ثم قال تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } معناه ولا تفسدوا شيئا في الأرض ، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء ، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل ، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة ، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف ، وإفساد العقول بسبب شرب المسكرات ، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة : النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول . فقوله : { ولا تفسدوا } منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود ، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه ، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة ، وأما قوله : { بعد إصلاحها } فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين ، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال : لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها ، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع ، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض ، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح ، وذلك مستكره في بداهة العقول .
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق .
إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا خاصا دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص .
واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل ، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى ، فكذلك في هذه الآية أنها تدل على أن الأصل في المضار والآلام ، الحرمة .
وإذا ثبت هذا كان جميع أحكام الله تعالى داخلا تحت عموم هذه الآية ، وجميع ما ذكرناه من المباحث واللطائف في تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية ، فتلك الآية دالة على أن الأصل في المنافع الحل ، وهذه الآية دالة على أن الأصل في جميع المضار الحرمة ، وكل واحدة من هاتين الآيتين مطابقة للأخرى مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها ، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة تحت هذه العمومات ، وأيضا هذه الآية دالة على أن كل عقد وقع التراضي عليه بين الخصمين ، فإنه انعقد وصح وثبت ، لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفسادا بعد الإصلاح ، والنص دل على أنه لا يجوز .
إذا ثبت هذا فنقول : أن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله : { أوفوا بالعقود } وبعموم قوله تعالى : { لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } وتحت قوله : { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } وتحت سائر العمومات الواردة في وجوب الوفاء بالعهود والعقود .
إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا دالا على أن بعض العقود التي وقع التراضي به من الجانبين غير صحيح ، قضينا فيه بالبطلان تقديما للخاص على العام ، وإلا حكمنا فيه بالصحة رعاية لمدلول هذه العمومات . وبهذا الطريق البين الواضح ثبن أن القرآن واف ببيان جميع أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها .
ثم قال تعالى : { وادعوه خوفا وطمعا } وفيه سؤالات :
السؤال الأول : قال في أول الآية : { أدعو ربكم } ثم قال : { ولا تفسدوا } ثم قال : { وادعوه } وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو باطل .
والجواب : أن الذين قالوا في تفسير قوله : { ادعوا ربكم تضرعا } أي اعبدوه إنما قالوا ذلك خوفا من هذا الإشكال .
فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال ، وإن قلنا المراد من قوله : { ادعوا ربكم تضرعا } هو الدعاء كان الجواب أن قوله : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقرونا بالتضرع وبالإخفاء ، ثم بين في قوله { وادعوه خوفا وطمعا } أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين ، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء ، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته .
السؤال الثاني : إن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته ، وذلك لأن المتكلمين فريقان : منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الألهية والعبودية ، فكونه إلها لنا وكوننا عبيدا له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحا وحسنا ، وهذا قول أهل السنة . ومنهم من قال : التكاليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح ؛ وهذا هو قول المعتزلة .
إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول : فوجه وجوب بعض الأعمال ، وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه العبادات صحت . أما من أتى بها خوفا من العقاب ، أو طمعا في الثواب ، وجب أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها ، وأما على القول الثاني : فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها للخوف من العقاب ، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب ، والطمع في الثواب ، وجب أن لا يصح .
إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله : { وادعوه خوفا وطمعا } يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول .
والجواب : ليس المراد من الآية ما ظننتم ، بل المراد : وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير ، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل ؟
السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن يحصل في قلبه هذا الخوف والطمع ؟
والجواب : أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتيا بجميع الشرائط المعتبرة في قبول الدعاء ، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف ، وأيضا لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة ، فوجب كونه طامعا في قبولها فلا جرم .
قلنا : بأن الداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان كذلك فقوله : { خوفا وطمعا } أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم ، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم . ويتأكد هذا بقوله : { يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة } .
ثم قال تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة إيصال الخير والنعمة ، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال ، وعلى هذا التقدير الثاني تكون من صفات الذات ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير { بسم الله الرحمن الرحيم } .
المسألة الثانية : قال بعض أصحابنا : ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة . واحتجوا بهذه الآية ، وبيانه : أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة فهي قريبة من المحسنين ، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريبا من المحسنين ، أو لا يكون رحمة ، والذي حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين ، فوجب أن لا يكون رحمة من الله ولا نعمة منه .
المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أن رحمة الله قريب من المحسنين ، فلما كان كل هذه الماهية حصل للمحسنين وجب أن لا يحصل منها نصيب لغير المحسنين ، فوجب أن لا يحصل شيء من رحمة الله في حق الكافرين ، والعفو عن العذاب رحمة ، والتخلص من النار بعد الدخول فيها رحمة ، فوجب أن لا يحصل ذلك لمن لم يكن من المحسنين ، والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا محسنين ، فوجب أن لا يحصل لهم العفو عن العقاب ، وأن لا يحصل لهم الخلاص من النار .
والجواب : أن من آمن بالله وأقر بالتوحيد والنبوة ، فقد أحسن بدليل أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة ، وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد أجمعت الأمة على أنه دخل تحت قوله : { للذين أحسنوا الحسنى } ومعلوم أن هذا الشخص لم يأت بشيء من الطاعات سوى المعرفة والإقرار ، لأنه لما بلغ بعد الصبح لم تجب عليه صلاة الصبح ، ولما مات قبل الظهر لم تجب عليه صلاة الظهر ، وظاهره أن سائر العبادات لم تجب عليه . فثبت أنه محسن ، وثبت أنه لم يصدر منه إلا المعرفة والإقرار ، فوجب كون هذا القدر إحسانا ، فيكون فاعله محسنا .
إذا ثبت هذا فنقول : كل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين ، ودلت هذه الآية على أن رحمة الله قريب من المحسنين ، فوجب بحكم هذه الآية أن تصل إلى صاحب الكبيرة من أهل الصلاة رحمة الله ، وحينئذ تنقلب هذه الآية حجة عليهم .
فإن قالوا : المحسنون هم الذين أتوا بجميع وجوه الإحسان . فنقول : هذا باطل ، لأن المحسن من صدر عنه مسمى الإحسان وليس من شرط كونه محسنا أن يكون آتيا بكل وجوه الإحسان كما أن العالم هو الذي له العلم وليس من شرطه أن يحصل جميع أنواع العلم فثبت بهذا أن السؤال الذي ذكروه ساقط وأن الحق ما ذهبنا إليه .
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول مقتضى علم الأعراب أن يقال : إن رحمة الله قريبة من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث ؟ وذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أن الرحمة تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة . الثاني : قال الزجاج : إنما قال : { قريب } لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد فقوله : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } بمعنى إنعام الله قريب وثواب الله قريب فأجرى حكم أحد اللفظين على الآخر . الثالث : قال النضر بن شميل : الرحمة مصدر ومن حق المصادر التذكير كقوله : { فمن جاءه موعظة } فهذا راجع إلى قول الزجاج لأن الموعظة أريد بها الوعظ ، فلذلك ذكره قال الشاعر :
إن السماحة والمروأة ضمنا *** قبرا بمرو على الطريق الواضح
قيل : أراد بالسماحة السخاء وبالمروءة الكرم . والرابع : أن يكون التأويل إن رحمة الله ذات مكان قريب من المحسنين كما قالوا : حائض ولابن تامر أي ذات حيض ولبن وتمر . قال الواحدي : أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال : تقول العرب : هو قريب مني وهما قريب مني وهم قريب مني وهي قريب مني ، لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني وقد يجوز أيضا قريبة وبعيدة تنبيها على معنى قربت وبعدت بنفسها .
المسألة الخامسة : تفسير هذا القرب هو أن الإنسان يزداد في كل لحظة قربا من الآخرة ، وبعدا من الدنيا ، فإن الدنيا كالماضي ، والآخرة كالمستقبل ، والإنسان في كل ساعة ولحظة ولمحة يزداد بعدا عن الماضي ، وقربا من المستقبل . ولذلك قال الشاعر :
فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس
ولما ثبت أن الدنيا تزداد بعدا في كل ساعة ، وأن الآخرة تزداد قربا في كل ساعة ، وثبت أن رحمة الله إنما تحصل بعد الموت ، لا جرم ذكر الله تعالى : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } بناء على هذا التأويل .
{ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض } نهى عن سائر أنواع الافساد كإفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان { بَعْدَ إصلاحها } أي إصلاح الله تعالى لها وخلقها على الوجه الملائم لمنافع الخلق ومصالح المكلفين وبعث فيها الأنبياء بما شرعه من الأحكام { وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا } أي ذوي خوف من الرد لقصوركم عن أهلية الإجابة وطمع في إجابته تفضلاً منه ، وقيل خوفاً من عقابه وطمعاً في جزيل ثوابه . وقال ابن جريج : المعنى خوف العدل وطمع الفضل . وعن عطاء خوفاً من الميزان وطمعاً في الجنان . وأصل الخوف انزعاج القلب لعدم أمن الضرر ، وقيل : توقع مكروه يحصل فيما بعد ، والطمع توقع محبوب يحصل له ، ونصبهما على الحالية كما أشير إليه . وجوز أن يكون على المفعولية لأجله . قيل : ولما كان الدعاء من الله تعالى بمكان كرره وقيده أولاً بالأوصاف الظاهرة وآخراً بالأوصاف الباطنة ، وقيل : الأمر السابق من قبيل بيان شرط الدعاء والثاني من قبيل بيان فائدته ، وقيل : لا تكرار ، فما تقدم أمر بالدعاء بمعنى السؤال وهذا أمر بالدعاء بمعنى العبادة ، والمعنى اعبدوه جامعين في أنفسكم الخوف والرجاء في عبادتكم القلبية والقالبية وهو كما ترى ، ومن الناس من أبقى الدعاء على المعنى الظاهر وعمم في متعلق الخوف والطمع ، والمعنى عنده ادعوه وأنتم جامعون في أنفسكم الخوف والرجاء في أعمالكم كلها ، وليس بشيء والمختار عند جلة المفسرين ما تقدم .
{ إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مّنَ المحسنين } أعمالهم ، ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقروناً بالخوف والطمع . وقد كثر الكلام في توجيه تذكير { قَرِيبٌ } مع أنه صفة مخبر بها عن المؤنث ، وقد نقل ابن هشام في ذلك وجوهاً ذاكراً ما لها وما عليها . الأول : أن الرحمة في تقدير الزيادة والعرب قد تزيد المضاف قال سبحانه وتعالى : { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى } [ الأعلى : 1 ] أي سبح ربك ألا ترى أنه يقال في التسبيح سبحان ربي ولا يقال سبحان اسم ربي والتقدير إن الله تعالى قريب فالخبر في الحقيقة عن الاسم الأعظم ، وتعقبه بأن هذا لا يصح عند علماء البصرة لأن الأسماء لا تزاد في رأيهم وإنما تزاد الحروف ، ومعنى الآية عندهم نزه أسماء ربك عما لا يليق بها فلا تجر عليه سبحانه اسماً لا يليق بكماله أو اسما غير مأذون فيه فلا زيادة ، الثاني : إن ذلك على حذف مضاف أي إن مكان رحمة الله تعالى قريب فالإخبار إنما هو عن المكان وهو مذكر ، ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى الذهب والفضة «إن هذين حرام » فإن الإخبار بالمفرد لأن التقديران استعمال هذين ، وقول حسان :
يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل
فإنه بتقدير ماء بردى فلذا قال : يصفق بالتذكير مع أن بردى مؤنث . وتعقب بأن هذا المضاف بعيد جداً لا قريب والأصل عدم الحذف والمعنى مع تركه أحسن منه مع وجوده . الثالث : أنه على حذف الموصوف أي شيء قريب كما قال الشاعر :
قامت تبكيه على قبره *** من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة *** قد ذل من ليس له ناصر
أي شخصاً ذا غربة . وعلى ذلك يخرج قول سيبويه قولهم : امرأة حائض أي شخص ذو حيض .
