قوله تعالى : { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير } .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية ، وذكر فيها أنواعا كثيرة من الدلائل . أولها : قوله { وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق } أما كونه خالقا للسماوات والأرض ، فقد شرحنا في قوله : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران { ربنا ما خلقت هذا باطلا } وقوله : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } { ما خلقناهما إلا بالحق } وفيه قولان .
القول الأول : وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق ، فكان ذلك التصرف حسنا على الإطلاق وحقا على الإطلاق .
والقول الثاني : وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقا أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم . قال القاضي : ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولا حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات والأرض ، ولحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى ، وهي أنه يقال : أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه . وثانيها : قوله : { ويوم يقول كن فيكون } في تأويل هذه الآية قولان . الأول : التقدير وهو الذي خلق السماوات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون ، والمراد من هذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون .
والوجه الثاني : في التأويل أن نقول قوله : { الحق } مبتدأ و{ يوم يقول كن فيكون } ظرف دال على الخبر ، والتقدير : قوله : { الحق } واقع { يوم يقول كن فيكون } كقولك يوم الجمعة القتال ، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة . والمراد من كون قوله حقا في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق ، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث . وثالثها : قوله : { وله الملك يوم ينفخ في الصور } فقوله : { وله الملك } يفيد الحصر ، والمعنى : أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد بالكلام الثاني تقريرا لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل ، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض .
فإن قال قائل : قول الله حق في كل وقت ، وقدرته كاملة في كل وقت ، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين ؟
قلنا : لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر ، فكان الأمر كما قال سبحانه : { والأمر يومئذ لله } فلهذا السبب حسن هذا التخصيص ، ورابعها : قوله : { عالم الغيب والشهادة } تقديره ، وهو عالم الغيب والشهادة .
واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرر فيه أصلين : أحدهما : كونه قادرا على كل الممكنات ، والثاني : كونه عالما بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادرا على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضا منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي . والمؤمن بالكافر ، والصديق بالزنديق ، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة . أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كما الغرض والمقصود ، فقوله : { وله الملك يوم ينفخ في الصور } يدل على كمال القدرة ، وقوله : { عالم الغيب والشهادة } يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقا ، وأن يكون حكمه صدقا ، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل .
ثم قال : { وهو الحكيم الخبير } والمراد من كونه حكيما أن يكون مصيبا في أفعاله ، ومن كونه خبيرا ، كونه عالما بحقائقها من غير اشتباه ومن غير التباس . والله أعلم .
المسألة الثانية : قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله : { كن فيكون } خطابا وأمرا لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال ، وإن كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجودا وهو محال ، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات .
المسألة الثالثة : قوله : { يوم ينفخ في الصور } ولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر ، ولا شبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرنا ينفخ فيه ملك من الملائكة وذلك القرن يسمى بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم ولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين :
القول الأول : أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه وصفته مذكورة في سائر السور .
والقول الثاني : إن الصور جمع صورة والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى ، وقال أبو عبيدة : الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة . قال الواحدي رحمه الله : أخبرني أبو الفضل العروضي عن الأزهري عن المنذري عن أبي الهيثم : أنه قال ادعى قوم أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة ، وروي ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم ، وهذا خطأ فاحش لأن الله تعالى قال : { وصوركم فأحسن صوركم } وقال : { ونفخ في الصور } فمن قرأ ونفخ في الصور ، وقرأ { فأحسن صوركم } فقد افترى الكذب ، وبدل كتاب الله ، وكان أبو عبيدة صاحب أخبار وغرائب ، ولم يكن له معرفة بالنحو ، قال الفراء : كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحده ، فواحده بزيادة هاء فيه ، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه ، وإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده ، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا صوفة وصوف وبسرة وبسر كما قالوا غرفة وغرف ، وزلفة وزلف ، وأما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال واحدته صورة وإنما تجمع صورة الإنسان صورا لأن واحدته سبقت جمعه ، قال الأزهري : قد أحسن أبو الهيثم في هذا الكلام ، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه ، وأقول : ومما يقوي هذا الوجه أنه لو كان المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى نفسه لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه ، كما قال : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } وقال : { فنفخنا فيها من روحنا } وقال : { ثم أنشأناه خلقا آخر } وأما نفح الصور بمعنى النفخ في القرن ، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال : { فإذا نقر في الناقور } وقال : { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض . . . ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } فهذا تمام القول في هذا البحث ، والله أعلم بالصواب .
