قوله تعالى : { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون }
اعلم أنه تعالى لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة ، بين بعده حال من كذب فقال : { هل ينظرون إلا تأويله } والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع .
فإن قيل : كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم له وإنكارهم ؟
قلنا : لعل فيهم أقواما تشككوا وتوقفوا ، فلهذا السبب انتظروه وأيضا إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة ، وقوله : { إلا تأويله } قال الفراء الضمير في قوله : { تأويله } للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب . والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل وقد احتج بهذه الآية من ذهب إلى قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } أي ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا الله وقوله : { يوم يأتي تأويله } يريد يوم القيامة ، قال الزجاج قوله : { يوم } نصب بقوله : { يقول } وأما قوله : { يقول الذين نسوه من قبل } معناه أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ، ويجوز أن يكون معنى { نسوه } أي تركوا العمل به والإيمان به وهذا كما ذكرنا في قوله : { كما نسوا لقاء يومهم هذا } ثم بين تعالى أن هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون : { قد جاءت رسل ربنا بالحق } والمراد أنهم أقروا بأن الذي جاءت به الرسل من ثبوت الحشر ، والنشر ، والبعث ، والقيامة ، والثواب ، والعقاب ، كل ذلك كان حقا ، وإنما أقروا بحقيقة هذه الأشياء لأنهم شاهدوها وعاينوها ، وبين الله تعالى أنهم لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا : { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل } والمعنى إنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين . وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب أو يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل يعني نوحد الله تعالى بدلا عن الكفر ونطيعه بدلا عن المعصية .
فإن قيل : أقالوا هذا الكلام مع الرجاء أو مع اليأس ؟ وجوابنا عنه مثل ما ذكرناه في قوله : { أفيضوا علينا من الماء } ثم بين تعالى بقوله : { قد خسروا أنفسهم } أن الذين طلبوه ، لا يكون لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم الله عليهم بأنهم قد خسروا أنفسهم .
ثم قال : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } يريد أنهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدنيا ولم ينتفعوا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها ، قال الجبائي : هذه الآية تدل على حكمين
قال : الآية تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين على الإيمان والتوبة فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا ولو كانوا في الدنيا غير قادرين كما يقوله المجبرة لم يكن لهم في الرد فائدة ولا جاز أن يسألوا ذلك .
أن الآية تدل على بطلان قول المجبرة والذين يزعمون أن أهل الآخرة مكلفون لأنه لو كان كذلك لما سألوا الرد إلى حال وهم في الوقت على مثلها بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال ، فبطل ما حكي عن النجار وطبقته من أن التكليف باق على أهل الآخرة .
{ هَلْ يَنظُرُونَ } أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة بعدم إيمانهم به شيئاً { إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } أي عاقبته وما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما أخبر به من الوعد والوعيد ، والمراد أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم من حيث إن ما ذكر يأتيهم لا محالة ، وحينئذٍ فلا يقال : كيف ينتظرونه وهم جاحدون غير متوقعين له ؟ . وقيل : إن فيهم أقواماً يشكون ويتوقعون فالكلام من قبيل بنو فلان قتلوا زيداً { يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } وهو يوم القيامة ، وقيل : هو ويوم بدر { يَقُولُ الذين نَسُوهُ } أي تركوه ترك المنسي فأعرضوا عنه ولم يعملوا به { مِن قَبْلُ } أي من قبل إتيان تأويله { قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } أي قد تبين أنهم قد جاؤوا بالحق ، وإنما فسر بذلك لأنه الواقع هناك ولأنه الذي يترتب عليه طلب الشفاعة المفهوم من قوله سبحانه : { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا } اليوم ويدفعوا عنا ما نحن فيه { أَوْ نُرَدُّ } عطف على الجملة قبله داخل معه في حكم الاستفهام .
و { مِنْ } مزيدة في المبتدأ . وجوز أن تكون مزيدة في الفاعل بالظرف كأنه قيل : هل لنا من شفعاء أو هل نرد إلى الدنيا ؟ ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم كما تقول ابتداء هل يضرب زيد ، ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه فلا يقدر هل يشفع لنا شافع أو نرد قاله الزمخشري ، وأراد كما في «الكشف » لفظاً لأن الظرف مقدر بجملة ، و { هَلُ } مما له اختصاص بالفعل ، والعدول للدلالة على أن تمني الشفيع أصل وتمنى الرد فرع لأن ترك الفعل إلى الاسم مع استدعاء هل للفعل يفيد ذلك فلو قدر لفاتت نكتة العدول معنى مع الغنى عنه لفظاً ، وقرأ ابن أبي إسحاق { أَوْ نُرَدُّ } بالنصب عطفاً على { فَيَشْفَعُواْ لَنَا } المنصوب في جواب الاستفهام أو لأن { أَوْ } بمعنى إلى أن أو حتى أن على ما اختاره الزمخشري إظهاراً لمعنى السببية ، قال القاضي : فعلى الرفع المسؤول أحد الأمرين الشفاعة والرد إلى الدنيا ، وعلى النصب المسؤول أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين من الشفاعة في العفو عنهم والرد إن كانت { أَوْ } عاطفة وإما لأمر واحد إذا كانت بمعنى إلى أن إذ معناه حينئذٍ يشفعون إلى الرد ، وكذا إذا كانت بمعنى حتى إن أي يشفعون حتى يحصل الرد .
{ فَنَعْمَلَ } بالنصب جواب الاستفهام الثاني أو معطوف على { نُرَدُّ } مسبب عنه على قراءة ابن أبي إسحاق . وقرأ الحسن بنصب { نُرَدُّ } ورفع { نَعْمَلْ } أي فنحن نعمل { غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ } أي في الدنيا من الشرك والمعصية { قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } بصرف أعمارهم التي هي رأس مالهم إلى الشرك والمعاصي { وَضَلَّ عَنْهُم } غاب وفقد { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي الذي كانوا يفترونه من الأصنام شركاء لله سبحانه وشفعاءهم يوم القيامة ، والمراد أنه ظهر بطلانه ولم يفدهم شيئاً .
( ومن باب الإشارة ) :{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } [ الأعراف : 53 ] أي ما يؤول إليه عاقبة أمره ، وقيل : الكتاب الذي فصل على علم إشارة إلى البدن الإنساني المفصل إلى أعضاء وجوارح وآلات وحواس تصلح للاستكمال على ما يقتضيه العلم الإلهي وتأويله ما يؤول إليه أمره في العاقبة من الانقلاب إلا ما لا يصلح لذلك عند البعث من هيئات وصور وأشكال تناسب صفاتهم وعقائدهم على مقتضى قوله سبحانه : { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } [ الأنعام : 139 ] وكما قال سبحانه : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } [ الإسراء : 97 ] انتهى . ويحتمل أن يكون الكتاب المذكور إشارة إلى الآفاق والأنفس وما يؤول إليه كل ظاهر والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.