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني *** طلاقك لم أبخل وأنت صديق
وتعقب بأنه أشد ضعفاً من سابقه لأن تذكير صفة المؤنث باعتبار إجرائها على موصوف مذكر محذوف شاذ ينزه كلام الله تعالى عنه ، على أنه لا فصاحة في قولك : رحمة الله شيء قريب ولا لطافة بل هو عند ذي الذوق كلام مستهجن ، ونحو حائض من الصفات المختصة لا يحتاج إلى العلامة لأنها لدفع اللبس ولا لبس مع الاختصاص . وسيبويه وإن كان جواداً في مثل هذا المضمار إلا أن الجواد قد يكبو ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك ، ألا تراه كيف جوز في باب الصفة المشبهة مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه وإضافة الوجه إلى ضمير الرجل وخالفه في ذلك جميع البصريين والكوفيين لأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه . وقد علمت أيضاً أن الأصل عدم الحذف . الرابع : أن العرب تعطي المضاف حكم المضاف إليه في التذكير والتأنيث إذا صح الاستغناء عنه وهو أمر مشهور فالرحمة لإضافتها إلى الاسم الجليل قد اكتسبت ما صحح الإخبار عنها بالمذكر . وتعقبه أبو علي الفارسي في «تعاليقه » على الكتاب بأن هذا التقدير والتأويل في القرآن بعيد فاسد وإنما يجوز هذا في ضرورة الشعر . وقال الروذراوري : إن اكتساب التأنيث في المؤنث قد صح بكلام من يوثق به ، وأما العكس فيحتاج إلى الشواهد ومن ادعى الجواز فعليه البيان . الخامس : أن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث كرجل جريح وامرأة جريح . وتعقب بأنه خطأ فاحش لأن فعيلاً هنا بمعنى فاعل . واعترض أيضاً بأن هذا لا ينقاس خصوصاً من غير الثاني . السادس : أن فعيلا بمعنى فاعل قد يشبه بفعيل بمعنى مفعول فيمنع من التاء في المؤنث كما قد يشبهون فعيلا بمعنى مفعول بفعيل بمعنى فاعل فيلحقونه التاء . فالأول كقوله تعالى : { مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس : 78 ] ومنه الآية الكريمة . والثاني كقولهم : خصلة ذميمة وصفة حميدة حملا على قولهم : قبيحة وجميلة ولم يتعقب هذا بشيء . وتعقبه الروذراوري بأنه مجرد دعوى لا دليل عليه وإن قاله النحويون . ويرد عليه أن أحد الفعلين مشتق من لازم والآخر من متعد فلو أجري على أحدهما حكم الآخر لبطل الفرق بين المتعدي واللازم إن كان على وجه العموم وإن كان على وجه الخصوص فأين الدليل عليه وفيه نظر .
السابع : أن العرب قد تخبر عن المضاف إليه وتترك المضاف كقوله تعالى : { فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } [ الشعراء : 4 ] فإن خاضعين خبر عن الضمير المضاف إليه الأعناق لا عن الأعناق ألا ترى أنك إذا قلت : الأعناق خاضعون لا يجوز لأن الجمع المذكر السالم إنما يكون من صفات العقلاء فلا يقال أيد طويلون ولا كلاب نابحون . وتعقب بأنه لعل هذا راجع إلى القول بالزيادة وقد علمت ما فيه . وقد قيل : إن المراد بالأعناق الرؤساء والمعظمون . وقيل : الجماعة كما يقال : جاء زيد في عنق من الناس أي في جماعة . وقال الروذراوري : إنه لو ساغ الإعراض عن المضاف والحكم على المضاف إليه لساغ أن يقال : كان صاحب الدرع سابغة ومالك الدار متسعة وليس فليس . الثامن : أن الرحمة والرحم متقاربان لفظاً وهو واضح ومعنى بدليل النقل عن أئمة اللغة فأعطي أحدهما حكم الآخر . وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الوعظ والموعظة تتقارب أيضاً فينبغي أن يجيز هذا القائل أن يقال : موعظة نافع وعظة حسن وكذلك الذكر والذكرى فينبغي أن يقال : ذكرى نافع كما يقال : ذكر نافع . التاسع : أن فعيلا هنا بمعنى النسب فقريب معناه ذات قرب كما يقول الخليل في حائض : إنه بمعنى ذات حيض . وتعقب بأنه باطل لأن اشتمال الصفات على معنى النسب مقصور على أوزان خاصة وهي فعال وفعل وفاعل .
