قوله تعالى : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون }
اعلم أنه تعالى لما أبطل بالدليل قول من قال : ما أنزل الله على بشر من شيء ، ذكر بعده أن القرآن كتاب الله ، أنزله الله تعالى على محمد عليه الصلاة والسلام .
واعلم أن قوله : { وهذا } إشارة إلى القرآن وأخبر عنه بأنه كتاب وتفسير الكتاب قد تقدم في أول سورة البقرة ثم وصفه بصفات كثيرة .
الصفة الأولى : قوله : { أنزلناه } والمقصود أن يعلم أنه من عند الله تعالى لا من عند الرسول لأنه لا يبعد أن يخص الله محمدا عليه الصلاة والسلام بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب ألفاظ القرآن على هذه الصفة من الفصاحة فبين تعالى أنه ليس الأمر على هذه الصفة ، وأنه تعالى هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام .
الصفة الثانية : قوله تعالى : { مبارك } قال أهل المعاني كتاب مبارك أي كثير خيره دائم بركته ومنفعته ، يبشر بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية ، وأقول : العلوم إما نظرية ، وإما عملية أما العلوم النظرية ، فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ، ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب وأما العلوم العملية ، فالمطلوب ، إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب ، وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب ، ثم قد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة .
يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي : وأنا قد نقلت أنواعا من العلوم النقلية والعقلية ، فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم .
الصفة الثالثة : قوله : { مصدق الذي بين يديه } فالمراد كونه مصدقا لما قبله من الكتب والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن الموجود في سائر الكتب الإلهية إما علم الأصول ، وإما علم الفروع .
أما علوم الأصول : فيمتنع وقوع التفاوت فيه بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة ، فوجب القطع بأن المذكور في القرآن موافق ومطابق لما في التوراة والزبور والإنجيل وسائر الكتب الإلهية .
وأما علم الفروع : فقد كانت الكتب الإلهية المتقدمة على القرآن مشتملة على البشارة بمقدم محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل في تلك الكتب أن التكاليف الموجودة فيها ، إنما تبقى إلى وقت ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وأما بعد ظهور شرعه فإنها تصير منسوخة ، فثبت أن تلك الكتب دلت على ثبوت تلك الأحكام على هذا الوجه ، والقرآن مطابق لهذا المعنى وموافق ، فثبت كون القرآن مصدقا لكل الكتب الإلهية في جملة علم الأصول والفروع .
الصفة الرابعة : قوله تعالى : { ولتنذر أم القرى ومن حولها } وههنا أبحاث :
البحث الأول : اتفقوا على أن ههنا محذوفا ، والتقدير : ولتنذر أهل أم القرى . واتفقوا على أن أم القرى هي مكة ، واختلفوا في السبب الذي لأجله سميت مكة بهذا الاسم . فقال ابن عباس : سميت بذلك ، لأن الأرضين دحيت من تحتها ومن حولها ، وقال أبو بكر الأصم : سميت بذلك لأنها قبل أهل الدنيا ، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقرى تابعة لها ، وأيضا من أصول عبادات أهل الدنيا الحج ، وهو إنما يحصل في تلك البلدة ، فلهذا السبب يجتمع الخلق إليها كما يجتمع الأولاد إلى الأم ، وأيضا فلما كان أهل الدنيا يجتمعون هناك بسبب الحج ، لا جرم يحصل هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر البلاد ، ولا شك أن الكسب والتجارة من أصول المعيشة ، فلهذا السبب سميت مكة أم القرى . وقيل : إنما سميت مكة أم القرى لأن الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقيل أيضا : إن مكة أول بلدة سكنت في الأرض .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { ومن حولها } دخل فيه سائر البلدان والقرى .
والبحث الثاني : زعمت طائفة من اليهود أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان رسولا إلى العرب فقط . واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية وقالوا إنه تعالى بين أنه إنما أنزل عليه هذا القرآن ليبلغه إلى أهل مكة وإلى القرى المحيطة بها ، والمراد منها جزيرة العرب ، ولو كان مبعوثا إلى كل العالمين لكان التقييد بقوله : { لتنذر أم القرى ومن حولها } باطلا .
