مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ} (94)

قوله تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون }

اعلم أن قوله : { ولقد جئتمونا فرادى } يحتمل وجهين : الأول : أن يكون هذا معطوفا على قول الملائكة { أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون } فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ ، كذلك يقولون حكاية عن الله تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى } فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار ، وعلى هذا التقدير ، فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم ، ويحتمل أن يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم .

والقول الثاني : أن قائل هذا القول هو الله تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن الله تعالى هل يتكلم مع الكفار أو لا ؟ فقوله تعالى في صفة الكفار : { ولا يكلمهم } يوجب أن لا يتكلم معهم وقوله : { فوربك لنسألنهم أجمعين } وقوله : { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } يقتضي أن يكون تعالى يتكلم معهم ، فلهذا السبب وقع هذا الاختلاف ، والقول الأول أقوى ، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، والعطف يوجب التشريك .

المسألة الثانية : { فرادى } لفظ جمع وفي واحده قولان . قال ابن قتيبة : فرادى جمع فردان ، مثل سكارى وسكران ، وكسالى وكسلان . وقال غيره فرادى : جمع فريد ، مثل ردافي ورديف . وقال الفراء : فرادى جمع واحده فرد وفردة وفريد وفردان .

إذا عرفت هذا فقوله : { ولقد جئتمونا فرادى } المراد منه التقريع والتوبيخ ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين : أحدهما : تحصيل المال والجاه . والثاني : أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها تكون شفعاء لهم عند الله ، ثم إنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند الله تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه ، بخلاف أهل الإيمان فإنهم صرفوا عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة ، وتلك المعارف والأعمال الصالحة بقيت معهم في قبورهم وحضرت معهم في مشهد القيامة ، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى ، بل حضروا مع الزاد ليوم المعاد :

ثم قال تعالى : { لقد تقطع بينكم } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي { بينكم } بالنصب ، والباقون بالرفع قال الزجاج : الرفع أجود ، ومعناه ، لقد تقطع وصلكم ، والنصب جائز والمعنى : لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم . قال أبو علي : هذا الاسم يستعمل على ضربين : أحدهما : أن يكون اسما منصرفا كالافتراق ، والأجود أن يكون ظرفا والمرفوع في قراءة من قرأ { بينكم } هو الذي كان ظرفا ثم استعمل اسما ، والدليل على جواز كونه اسما قوله تعالى : { ومن بيننا وبينك حجاب } و{ هذا فراق بيني وبينك } فلما استعمل اسما في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو { تقطع } في قول من رفع . قال : ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه أو يكون الذي هو مصدر . والقسم الثاني باطل ، وإلا لصار تقدير الآية : لقد تقطع افتراقكم وهذا ضد المراد ، لأن المراد من الآية لقد تقطع وصلكم وما كنتم سالفون عليه .

فإن قيل : كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل مع أن أصله الافتراق والتباين ؟

قلنا : هذا اللفظ إنما يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه ، كقولهم بيني وبينه شركة ، وبيني وبينه رحم ، فلهذا السبب حسن استعمال هذا اللفظ في معنى الوصلة فقوله : { لقد تقطع بينكم } معناه لقد تقطع وصلكم . أما من قرأ { لقد تقطع بينكم } بالنصب فوجهه أنه أضمر الفاعل والتقدير : لقد تقطع وصلكم بينكم وقال سيبويه : إنهم قالوا إذا كان غدا فأتنى والتقدير : إذا كان الرجاء أو البلاء غدا فأتنى ، فأضمر لدلالة الحال . فكذا ههنا . وقال ابن الأنباري : التقدير : لقد تقطع ما بينكم . فحذفت لوضوح معناها .

المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية مشتملة على قانون شريف في معرفة أحوال القيامة فأولها : أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بهذا الجسد آلة له في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة فإذا فارقت النفس الجسد ولم يحصل هذين المطلوبين ألبتة عظمت حسراته وقويت آفاته حيث وجد مثل هذه الآلة الشريفة التي يمكن اكتساب السعادة الأبدية بها ، ثم إنه ضيعها وأبطلها ولم ينتفع بها ألبتة ، وهذا هو المراد من قوله : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } وثانيها : أن هذه النفس مع أنها لم تكتسب بهذه الآلة الجسدانية سعادة روحانية ، وكمالا روحانيا ، فقد عملت عملا آخر أردأ من الأول ، وذلك لأنها طول العمر كانت في الرغبة في تحصيل الماء والجاه وفي تقوية العشق عليها ، وتأكيد المحبة ، وفي تحصيلها . والإنسان في الحقيقة متوجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني ، فهذا المسكين قلب القضية وعكس القضية وأخذ يتوجه من المقصد الروحاني إلى العالم الجسماني ونسي مقصده واغتر باللذات الجسمانية ، فلما مات انقلبت القضية شاء أم أبى توجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني ، فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان لا يمكنه أن ينتفع به ، وربما بقي منقطع المنفعة معوج الرقبة معوج الرأس بسبب التفاته إليها مع العجز عن الانتفاع بها ، وذلك يوجب نهاية الخيبة والغم والحسرة وهو المراد من قوله : { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } وهذا يدل على أن كل مال يكتسبه الإنسان ولم يصرفه في مصارف الخيرات فصفته هذه التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، أما إذا صرفها إلى الجهات الموجبة للتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فما ترك تلك الأموال وراء ظهره ولكنه قدمها تلقاء وجهه ، كما قال تعالى : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } وثالثها : أن أولئك المساكين أتعبوا أنفسهم في نصرة الأديان الباطلة ، والمذاهب الفاسدة وظنوا أنهم ينتفعون بها عند الورود في محفل القيامة ، فإذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب من العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب . منها عذاب الحسرة والندامة : وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء العظيم في تحصيل ما لم يحصل له منه إلا العذاب والعناء ، ومنها عذاب الخجلة : وهو أنه ظهر له أن كل ما كان يعتقده في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح الضلالة ، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع العظيم ، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة الروحانية ، وهو المراد من قوله : { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } ورابعها : أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذي به يقدر على اكتساب الخيرات ، وحصل عنده الأمر الذي يوجب حصول المضرات ، فإذن بقي له رجاء في التدارك من بعض الوجوه فههنا يخف ذلك الألم ويضعف ذلك الحزن . أما إذا حصل الجزم واليقين بأن التدارك ممتنع ، وجبر ذلك النقصان متعذر فههنا يعظم الحزن ويقوى البلاء جدا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { لقد تقطع بينكم } والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى . وعند الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح أحوال هؤلاء الضالين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ} (94)

{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا } للحساب { فرادى } أي منفردين عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم أو عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا . أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عكرمة قال : النضر بن الحرث سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت ، والجملة على ما ذهب إليه بعض المحققين مستأنفة من كلامه تعالى ولا ينافي قوله تعالى : { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } [ البقرة : 174 ] لأن المراد نفي تكليمهم بما ينفعهم أو لأنه كناية عن الغضب ، وقيل : معطوفة على قول { الملائكة * أَخْرِجُواْ } [ الأنعام : 93 ] الخ وهي من جملة كلامهم وفيه بعد وإن ظنه الإمام أولى وأقوى . ونصب { فرادى } على الحال من ضمير الفاعل وهو جمع فرد على خلاف القياس كأنه جمع فردان كسكران على ما في «الصحاح » ، والألف للتأنيث ككسالى ، والراء في فرده مفتوحة عند صاحب «الدر المصون » وحكى بصيغة التمريض سكونها ، ونقل عن الراغب «أنه جمع فريد كأسير وأسارى » ، وفي «القاموس » «يقال : جاءوا فُرَاداً وفِرَاداً وفُرَادَى وفُرَادَ وفَرَادَ وفَرْدَى كسَكْرَى أي واحداً بعد واحد والوَاحِدُ فَرْدٌ وفَرِدٌ وفَرِيد وفَرْدَان ولا يجوز فَرْدٌ في هذا المعنى » ، ولعل هذا بعيد الإرادة في الآية . وقرىء { *فراداً } كرخال المضموم الراء وفراد كآحاد ورباع في كونه صفة معدولة ، ولا يرد أن مجيء هذا الوزن المعدول مخصوص بالعدد بل ببعض كلماته لما نص عليه الفراء وغيره من عدم الاختصاص ، نعم هو شائع فيما ذكر . وفردى كسكرى تأنيث فردان والتأنيث لجمع ذي الحال .

{ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } بدل من { فرادى } بدل كل لأن المراد المشابهة في الانفراد المذكور ، والكاف اسم بمعنى مثل أي مثل الهيئة ، التي ولدتم عليها في الانفراد ويجوز أن يكون حالاً ثانية على رأي من يجوز تعدّد الحال من غير عطف وهو الصحيح أو حالاً من الضمير في { فرادى } فهي حال مترادفة أو متداخلة والتشبيه أيضاً في الانفراد ، ويحتمل أن يكون باعتبار ابتداء الخلقة أي مشبهين ابتداء خلقكم بمعنى شبيهة حالكم حال ابتداء خلقكم حفاة عراة غرلاً بهما ، وجوز أن يكون صفة مصدر { جِئْتُمُونَا } أي مجيئاً كخلقنا لكم .

أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت : " يا رسول الله واسوأتاه إن النساء والرجال سيحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } [ عبس : 37 ] لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض " .

{ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم } أي ما أعطيناكم في الدنيا من المال والخدم وهو متضمن للتوبيخ أي فشغلتم به عن الآخرة { وَرَاء ظُهُورِكُمْ } ما قدمتم منه شيئاً لأنفكسم .

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن قال : يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى : أين ما جمعت ؟ فيقول : يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول : أين ما قدمت لنفسك ؟ فلا يراه قدم شيئاً وتلا هذه الآية ، والجملة قيل مستأنفة أو حال بتقدير قد .

{ وَمَا نرى } أي نبصر وهو على ما نص عليه أبو البقاء حكاية حال وبه يتعلق قوله تعالى : { مَّعَكُمْ } وليس حالاً من مفعول { نُرِى } أعني قوله سبحانه : { شُفَعَاءكُمُ } ولا مفعولاً ثانياً ، والرؤية علمية . وإضافة الشفعاء إلى ضمير المخاطبين باعتبار الزعم كما يفصح عنه وصفهم بقوله عز وجل : { الذين زَعَمْتُمْ } في الدنيا { أَنَّهُمْ فِيكُمْ } أي شركاء لله تعالى في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم ، والزعم هنا نص في الباطل وجاء استعماله في الحق كما تقدمت الإشارة إليه ، ومن ذلك قوله :

تقول هلكنا إن هلكت وإنما *** على الله أرزاق العباد كما زعم

{ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } بنصب بين وهي قراءة عاصم والكسائي وحفص عن عاصم ، واختلف في تخريج ذلك فقيل : الكلام على إضمار الفاعل لدلالة ما قبل عليه أي تقطع الأمر أو الوصل بينكم ، وقيل : إن الفاعل ضمير المصدر ، وتعقبه أبو حيان بأنه غير صحيح لأن شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام وجلس هو أي الجلوس . ورد بأنه سمع بدا بداء ، وقد قدروا في قوله تعالى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ } [ يوسف : 35 ] بدا البداء . وقال السفاقسي : إن من جعل الفاعل ضمير المصدر قال : المراد وقع التقطع والتغاير حاصل بهذا الاعتبار ولو سلم فالتقطع المعتبر مرجعاً معرف بلام الجنس و { تُقَطَّعَ } منكر فكيف يقال اتحد الحكم والمحكوم عليه . ولا يخفى أن القول بالتأويل متعين على هذا التقدير لأنه إذا تقطع التقطع حصل الوصل وهو ضد المقصود وقيل : إن بين هو الفاعل وبقي على حاله منصوباً حملاً له على أغلب أحواله وهو مذهب الأخفش ، وقيل : إنه بني لإضافته إلى مبنى ، وقيل غير ذلك . واختار أبو حيان «أن الكلام من باب ( التنازع سلط ) على ما كنتم تزعمون تقطع وضل ( عنكم ) فأعمل الثاني وهو { ضَلَّ } وأضمر في { تُقَطَّعَ } ( ضميره ) . والمراد بذلك الأصنام ، والمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا عنكم كما قال تعالى : { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب } [ البقرة : 166 ] أي لم يبق اتصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء فعبدتموهم2 .

/ وقرأ باقي السبعة { بَيْنِكُمْ } بالرفع على الفاعلية وهو من الأضداد كالقرء يستعمل في الوصل والفصل ، والمراد به هنا الوصل أي تقطع وصلكم وتفرق جمعكم ، وطعن ابن عطية في هذا بأنه لم يسمع من العرب أن البين بمعنى الوصل وإنما انتزع من هذه الآية .

وأجيب بأنه معنى مجازي ولا يتوقف على السماع لأن بين يستعمل بين الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصار لذلك بمعنى الوصلة . على أنه لو قيل بأنه حقيقة في ذلك لم يبعد ، فإن أبا عمر . وأبا عبيدة وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سنداً فيه ، فكونه منتزعاً من هذه الآية غير مسلم ، وعليه فيكون مصدراً لا ظرفاً . وقيل : إن بين هنا ظرف لكنه أسند إليه الفعل على سبيل الاتساع . وقرأ عبد الله { لَقَد تَّقَطَّعَ * مَا * بَيْنِكُمْ } وما فيه موصوفة أو موصولة { وَضَلَّ عَنكُم } ضاع وبطل { مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها شفعاؤكم أو أنها شركاء لله تعالى فيكم أو أن لا بعث ولا جزاء .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى } أي منفردين مجردين عن كل شيء بالاستغراق في عين جميع الذات { كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام : 94 ] عند أخذ الميثاق .