مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (93)

وقوله تعالى : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون }

اعلم أنه تعالى لما شرح كون القرآن كتابا نازلا من عند الله وبين ما فيه من صفات الجلالة والشرف والرفعة ، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة على سبيل الكذب والافتراء فقال : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى عظم وعيد من ذكر أحد الأشياء الثلاثة : فأولها : أن يفتري على الله كذبا . قال المفسرون : نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة ، وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء ، فإنهما كانا يدعيان النبوة والرسالة من عند الله على سبيل الكذب والافتراء ، وكان مسيلمة يقول : محمد رسول قريش ، وأنا رسول بني حنيفة . قال القاضي : الذي يفتري على الله الكذب يدخل فيه من يدعي الرسالة كذبا ، ولكن لا يقتصر عليه ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو برئ منه ، إما في الذات ، وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلا تحت هذا الوعيد . قال : والافتراء على الله في صفاته ، كالمجسمة ، وفي عدله كالمجبرة ، لأن هؤلاء قد ظلموا أعظم أنواع الظلم بأن افتروا على الله الكذب ، وأقول : أما قوله : المجسمة قد افتروا على الله الكذب ، فهو حق . وأما قوله : إن هذا افتراء على الله في صفاته ، فليس بصحيح . لأن كون الذات جسما ومتحيزا ليس بصفة ، بل هو نفس الذات المخصوصة ، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم ، كان معناه أنه يقول : جميع الأجسام والمتحيزات محدثة ، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز ، والمجسم ينفي هذه الذات ، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات ، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها ، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في الصفة ، بل في الذات . وأما قوله : المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته ، فليس بصحيح ، لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لا بد له من مرجح ، فإن كذبوا في هذه القضية ، فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الإله ؟ وإن صدقوا في ذلك لزمهم الإقرار بتوقيف صدور الفعل على حصول الداعي بتخليق الله تعالى ، وذلك عين ما نسميه بالجبر ، فثبت أن الذي وصفه بكونه افتراء على الله باطل ، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه على الآخر على حصول المرجح . فإن من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية ، بل يلزمه نفي الآثار والمؤثرات بالكلية .

والنوع الثاني : من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله : { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } والفرق بين هذا القول وبين ما قبله ، أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما في هذا القول ، فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام ، وكان هذا جمعا بين نوعين عظيمين من الكذب ، وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود .

والنوع الثالث : قوله : { سأنزل مثل ما أنزل الله } قال المفسرون : المراد ما قاله النضر بن الحرث وهو قوله : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } وقوله في القرآن : إنه من أساطير الأولين ، وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله ، وحاصله : أن هذا القائل يدعي معارضة القرآن . وروي أيضا أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما نزل قوله : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } أملاء الرسول عليه السلام ، فلما انتهى إلى قوله : { ثم أنشأناه خلقا آخر } عجب عبد الله منه فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين ! فقال الرسول : هكذا أنزلت الآية ، فسكت عبد الله وقال : إن كان محمد صادقا ، فقد أوحي إلي ، وإن كان كاذبا فقد عارضته ، فهذا هو المراد من قوله : { سأنزل مثل ما أنزل } .

أما قوله تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } فاعلم أن أول الآية وهو قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يفيد التخويف العظيم على سبيل الإجمال وقوله بعد ذلك : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } كالتفصيل لذلك المجمل ، والمراد بالظالمين الذين ذكرهم ، وغمرات الموت جمع غمرة وهي شدة الموت ، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه ، ومنه غمرة الماء ، وغمرة الحرب ، ويقال غمره الشيء إذا علاه وغطاه . وقال الزجاج : يقال لكل من كان في شيء كثير قد غمره ذلك . وغمره الدين إذا كثر عليه هذا هو الأصل ، ثم يقال للشدائد والمكاره : الغمرات ، وجواب «لو » محذوف ، أي لرأيت أمرا عظيما ، والملائكة باسطو أيديهم قال ابن عباس : ملائكة العذاب باسطو أيديهم يضربونهم ويعذبونهم ، كما يقال بسط إليه يده بالمكروه أخرجوا أنفسكم . ههنا محذوف ، والتقدير : يقولون أخرجوا أنفسكم ، وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : في الآية سؤال : وهو أنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الكلام ؟

فنقول : في تفسير هذه الكلمة وجوه :

الوجه الأول : ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة فأدخلوا جهنم فغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ، والملائكة باسطو أيديهم عليهم بالعذاب يبكتونهم ، ويقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد إن قدرتم .

