ولما أجاب الله دعاءه قال : { فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا } أي بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظا يكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله ، ومنه قولهم : عليه من الله عين كالئة ، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام : «إن الله خلق آدم على صورته » لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك ، واختلفوا في أنه عليه السلام كيف صنع الفلك فقيل إنه كان نجارا وكان عالما بكيفية اتخاذها ، وقيل إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها ، وهذا هو الأقرب لقوله { بأعيننا ووحينا } .
أما قوله : { فإذا جاء أمرنا } فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء ، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم ، والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقي الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول ، ومن الناس من قال : إنما سماه أمرا على سبيل التعظيم والتفخيم ، مثل قوله : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } .
أما قوله : { وفار التنور } فاختلفوا في التنور ، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف . روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب ، وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح ، واختلف في مكانه ، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان نوح عليه السلام عمل السفينة في وسط المسجد ، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة وقيل بالهند . القول الثاني : أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضي الله عنهما . الثالث : أنه أشرف موضع في الأرض أي أعلاه عن قتادة . والرابع : { وفار التنور } أي طلع للفجر عن علي عليه السلام ، وقيل إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر . والخامس : هو مثل قولهم حمى الوطيس . والسادس : أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول الأول هو الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز ، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة طلبا لنجاته ونجاة من آمن به من قومه .
أما قوله : { فاسلك فيها } أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلك غيره وأسلكه { من كل زوجين اثنين } أي من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان ، وكل واحد منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الإثنان ، روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض ، وقرئ من كل بالتنوين ، أي من كل أمة زوجين ، واثنين تأكيد وزيادة بيان .
أما قوله : { وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم } أي وأدخل أهلك ولفظ على إنما يستعمل في المضار . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين أحدهما : أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله ، وقيل المراد بأهله من آمن دون من يتصل به نسبا أو سببا وهذا ضعيف . وإلا لما جاز استثناء قوله : { إلا من سبق عليه القول } . والثاني : أنه قال : { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } يعني كنعان فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم لأنه إن أجابه إليه ، فقد صير خبره الصدق كذبا ، وإن لم يجبه إليه كان ذلك تحقيرا لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال : { إنهم مغرقون } أي الغرق نازل بهم لا محالة .
{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } عقيب ذلك ، وقيل : بسبب ذلك { أَنِ اصنع الفلك } ( أن ) مفسرة لما في الوحي من معنى القول { بِأَعْيُنِنَا } ملتبساً بمزيد حفظنا ورعايتنا لك من التعدي أو من الزيغ في الصنع { وَوَحْيِنَا } وأمرنا وتعليمنا لكيفية صنعها ، والفاء في قوله تعالى : { فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع الفلك ، والمراد بالأمر العذاب كما في قوله تعالى : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } [ هود : 43 ] فهو واحد الأمور لا الأمر بالركوب فهو واحد الأوامر كما قيل ، والمراد بمجيئه كمال اقترابه أو ابتداء ظهوره أي إذا جاء أثر تمام الفلك عذابنا ، وقوله سبحانه : { وَفَارَ التنور } بيان وتفسير لمجيء الأمر . روي أنه قيل له عليه السلام إذا فار التنور اركب أنت ومن معكم وكان تنور آدم عليه السلام فصار إلى نوح عليه السلام فلما نبع منه الماء أخبرته امرأته فركبوا . واختلفوا في مكانه فقيل كان في مسجد الكوفة أي في موضعه عن يمين الداخل من باب كندة اليوم ، وقيل : كان في عين وردة من الشام ، وقيل : بالجزيرة قريباً من الموصل ، وقيل : التنور وجه الأرض ، وقيل : فار التنور مثل كحمى الوطيس ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه فسر { وَفَارَ التنور } بطلع الفجر فقيل : معناه إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر وفيه بعد ، وتمام الكلام في ذلك قد تقدم لك .
