مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ} (33)

قوله تعالى : { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } .

فإن قال قائل : ما الحكمة في أن الله تعالى بالغ في تعظيم ذبح الحيوانات هذه المبالغة ؟ فالجواب قوله تعالى : { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } . اعلم أن قوله تعالى : { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى } لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدي الذي فيه منافع إلى وقت النحر ، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده ، والأول هو قول جمهور المفسرين ، ولا شك أنه أقرب . وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب ظهورها ، فأما قوله { إلى أجل مسمى } ففيه قولان : أحدهما : أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهديا فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون { لكم فيها } أي في البدن { منافع } مع تسميتها هديا بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها { إلى أجل مسمى } يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو اختيار الشافعي ، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال : { لكم فيها منافع } أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هديا وروى أبو هريرة أنه عليه السلام «مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد ، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدي فقال اركبها ويلك » وروى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرا » واحتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات ، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها ، ويمكنه الانتفاع بها فكذا ههنا .

أما قوله تعالى : { ثم محلها إلى البيت العتيق } فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت ، كقوله : { هديا بالغ الكعبة } وبالجملة فقوله : { محلها } يعني حيث يحل نحرها ، وأما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله ، ودليله قوله تعالى : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة ، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة ، قال عليه السلام : «كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر » قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ} (33)

لكم في هذه الهدايا منافع دنيوية ، فتركبونها حين الحاجة وتحمل أثقالكم ، وتشربون من ألبانها ، ثم لكم منافعها الدينية كذلك حين تذبحونها عند البيتِ الحرام تقرباً إلى الله .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ} (33)

{ لَكُمْ فِيهَا } أي في الشعائر بالمعنى السابق { منافع } هي درها ونسلها وصوفها وركوب ظهورها { إلى أَجَعَلَ مُّسَمًّى } وهو وقت أن يسميها ويوجبها هدياً وحينتذ ليس لهم شيء من منافعها قاله ابن عباس في رواية مقسم . ومجاهد . وقتادة والضحاك ، وكذا عند الإمام أبي حنيفة فإن المهدي عنده بعد التسمية والإيجاب لا يملك منافع الهدى أصلاً لأنه لو ملك ذلك لجاز له أن يؤجره للركوب وليس له ذلك اتفاقاً ، نعم يجوز له الانتفاع عند الضرورة وعليه يحمل ما روى عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يسوق هديه وهو في جهاد فقال عليه الصلاة والسلام : «اركبها فقال يا رسول الله : إنها هدى فقال : اركبها ويلك » وقال عطاء : منافع الهدايا بعد إيجابها وتسميتها هدياً أن تركب ويشرب لبنها عند الحاجة إلى أجل مسمى وهو وقت أن تنحر وإلى ذلك ذهب الشافعي ، فعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال : «اركبوا الهدى بالمعروف حتى تجدوا ظهراً » واعترض على ما تقدم بأن مولى أم الولد يملك الانتفاع بها وليس له أن يبيعها فلم لا يجوز أن يكون الهدى كذلك لا يملك المهدى بيعه وإجارته ويملك الانتفاع به بغير ذلك ، وقيل الأجل المسمى وقت أن تشعر فلا تركب حينئذ إلا عند الضرورة .

وروى أبو رزين عن ابن عباس الأجل المسمى وقت الخروج من مكة ، وفي رواية أخرى عنه وقت الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها ، وقيل الأجل المسمى يوم القيامة ولا يخفى ضعفه .

{ ثُمَّ مَحِلُّهَا } أي وجوب نحرها على أن يكون محل مصدراً ميمياً بمعنى الوجوب من حل الدين إذا وجب أو وقت نحرها على أن يكون اسم زمان ، وهو على الاحتمالين معطوف على { منافع } والكلام على تقدير مضاف .

/ وقوله تعالى : { إلى البيت العتيق } في موضع الحال أي منتهية إلى البيت ، والمراد به ما يليه بعلاقة المجاورة فإنها لا تنتهي إلى البيت نفسه وإنما تنتهي إلى ما يقرب منه ، وقد جعلت مني منحراً ففي الحديث " كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر " وقال القفال : هذا في الهدايا التي تبلغ منى وأما الهدى المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فمنحره موضعه ، وقالت الإمامية : منحر هدى الحج منى ومنحر هدى العمرة المفردة مكة قبالة الكعبة بالحزورة ، و { ثُمَّ } للتراخي الزماني أو الرتبي أي لكم فيها منافع دنيوية إلى أجل مسمى وبعده لكم منفعة دينية مقتضية للثواب الأخروي وهو وجوب نحرها أو وقت نحرها ، وفي ذلك مبالغة في كون نفس النحر منفعة ، والتراخي الرتبي ظاهر وأما التراخي الزماني فهو باعتبار أول زمان الثبوت فلا تغفل .

والمعنى على القول بأن المراد من الشعائر مواضع الج لكم في تلك المواضع منافع بالأجر والثواب الحاصل بأداء ما يلزم أداؤه فيها إلى أجل مسمى هو انقضاء أيام الحج ثم محلها أي محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق أي منته إليه بأن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر بعد أداء ما يلزم في هاتيك المواضع فإضافة المحل إليها لأدنى ملابسة ؛ وروي نحو ذلك عن مالك في «الموطأ » أو لكم فيها منافع التجارات في الأسواق إلى وقت المراجعة ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزيارة أو لكم منافع دنيوية وأخروية إلى وقت المراجعة الخ ، وهكذا يقال على ما روي عن زيد بن أسلم من تخصيصها بالست ، وعلى القول بأن المراد بها شرائع الدين لكم في مراعاتها منافع دنيوية وأخروية إلى انقطاع التكليف ثم محلها الذي توصل إليه إذا روعيت منته إلى البيت العتيق وهو الجنة أو محل رعايتها منته إلى البيت العتيق وهو معبد للملائكة عليهم السلام ، وكونه منتهى لأنه ترفع إليه الأعمال ، وقيل كون محلها منتهياً إلى البيت العتيق أي الكعبة كما هو المتبادر باعتبار أن محل بعضها كالصلاة والحج منته إلى ذلك ، وقيل : غير ذلك والكل مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام أدنى الناس فضلاً عن كلام رب العالمين ، وأهون ما قيل : إن الكلام على هاتيك الروايات متصل بقوله تعالى : { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام } [ الحج : 30 ] وضمير { فِيهَا } لها .

ومن باب الإشارة : { لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق } [ الحج : 33 ] أي إلى ما يليه فإن النحر بمنى وجعلت محلاً للقرابين على ما ذكر الشيخ الأكبر محيي الدين قدس سره لأنها من بلوغ الأمنية ومن بلغ المنى المشروع فقد بلغ الغاية . وفي نحر القرابين إتلاف أرواح عن تدبير أجسام حيوانية لتتغذى بها أجسام إنسانية فتنظر أرواحها إليها في حال تفريقها فتدبرها إنسانية بعد ما كانت تدبرها إبلاً أو بقراً ، وهذه مسألة دقيقة لم يفطن لها إلا من نور الله تعالى بصيرته من أهل الله تعالى انتهى . وتعقله مفوض إلى أهله فاجهد أن تكون منهم .