العاشر : ما قاله الروزراوري أن فعيلا مطلقاً يشترك فيه المؤنث والمذكر . وتعقب بأنه من أفسد ما قيل لأنه خلاف الواقع في كلام العرب فإنهم يقولون : امرأة ظريفة وعليمة وحليمة ورحيمة ولا يجوز التذكير في شيء من ذلك ولهذا قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى : { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } [ مريم : 28 ] أن بغيا فعول والأصل بغوى ثم قبلت الواو ياء والضمة كسرة وأدغمت الياء في الياء ، وأما قوله :
فتور القيام قطيع الكلام *** تفتر عن در عروب حصر
فالجواب عنه من أوجه : أحدها : أنه نادر . الثاني : أن أصله قطيعة ثم حذف التاء للإضافة كقوله تعالى : { لَّيْسَ البر } [ الأنبياء : 73 ] والإضافة مجوزة لحذف التاء كما توجب حذف النون والتنوين . وقد نص على ذلك غير واحد من القراء الثالث : أنه إنما جاز ذلك لمناسبة فتور لأنه فعول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث . الحادي عشر : أنهم يقولون في قرب النسب : قريب وإن أجري على مؤنث نحو فلانة قريب مني ويفرقون بينه وبين قرب المسافة . وتعقب بأنه مبني على أن يقال في القرب النسبي : فلان قرابتي . وقد نص جمع على أن ذلك خطأ وأن الصواب أن يقال فلان ذو قرابتي كما قال :
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه *** وذو قرابته في الحي مسرور
الثاني عشر : من تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى . واختلف القائلون بذلك فمنهم من يقدر إن إحسان الله قريب ومنهم من يقدر لطف الله قريب . ومن ذلك قوله :
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما *** يضم إلى كشحيه كفاً مخضبا
فأول الكف على معنى العضو . وتعقب بأنه باطل لأن ذلك إنما يقع في الشعر وقد تقدم أنه لا يقال : موعظة حسن مع أن الموعظة بمنزلة الوعظ في المعنى ويقاربه في اللفظ أيضاً . وأما البيت فنص النحاة على أنه ضرورة وما هذه سبيله لا يخرج عليه كلام الله سبحانه وتعالى ، على أن بعضهم قال : إن الكف قد يذكر . الثالث عشر : أن المراد بالرحمة هنا المطر ونقل ذلك عن الأخفش والمطر مذكر ، وأيد بأن الرحمة فيما بعد بمعنى المطر . واعترض عليه من أوجه . أحدها : أنه لو كانت الرحمة الثانية هي الرحمة الأولى لم تذكر ظاهرة على ما هو الظاهر إذ الموضع للضمير . ثانيها : أنه إذا أمكن الحمل على العام لا يعدل إلى الخاص ولا ضرورة هنا إلى الحمل كما لا يخفى ، ثالثها : أن الرحمة التي هي المطر لا تختص بالمحسنين لأن الله سبحانه يرزق الطائع والعاصي ، وإنما المختص في عرف الشرع هو الرحمة التي هي الغفران والتجاوز والثواب . والجواب عن هذا بأنه كما جاز تخصيص الخطاب بالرحمة بالمعنى الشرعي بالمحسنين على سبيل الترغيب كذلك يجوز تخصيص المطر الذي هو سبب الإرزاق بهم ترغيباً في الإحسان ليس بشيء عندي . رابعها : أنك لو قلت : مطر الله قريب لوجدت هذه الإضافة مما تمجها الأسماع وتنبو عنها الطباع بخلاف إن رحمت الله فدل على أنه ليس بمنزلته في المعنى . وأجيب عنه بأن مجموع ( رحمة الله ) استعمل مراداً به المطر ، وبأن الإضافة في مطر الله إنما لم تحسن للعلم بالاختصاص ولا كذلك رحمة الله تعالى ، وهذا كما يحسن أن يقال : كلام الله تعالى ولا يحسن أن يقال : قرآن الله سبحانه ، والإنصاف أن هذا القول ليس بشيء كما لا يخفى على ذي ذهن طري . وقال ابن هشام : لا بعد في أن يقال : إن التذكير في الآية الكريمة لمجموع أمور من الأمور المذكورة . واختار أنه لما كان المضاف يكتسب من المضاف إليه التذكير وكانت الرحمة مقاربة للرحم في اللفظ وكان قريب على صيغة فعيل وفعيل الذي بمعنى فاعل قد يحمل على فعيل بمعنى مفعول جاء التذكير . وادعى أنه لا يناقض ما قدمه من الاعتراضات لأنه لا يلزم من انتفاء اعتبار شيء من هذه الأمور مستقلاً انتفاء اعتباره مع غيره اه . ولا يخلو عن حسن سوى أنه إذا أخذ في المجموع كون الرحمة بمعنى المطر يفسد الزرع ، وقد جرى في هذه الآية بحث طويل بين ابن مالك والروذراوري وفي كلام كل حق وصواب ، وفي نقل ذلك ما يورث السآمة .