{ فاسلك فِيهَا } أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلكه فيه أي أدخله فيه ، ومنه قوله تعالى : { مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ } [ المدثر : 42 ] { مِن كُلّ } أي من كل أمة { زَوْجَيْنِ } أي فردين مزدوجين كما يعرب عنه قوله تعالى : { اثنين } فإنه ظاهر في الفردين دون الجمعين .
وقرأ أكثر القراء من { كُلّ زَوْجَيْنِ } بالإضافة على أن المفعول { اثنين } أي لسلك من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين كجمل وناقة وحصان ورمكة . روي أنه عليه السلام لم يحمل في الفلك من ذلك إلا ما يلد ويبيض وأما ما يتولد من العفونات كالبق والذباب والدود فلم يحمل شيئاً منه ، ولعل نحو البغال ملحقة في عدم الحمل بهذا الجنس لأنه يحصل بالتوالد من نوعين فالحمل منهما مغن عن الحمل منه إذا كان الحمل لئلا ينقطع النوع كما هو الظاهر فيحتاج إلى خلق جديد كما خلق في ابتداء الأمر . والآية صريحة في أن الأمر بالإدخال كان قبل صنعه الفلك ، وفي سورة [ هود : 04 ] { حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ } فالوجه أن يحمل على أنه حكاية لأمر آخر تنجيزي ورد عند فوران التنور الذي نيط به الأمر التعليقي اعتناءً بشأن المأمور به أو على أن ذلك هو الأمر السابق بعينه لكن لما كان الأمر التعليقي قبل تحقق المعلق به في حق إيجاب المأمور به بمنزلة العدم جعل كأنه إنما حدث عند تحققه فحكى على صورة التنجيز { وَأَهْلَكَ } قيل عطف على { اثنين } على قراءة الإضافة وعلى { زَوْجَيْنِ } على قراءة التنوين ، ولا يخفى اختلال المعنى عليه فهو منصوب بفعل معطوف على { فاسلك } أي واسلك أهلك ، والمراد بهم أمة الإجابة الذين آمنوا به عليه الصلاة والسلام سواء كانوا من ذوي قرابته أم لا وجاء إطلاق الأهل على ذلك ، وإنما حمل عليه هنا دون المعنى المشهور ليشمل من آمن ممن ليس ذا قرابة فإنهم قد ذكروا في سورة هود والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، وعلى هذا يكون قوله تعالى : { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ } استثناء منقطعاً ، واختار بعضهم حمل الأهل على المشهور وإرادة امرأته وبنيه منه كما في سورة هود وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً كما كان هناك ، وعدم ذكر من آمن للاكتفاء بالتصريح به ثمت مع دلالة ما في الاستثناء وكذا ما بعده على أنه ينبغي إدخاله ، وتأخير الأمر بإدخال الأهل على التقديرين عما ذكر من إدخال الأزواج لأن إدخال الأزواج يحتاج إلى مزاولة الأعمال منه عليه السلام وإلى معاونة أهله إياه وأما هم فإنما يدخلون باختيارهم ، ولأن في المؤخر ضرب تفصيل بذكر الاستثناء وغيره فتقديمه يخل بتجاوب النظم الكريم ، والمراد بالقول القول بالإهلاك ، والمراد بسبق ذلك تحققه في الأزل أو كتابة ما يدل عليه في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق الدنيا ، وجىء بعلى لكون السابق ضاراً كما جىء باللام في قوله تعالى : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } [ الأنبياء : 101 ] لكون السابق نافعاً { وَلاَ تخاطبني فِى الذين ظَلَمُواْ } أي لا تكلمني فيهم بشفاعة وإنجاء لهم من الغرق ونحوه ، وإذا كان المراد بهم من سبق عليه القول فالإظهار في مقام الإضمار لا يخفى وجهه { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } تعليل للنهي أو لما ينبئ عنه من عدم قبول الشفاعة لهم أي أنهم مقضي عليهم بالإغراق لا محالة لظلمهم بالإشراك وسائر المعاصي ومن هذا شأنه لا ينبغي أن يشفع له أو يشفع فيه وكيف ينبغي ذلك وهلاكه من النعم التي يؤمر بالحمد عليها كما يؤذن به
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 )