والجواب : أن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على انتفاء الحكم فيما سواها إلا بدلالة المفهوم وهي ضعيفة ، لا سيما وقد ثبت بالتواتر الظاهر ، المقطوع به من دين محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعي كونه رسولا إلى كل العالمين ، وأيضا قوله : { ومن حولها } يتناول جميع البلاد والقرى المحيطة بها ، وبهذا التقدير : فيدخل فيه جمع بلاد العالم ، والله أعلم .
البحث الثالث : قرأ عاصم في رواية أبي بكر { لينذر } بالياء جعل الكتاب هو المنذر ، لأن فيه إنذارا ، ألا ترى أنه قال : { لينذروا به } أي بالكتاب ، وقال : { وأنذر به } وقال : { إنما أنذركم بالوحي } فلا يمتنع إسناد الإنذار إليه على سبيل الاتساع ، وأما الباقون : فإنهم قرؤوا { ولتنذر } بالتاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأن المأمور والموصوف بالإنذار هو .
قال تعالى : { إنما أنت منذر } وقال : { وأنذر الذين يخافون } .
ثم قال تعالى : { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } وظاهر هذا يقتضي أن الإيمان بالآخرة جار مجرى السبب للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم . والعلماء ذكروا في تقرير هذه السببية وجوها : الأول : أن الذي يؤمن بالآخرة هو الذي يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ومن كان كذلك فإنه يعظم رغبته في تحصيل الثواب ، ورهبته عن حلول العقاب ، ويبالغ في النظر والتأمل في دلائل التوحيد والنبوة ، فيصل إلى العلم والإيمان . والثاني : أن دين محمد عليه الصلاة والسلام مبني على الإيمان بالبعث والقيامة ، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين ، والثالث : يحتمل أن يكون المراد من هذا الكلام التنبيه على إخراج أهل مكة من قبول هذا الدين ، لأن الحامل على تحمل مشقة النظر والاستدلال ، وترك رياسة الدنيا ، وترك الحقد والحسد ليس إلا الرغبة في الثواب ، والرهبة عن العقاب . وكفار مكة لما لم يعتقدوا في البعث والقيامة ، امتنع منهم ترك الحسد وترك الرياسة ، فلا جرم يبعد قبولهم لهذا الدين واعترافهم بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام .
ثم قال : { وهم على صلاتهم يحافظون } والمراد أن الإيمان بالآخرة كما يحمل الرجل على الإيمان بالنبوة ، فكذلك يحمله على المحافظة على الصلوات ، وليس لقائل أن يقول : الإيمان بالآخرة يحمل على كل الطاعات ، فما الفائدة في تخصيص الصلاة بالذكر ؟ لأنا نقول : المقصود منه التنبيه على أن الصلاة أشرف العبادات بعد الإيمان بالله وأعظمها خطرا ، ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة كما قال تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم ، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة . قال عليه الصلاة والسلام : «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر » فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف ، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام . والله أعلم .
{ وهذا كتاب أنزلناه } تحقيق لإنزال القرآن الكريم بعد تقرير إنزال ما بشر به من التوراة وتكذيب لكلمتهم الشنعاء إثر تكذيب ، وتنكير { كِتَابٌ } للتفخيم ، وجملة { أنزلناه } في موضع الرفع صفة له وقوله سبحانه : { مُّبَارَكٌ } أي كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة . قال الإمام : «جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عن هذا الكتاب المتمسك به يحصل به عز الدنيا وسعادة الآخرة » ولقد شاهدنا والحمد لله عز وجل ثمرة خدمتنا له في الدنيا فنسأله أن لا يحرمنا سعادة الآخرة إنه البر الرحيم . وقوله جل وعلا : { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } صفة أخرى ، والإضافة على ما نص عليه أبو البقاء غير محضة ، والمراد بالموصول إما التوراة لأنها أعظم كتاب نزل قبل ولأن الخطاب مع اليهود ، وأما ما يعمها وغيرها من الكتب السماوية وروي ذلك عن الحسن ، وتذكير الموصول باعتبار الكتاب أو المنزل أو نحو ذلك ، ومعنى كونها بين يديه أنها متقدمة عليه فإن كل ما كان بين اليدين كذلك وتصديقه للكل في إثبات التوحيد والأمر به ونفي الشرك والنهي عنه وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ .
{ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } قيل : عطف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل : أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه والإنذار . واختار العلامة الثاني كونه عطفاً على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار ، وادعى أنه لاحاجة مع هذا إلى ذلك التكلف فإن عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير ، ودعوى أن الداعي إليه عرو تلك الصفات السابقة عن حرف العطف واقتران هذا به تستدعي القول بأن الصفات إذا تعددت ولم يعطف أولها يمتنع العطف أو يقبح والواقع خلافه ، والأولى ما يقال : إن الداعي أن اللفظ والمعنى يقتضيانه ، أما المعنى فلأن الإنذار علة لإنزاله كما يدل عليه { وأوحى الي هذا القرآن لأنذركم به } [ الأنعام : 19 ] ولو عطف لكان على أول الصفات على الراجح في العطف عند التعدد ، ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجار والمجرور على الجملة الفعلية . فإنه نظير هذا رجل قام عندي وليخدمني وهو كما ترى . ومنه يعلم الداعي اللفظي وجوز أن يكون علة لمحذوف يقدر مؤخراً أو مقدماً أي ولتنذر أنزلناه أو وأنزلناه لتنذر ، وتقديم الجار للاهتمام أو للحصر الإضافي ، وأن يكون عطفاً على مقدر أي لتبشر ولتنذر ، وأياً ما كان ففي الكلام مضاف محذوف أي أهل أم القرى ، والمراد بها مكة المكرمة ، وسميت بذلك لأنها قبلة أهل القرى وحجهم وهم يتجمعون عندها تجمع الأولاد عند الأم المشفقة ويعظمونها أيضاً تعظيم الأم ، ونقل ذلك عن الزجاج والجبائي ، ولأنها أعظم القرى شأناً فغيرها تبع لها كما يتبع الفرع الأصل .
وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها فكأنها خرجت من تحتها كما تخرج الأولاد من تحت الأم أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس . ونقل ذلك عن السدي وقرأ أبو بكر عن عاصم { لّيُنذِرَ } بالياء التحتية على الإسناد المجازي للكتاب لأنه منذر به .
{ وَمَنْ حَوْلَهَا } من أهل المدر والوبر في المشارق والمغارب لعموم بعثه صلى الله عليه وسلم الصادع بها القرآن في غير آية ، واللفظ لا يأبى هذا الحمل فلا متمسك بالآية لطائفة من اليهود زعموا أنه صلى الله عليه وسلم مرسل للعرب خاصة ، على أنه يمكن أن يقال : خص أولئك بالذكر لأنهم أحق بإنذاره عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } [ الشعراء : 214 ] ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه { والذين يُؤْمِنُونَ بالاخرة } وبما فيها من الثواب والعقاب ، ومن اقتصر على الثاني في البيان لاحظ سبق الإنذار { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالكتاب ، قيل : أو بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرهبون من العذاب ويرغبون في الثواب ولا يزال ذلك يحملهم على النظر والتأمل حتى يؤمنوا به { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } يحتمل أن يراد بالصلاة مطلق الطاعة مجازاً أو اكتفى ببعضها الذي هو عماد الدين وعلم الإيمان ولذا أطلق على ذلك الإيمان مجازاً كقوله تعالى : { مَّا كَانَ الله * لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 341 ] .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ } لما فيه من أسرار القرب والوصال والتشويق إلى الحسن والجمال بل منه تجلى الحق لخلقه لو يعلمون . { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوراة والإنجيل لجمعه الظاهر والباطن على أتم وجه { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } وهي القلب { وَمَنْ حَوْلَهَا } [ الأنعام : 92 ] من القوى