إخبار عن النكرة بالمعرفة . ويفهم من كلام الإمام أنه مفعول لأجله واتخذ متعد لواحد فإنه قال بعد سرد وجوه التفسير في الآية : «والخامس وهو الأقرب أن ( المحق ) في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أن قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا ، وقد حكم الله تعالى عليها في سائر الآيات بأنها لعب ولهو . فالمراد من قوله سبحانه : { وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا } الخ هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه . وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الآية » اه . ولا يخفى أنه أبعد من العيوق فلا تغتر به وإن جل قائلة .

{ وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } أي خدعتهم وأطمعتهم بالباطل حتى أنكروا البعث وزعموا أن لا حياة بعدها واستهزأوا بآيات الله تعالى . وجعل بعضهم غر من الغر وهو ملء الفم أي أشبعتهم لذاتها حتى نسوا الآخرة وعليه قوله :

ولما التقينا بالعشية غرني *** بمعروفه حتى خرجت أفوق

{ وَذَكّرْ بِهِ } أي بالقرآن . وقد جاء مصرحاً به في قوله سبحانه : { فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق : 45 ] والقرآن يفسر بعضه بعضاً . وقيل : الضمير لحسابهم ، وقيل : للدين . وقيل : إنه ضمير يفسره قوله سبحانه : { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } فيكون بدلاً منه واختاره أبو حيان . وعلى الأوجه الأخر هو مفعول لأجله أي لئلا تبسل أو مخافة أو كراهة أن تبسل .

ومنهم من جعله مفعولاً به لذكر . ومعنى { تُبْسَلَ } تحبس كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأنشد له قول زهير

: وفارقتك برهن لافكاك له *** يوم الوداع وقلبي مبسل علقاً

وفي رواية ابن أبي حاتم عنه تسلم . وروي ذلك أيضاً عن الحسن ومجاهد والسدى واختاره الجبائي والفراء ، وفي رواية ابن جرير وغيره تفضح . وقال الراغب : { تُبْسَلَ } هنا بمعنى تحرَمَ الثواب . وذكر غير واحد أن الإبسال والبسل في الأصل المنع ، ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه أو لأنه متمنع ، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه ، وجاء البسل بمعنى الحرام . وفرق الراغب بينهما «بأن الحرام عام لما منع منه بحكم أو قهر والبسل الممنوع ( منه ) بالقهر » ، ويكون بسل بمعنى أجل ونعم ، واسم فعل بمعنى أكفف . وتنكير { نَفْسٌ } للعموم مثله في قوله تعالى : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } [ التكوير : 14 ] أي لئلا تحبس وترهن كل نفس في الهلاك أو في النار أو تسلم إلى ذلك أو تفضح أو تحرم الثواب بسبب عملها السوء أو ذكر بحبس أو حبس كل نفس بذلك ، وحمل النكرة على العموم مع أنها في الإثبات لاقتضاء السياق له ، وقيل : إنها هنا في النفي معنى ، وفيما اختاره أبو حيان من التفخيم وزيادة التقرير ما لا يخفى .

وقوله تعالى : { لَيْسَ لَهَا } أي النفس { مِن دُونِ الله وَلِىٌّ * وَلاَ شَفِيعٍ } إما استئناف للإخبار بذلك أو في محل رفع صفة { نَفْسٌ } أو في محل نصب على الحالية من ضمير { كَسَبَتْ } أو من { نَفْسٌ } فإنه في قوة نفس كافرة أو نفوس كثيرة واستظهر بعض الحالية . ومن { دُونِ الله } متعلق بمحذوف وقع حالا من { وَلِيُّ } ، وقيل : خبراً لليس ، و { لَهَا } حينئذ متعلق بمحذوف على البيان ، ومن جعلها زائدة لم يعلقها بشيء ، والمراد أنه لا يحول بينها وبين الله تعالى بأن يدفع عقابه سبحانه عنها ولي ولا شفيع .