{ وَهُوَ الذى خَلَقَ * السموات والارض } أي هذين الأمرين العظيمين . ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما أيضاً ، وعدم التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات . وقوله سبحانه : { بالحق } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { خُلِقَ } أي قائماً بالحق ، ومعنى الآية حينئذ كما قيل كقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والارض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا } [ ص : 27 ] وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي متلبسة بالحق ، وأن يكون صفة لمصدر الفعل المؤكد أي خلقاً متلبساً بالحق .
{ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق } تذييل لما تقدم ؛ والواو للاستئناف . واليوم بمعنى الحين متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً و { قَوْلُهُ } مبتدأ و { الحق } صفته ، والمراد بالقول المعنى المصدري أي القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أي وقضاؤه سبحانه المعروف بالحقية كائن حين يقول سبحانه لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء وتقديم الخبر للاهتمام بعموم الوقت كما قيل ، ونفى السعد كونه للحصر لعدم مناسبته وجعل التقديم لكونه الاستعمال الشائع . وتعقب بأن المعروف الشائع تقديم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة غير موصوفة أو نكرة موصوفة أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد . وقيل : إن { قَوْلُهُ الحق } مبتدأ وخبر و { يَوْمٍ } ظرف لمضمون الجملة والواو بحسب المعنى داخلة عليها والتقديم للاعتناء به من حيث إنه مدار الحقية ، وترك ذكر المقول له للثقة بغاية ظهوره . والمراد بالقول كلمة { كُنَّ } تحقيقاً أو تمثيلاً . والمعنى وأمره سبحانه المتعلق بكل شيء يريد خلقه من الأشياء حين تعلقه به لا قبله ولا بعده من أفراد الأحيان الحق أي المشهود له بالحقية ، وقيل : إن الواو للعطف و { يَوْمٍ } إما معطوف على { السموات } فهو مفعول لخلق مثله ، والمراد به يوم الحشر أي وهو الذي أوجد السموات والأرض وما فيهما وأوجد يوم الحشر والمعاد ، وإما على الهاء في { *اتقوه } [ الأنعام : 72 ] فهو مفعول به مثله أيضاً ، والكلام على حذف مضاف أي اتقوا الله تعالى واتقوا هول ذلك اليوم وعقابه فزعه . وإما متعلق بمحذوف دل عليه { ءادَمَ بالحق } أي يقوم بالحق يوم الخ ، وهو إعراب متكلف كما قال أبو حيان . وقيل : إنه معطوف على { بالحق } وهو ظرف لخلق أي خلق السموات والأرض بعظمها حين قال كن فكان . والتعبير بصيغة الماضي احضار للأمر البديع . وفيه أنه يتوقف على صحة عطف الظرف على الحال بناء على أن الحال ظرف في المعنى وهو تكلف . و { قَوْلُهُ الحق } مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون . والمراد به حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين يقوم القيامة فيكون التكوين إحياء الأموات للحشر وقيل غير ذلك فتدبر .
{ وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } أي استقر الملك له في ذلك اليوم صورة ومعنى بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا المصححة للمالكية في الجملة فلا يدعيه غيره بوجه . والصور قرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث والله تعالى أعلم بحقيقته . وقد فصلت أحواله في «كتب السنة » . وصاحبه إسرافيل عليه السلام على المشهور . وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً أن ملكين موكلين بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان . وقرأ قتادة «في الصور » جمع صورة والمراد بها الأبدان التي تقوم بعد نفخ الروح فيها لرب العالمين .
{ عالم الغيب والشهادة } أي كل غيب وشهادة { وَهُوَ الحكيم } في كل ما يفعله { الخبير } بجميع الأمور الخفية والجلية . والجملة تذييل لما تقدم وفيه لف ونشر مرتب هذا .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات } أي سموات الأرواح { والأرض } أي أرض الجسم { بالحق } أي قائماً بالعدل الذي هو مقتضى ذاته { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } وهو وقت تعلق إرادته سبحانه القديمة بالظهور في التعينات { قَوْلُهُ الحق } لاقتضائه ما اقتضاه على أحسن نظام وليس في الإمكان أبدع مما كان { وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } وهو وقت إفاضة الأرواح على صور المكنونات التي هي ميتة بأنفسها بل لا وجود لها ولا حياة . { عالم الغيب } أي حقائق عالم الأرواح ويقال له الملكوت { والشهادة } أي صور عالم الأشباح ويقال له الملك { وَهُوَ الحكيم } الذي أفاض على القوابل حسب القابليات { الخبير } [ الأنعام : 73 ] بأحوالها ومقدار قابلياتها لا حكيم غيره ولا خبير سواه .