الوجه الثاني : أن يكون المعنى : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت عند نزول الموت بهم في الدنيا والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام .

والوجه الثالث : أن قوله : { أخرجوا أنفسكم } أي أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ، ويقول له : أخرج إلي ما لي عليك الساعة ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك .

والوجه الرابع : أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم وأنهم بلغوا في البلاء والشدة إلى حيث تولى بنفسه إزهاق روحه .

والوجه الخامس : أن قوله : { أخرجوا أنفسكم } ليس بأمر ، بل هو وعيد وتقريع ، كقول القائل : امض الآن لترى ما يحل بك . قال المفسرون : إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج ، لأنها تصير إلى أشد العذاب ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) وذلك عند نزع الروح ، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح :

المسألة الثانية : الذين قالوا إن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل وغير هذا الجسد احتجوا عليه بهذه الآية ، وقالوا : لا شك أن قوله : { أخرجوا أنفسكم } معناه : أخرجوا أنفسكم عن أجسادكم ، وهذا يدل على أن النفس مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على الوجهين الأولين من التأويلات الخمسة المذكورة ، لم يتم هذا الاستدلال .

ثم قال تعالى : { اليوم تجزون عذاب الهون } قال الزجاج : عذاب الهون أي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد . قال تعالى : { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب } والمراد منه أنه تعالى جمع هناك بين الإيلام وبين الإهانة ، فإن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم ، فكذلك العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة . قال بعضهم : الهون هو الهوان ، والهون هو الرفق والدعة . قال تعالى : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } وقوله : { بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } وذلك يدل أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله ، والتكبر على آيات الله . وأقول : هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ونتائجه . وذكر الواحدي : أن المراد بقوله : { وكنتم عن آياته تستكبرون } أي لا تصلون له قال عليه السلام : ( من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (93)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } كالذين قالوا { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } [ الأنعام : 91 ] { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ } من جهته تعالى { وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ } أي والحال أنه لم يوح إليه { شَىْء } كمسيلمة . والأسود العنسي { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } أي أنا قادر على مثل ذلك النظم كالذين قالوا : { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } [ الأنفال : 31 ] وتفسير الأول : بما ذكرناه لم نقف عليه لغيرنا ، وتفسير الثاني : ذهب إليه الزمخشري وغيره وتفسير الثالث : ذهب إليه الزجاج ومن وافقه . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج أن قوله سبحانه : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } نزلت في مسيلمة الكذاب والأخير نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وجعل بعضهم على هذا عطف { أَوْ قَالَ } الأول على { افترى } الخ من عطف التفسير .

وتعقب بأنه لا يكون بأو ، واستحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان وأو للتنويع يعني أنه تارة ادعى أن الله تعالى بعثه نبياً وأخرى أن الله تعالى أوحى إليه وإن كان يلزم النبوة في نفس الأمر الإيحاء ويلزم الإيحاء النبوة ، ويفهم من صنيع بعضهم أن أو بمعنى الواو ، وأما ابن أبي سرح فلم يدع صريحاً القدرة ولكن قد يقتضيها كلامه على ما يفهم من بعض الروايات ، وفسر بعضهم الثاني بعبد الله ودعواه ذلك على سبيل الترديد ، فقد روي أن عبد الله بن سعد كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكتب له شيئاً فلما نزلت الآية في المؤمنين { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله سبحانه { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال : { تَبَارَكَ الله * أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] فقال رسول الله : هكذا أنزلت عليَّ فشك حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقاً لقد أوحيَّ إليَّ ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال ، وجعل الشق الثاني في معنى دعوى القدرة على المثل فيصح تفسير الثاني والثالث به لا يصح إلا إذا اعتبر عنوان الصلة في الأخير من باب المماشاة مثلاً كما لا يخفى . واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف عليه نوعاً من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال : والفرق بين هذا القول وما قبله أن في الأول : كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وفي الثاني : أثبت الوحي لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعاً بين أمرين عظيمين من الكذب إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود انتهى .

وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير { إِلَيْهِ } راجعاً للنبي صلى الله عليه وسلم والواو في { وَلَمْ يُوحَ } للعطف والمتعاطفان مقول القول والمنساق للذهن جعل الضمير لمن والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى ، وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول : إن المراد بمن افترى على الله كذباً من أشرك بالله تعالى أحداً يحمل افتراء الكذب على أعظم أفراده ، وهو الشك وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى وبمن قال : { أُوحِىَ إِلَيْكَ } والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذباً وبمن قال : { سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } الطاعن في نبوة النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذباً أو طعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة الاستفهامية فتذكر وتدبر .

{ وَلَوْ تَرَى } أي تبصر ، ومفعوله محذوف لدلالة الظرف في قوله تعالى { إِذِ الظالمون } عليه ثم لما حذف أقيم الظرف مقامه والأصل لو ترى الظالمين إذ هم ، و { إِذْ } ظرف لترى و { الظالمون } مبتدأ ، وقوله تعالى { فِى غَمَرَاتِ الموت } خبره و ( إذ ) ظرف لترى ، وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر ، وقيل : المفعول { إِذْ } والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه ، وجواب الشرط محذوف أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً ، والمراد بالظالمين ما يشمل الأنواع الثلاثة من الإفتراء والقولين الأخيرين ، والغمرة كما قال الشهاب في الأصل : المرة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة . ومنه قول المتنبي

: وتسعدني في غمرة بعد غمرة *** سبوح لها منها عليها شواهد

والمراد هنا سكرات الموت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .

{ والملئكة } الذين يقبضون أرواحهم وهم أعوان ملك الموت { بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } أي بالعذاب ، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم قائلين لهم { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي خلصوها مما أنتم فيه من العذاب ، والأمر للتوبيخ والتعجيز ، وذهب بعضهم أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج ما لي عليك الساعة ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك ، وفي «الكشف » إنه كناية عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك ، واستظهر ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية ، وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها2 .

{ اليوم } المراد به مطلق الزمان لا المتعارف ، وهو إما حين الموت أو ما يشمله وما بعده { تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أي المشتمل على الهوان والشدة والإضافة كما في رجل سوء تفيد أنه متمكن في ذلك لأن الإختصاص الذي تفيده الإضافة أقوى من اختصاص التوصيف ، وجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها لأن العذاب قد يكون للتأديب لا للهوان والخزي . ومن الناس من فسر غمرات الموت بشدائد العذاب في النار فإنها وإن كانت أشد من سكرات الموت في الحقيقة إلا أنها استعملت فيها تقريباً للإفهام ، وبسط الملائكة أيديهم بضربهم للظالمين في النار بمقامع من حديد والإخراج بالإخراج من النار وعذابها واليوم باليوم المعلوم .

{ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ } مفترين { عَلَى الله غَيْرَ الحق } من نفي إنزاله على بشر شيئاً وادعاء الوحي أو من نسبة الشرك إليه ودعوى النبوة كذباً ونفيها عمن اتصف بها حقيقة أو نحو ذلك . وفي التعبير { بِغَيْرِ الحق } عن الباطل ما لا يخفى وهو مفعول { تَقُولُونَ } ، وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولاً غير الحق { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } أي تعرضون فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } كمن ادعى الكمال والوصول إلى التوحيد والخلاص عن كثرة صفات النفس وزعم أنه بالله عز وجل وأنه من أهل الإرشاد وهو ليس كذلك { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } كمن سمى مفتريات وهمه وخياله ومخترعات عقله وفكره وحيا فيضاً من الروح القدسي فتنبأ لذلك { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } كمن تفرعن وادعى الألوهية { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون } وهم هؤلاء الأصناف الثلاثة { فِى غَمَرَاتِ الموت } الطبيعي { والملئكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ يقولون { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } تغليظاً وتعنيفاً عليهم

{ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } [ الأنعام : 93 ] والصغار لوجود صفات نفوسكم وهيآتها المظلمة وتكاثف حجاب أنانيتكم وتفرعنكم