وأجاب الجوهري بأن الرحمة مصدر والمصادر لا تجمع ولا تؤنث وهو كما ترى . وقيل : التذكير لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ولا يخفى بعده لأن المتضمن لضمير المؤنث ولو كان غير حقيقي لم يحسن تذكيره على المشهور ، وقيل : إن فعيلاً هنا محمول على فعيل الوارد في المصادر فإنه للمؤنث والمذكر كفعيل بمعنى مفعول كالنقيض بالنون والقاف والضاد المعجمة وهو صوت الرحل ونحو والضغيب بالضاد والغين المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الموحدة صوت الأرنب . وأنت تعلم أن حمله على فعيل بمعنى مفعول أولى من هذا الحمل وهو الذي أميل إليه ، نعم ربما يدعى أن في ذلك إشارة ما إلى مزيد قرب الرحمة لكنه بعيد جداً وقد لا يسلم . والذي أختاره أن فعيلاً هنا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول كما زعم الكرماني لما مرت الإشارة إليه ، ولأن الرحمة صفة ذات عند جمع وصفات الذات سواء قلنا بعينيتها أو بغيريتها أو بأنها لا ولا لا يحسن الإخبار عنها بأنها مقربة ، وذلك على القولين الأخيرين ظاهر وعلى الأول أظهر ، والقول بأن في ذلك ترغيباً في الإحسان حيث أشير إلى أنه كالفاعل وقد أثر فيما لا يقبل التأثر مما لا يكاد يسلم ، وأنه قد حمل على فعيل بمعنى مفعول كما حمل على ذلك في خصوصية قريب في قول جرير :
أتنفعك الحياة وأم عمرو *** قريب لا تزور ولا تزار
وإنما لم يقل قريبة على الأصل للإشارة لأرباب الأذهان السليمة إلى أنها قريبة جداً من المحسنين كما لا يخفى على المتأمل . واختار بعضهم تفسير الرحمة هنا بالإحسان لمكان المحسنين { وَهَلْ * جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان } [ الرحمن : 60 ] ولعله يعتبر شاملاً للإحسان الدنيوي والأخروي . ووجه القرب على ما قيل وجود الأهلية بحسب الحكمة مع ارتفاع الموانع بالكلية . وفسرها ابن جبير بالثواب ، والمتبادر منه الإحسان الأخروي . ووجه القرب عليه بأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار الدنيا وإقبال على الآخرة ، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة فلا يكون بين المحسن والثواب في الآخرة إلا الموت وكل آت قريب .
وجعل الزمخشري الآية من قبيل قوله تعالى : { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } [ طه : 82 ] الخ أي علق فيها الرحمة بإحسان الأعمال كما علق الغفران فيه بالتوبة والإيمان والعمل الصالح فكأن ( من تاب وآمن ) الخ تفسير للمحسينين وهو إشارة إلى ما يزعمه قومه من أن الآية تدل على أن صاحب الكبيرة لا يخلص من النار لأنه ليس من المحسنين ، والتخليص من النار بعد الدخول فيها رحمة . وأجيب بأن صاحب الكبيرة مؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن يكون كذلك فهو محسن بدليل أن الصبي إذا بلغ ضحى وآمن ومات قبل الظهر فقد اجتمعت الأمة على أنه داخل تحت قوله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى } [ يونس : 26 ] فهو محسن بمجرد الإيمان ، والقول بأن المحسنين هم الذين أتوا بجميع أنواع الإحسان على ما يؤذن به الآية الممثل بها أول البحث أول المسألة . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه فسر المحسنين بالمؤمنين . وعن بعضهم تفسيره بالداعين خوفاً وطمعاً لقرينة السباق على ذلك ونظر فيه .
ومن باب الإشارة :{ ولا تفسدوا في الأرض } أي أرض البدن { بعد إصلاحها } بالاستعداد { وادعوه خوفاً وطمعاً } [ الأعراف : 56 ] لئلا يلزم إهمال إحدى صفتي الجلال والجمال