{ وَإِن تَعْدِلْ } أي إن تفد تلك النفس { كُلَّ عَدْلٍ } أي كل فداء . و «كل » نصب على المصدرية لأنه بحسب ما يضاف إليه لا مفعول به ، وقيل : إنه صفة لمحذوف وهو بمعنى الكامل كقولك : هو رجل كل رجل أي كامل في الرجولية والتقدير عدلاً كل عدل . ورد بأن كلا بهذا المعنى يلزم التبعية والإضافة إلى مثل المتبوع نعتاً لا توكيداً كما في «التسهيل » ولا يجوز حذف موصوفة .

وقوله تعالى : { لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } جواب الشرط ، والفعل مسند إلى الجار والمجرور كسير من البلد لا إلى ضمير العدل لأن العدل كما علمت مصدر وليس بمأخوذ بخلافه في قوله تعالى : { لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا * عَدْلٍ }

[ البقرة : 48 ] فإنه فيه بمعنى المفدى به ، وجوز كون الإسناد إلى ضميره مراداً به الفدية على الاستخدام إلا أنه لا حاجة إليه مع صحة الإسناد إلى الجار والمجرور ، وبذلك يستغنى أيضاً عن القول بكونه راجعاً إلى المعدول به المأخوذ من السياق . وقيل : معنى الآية وإن تقسط تلك النفس كل قسط في ذلك اليوم لا يقبل منها لأن التوبة هناك غير مقبولة وإنما تقبل في الدنيا .

{ أولئك } أي المتخذون دينهم لعباً ولهواً المغترون بالحياة الدنيا { الذين أُبْسِلُواْ } أي حرموا الثواب وسلموا للعذاب أو بأحد المعاني الباقية للإبسال { بِمَا كَسَبُواْ } أي بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة . واسم الإشارة مبتدأ ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجة المشار إليهم في سوء الحال ، وخبره الموصول بعده ، والجملة استئناف سيق إثر تحذير أولئك من الإبسال المذكور لبيان أنهم المبتلون بذلك .

وقوله سبحانه : { لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } استئناف آخر مبين لكيفية الإبسال المذكور مبنى على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : ماذا لهم حين أبسلوا ؟ فقيل : لهم شراب من حميم أي ماء حار يتجرجر ويتردد في بطونهم ويتقطع به أمعاؤهم { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } بنار تشتعل بأبدانهم كما هو المتبادر من العذاب { بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا ، ويطلق الحميم على الماء البارد فهو ضد كما في «القاموس » . وجوز أبو البقاء أن تكون جملة { لَهُمْ شَرَابٌ } حالاً من ضمير { أُبْسِلُواْ } وان تكون خيراً لاسم الإشارة ويكون { الذين } نعتاً له أو بدلاً منه . وأن تكون خبراً ثانياً . واختار كما يشير إليه كلامه أن تكون الإشارة إلى النفوس المدلول عليها بنفس وجعلت الجملة لبيان تبعة الإبسال . واختار كثير من المحققين ما أشرنا إليه . وترتيب ما ذكر من العذابين على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضاً حسبما ينطق به قوله سبحانه : { بِمَا كَسَبُواْ } لأنه العمدة في أيجاب العذاب والأهم في باب التحذير أو أريد كما قيل بكفرهم ما هو أعم منه ومن مستتبعاته من المعاصي .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } أي اترك الذين عادتهم اللعب واللهو الخ فإنهم قد حجبوا بما رسخ فيهم عن سماع الإنذار وتأثيره فيهم { وَذَكّرْ بِهِ } أي بالقرآن كراهة { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } أي تحجب بكسبها بأن يصير لها ملكة أي ذكر من لم يكن دينه اللعب واللهو لئلا يكون دينه ذلك وأما من وصل إلى ذلك الحد فلا ينفعه التذكير { أُوْلَئِكَ الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } وهو شدة الشوق إلى الكمال

{ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } [ الأنعام : 70 ] وهو الحرمان عنه بسبب الاحتجاب بما كسبوا