مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (10)

قوله تعالى : { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون } .

ذكروا في قوله : { فؤاد أم موسى فارغا } وجوها أحدها : قال الحسن فارغا من كل هم إلا من هم موسى عليه السلام . وثانيها : قال أبو مسلم فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله : { وأفئدتهم هواء } ، وثالثها : قال صاحب الكشاف فارغا صفرا من العقل ، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف . ورابعها : قال الحسن ومحمد بن إسحاق فارغا من الوحي الذي أوحينا إليها ( أن ألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك ) فجاءها الشيطان فقال لها كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه ، ولما أتاها خبر موسى عليه السلام أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها ، وخامسها : قال أبو عبيدة : فارغا من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل اعتمادا على تكفل الله بمصلحته قال ابن قتيبة : وهذا من العجائب كيف يكون فؤادها فارغا من الحزن والله تعالى يقول : { لولا أن ربطنا على قلبها } وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله لم تخف عند إظهار اسمه ، وأيقنت أنها وإن أظهرت فإنه يسلم لأجل ذلك الوعد إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار يضر فربط الله على قلبها ، ويحتمل قوله : { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } بالوحي فأمنت وزال عن قلبها الحزن ، فعلى هذا الوجه يصح أن يتأول على أن قلبها سلم من الحزن على موسى أصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أنها سمعت أن امرأة فرعون عطفت عليه وتبنته ( إن كادت لتبدي به ) بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحا بما سمعت ، لولا أن سكنا ما بها من شدة الفرح والابتهاج { لتكون من المؤمنين } الواثقين بوعد الله تعالى لا يتبنى امرأة فرعون اللعين وبعطفها ، وقرئ ( فرعا ) أي خاليا من قولهم أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء وفرغا من قولهم : دماؤهم بينهم فرغ أي هدر يعني بطل قلبها من شدة ما ورد عليها .

أما قوله : { إن كادت لتبدي به } فاعلم أن على قول من فسر الفراغ بالفراغ من الحزن ، قد ذكرنا تفسير قوله : { إن كادت لتبدي } وأما على قول من فسر الفراغ بحصول الخوف فذكروا وجوها أحدها : قال ابن عباس كادت تخبر بأن الذي وجدتموه ابني ، وقال في رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع ، وقال الكلبي ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون ، وقال السدي لما أخذ ابنها كادت تقول هو ابني فعصمها الله تعالى ، ثم قال : { لولا أن ربطنا على قلبها } بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن { لتكون من المؤمنين } من المصدقين بوعد الله وهو قوله : { إنا رادوه إليك } .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (10)

فراغا : خاليا من العقل .

وإن كادت لتبدي به : كادت تذهب إلى آل فرعون وتعرّف نفسها بأنها أمه .

ولولا أن ربطنا على قلبها : لولا أن ثبتناها وجعلناها تصبر .

وأصبح فؤادُ أم موسى فارغاً من العقلِ خوفاً على ابنها لوقوعه في يد فرعون ، حتى إنها كادت تذهبُ الى آل فرعون وتعرِّف نفسَها بأنها أمه ، لولا أن ثبّتها الله بالصبر .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (10)

{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً } أي صار خالياً من كل شيء غير ذكر موسى عليه السلام أخرجه الفريابي . وابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والحاكم . وصححه من طرق عن ابن عباس وروي ذلك أيضاً عن ابن مسعود . والحسن . ومجاهد ، ونحوه عن عكرمة . وقالت : فرقة فارغاً من الصبر وقال ابو زيد : فارغاً من وعد الله تعالى ووحيه سبحانه إليها تناست ذلك من الهم وقال أبو عبيدة : فارغاً من الهم إذ لم يغرق وسمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه كما يقال فلان فارغ البال وقال بعضهم : فارغاً من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد عدوه فرعون كقوله تعالى : { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } [ إبراهيم : 43 ] أي خلاء لا عقول فيها واعترض على القولين بأن الكلام عليهما لا يلائم ما بعده وفيه نظر ، وقرأ أحمد بن موسى عن أبي عمرو فواد بالواو وقرأ موسى بهمزة بدل الواو ، وقرأ فضالة بن عبيد . والحسن . ويزيد بن قطيب . وأبو زرعة بن عمرو بن جرير فزعاً بالزاي والعين المهملة من الفزع وهو الخوف والقلق ، وابن عباس قرعاً بالقاف وكسر الراء وإسكانها من قرع رأسه إذا انحسر شعره كأنه خلا من كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام ، وقيل : قرعاً بالسكون مصدر أي يقرع قرعاً من القارعة وهو الهم العظيم . وقرأ بعض الصحابة فزغاً بفاء مكسورة وزاي ساكنة وغين معجمة ومعناه ذاهباً هدراً . والمراد هالكاً من شدة الهم كأنه قتيل لا قود ولا دية فيه ، ومنه قول طليحة الأسدي في أخيه حبال :

فإن يك قبلي قد أصيبت نفوسهم *** فلن يذهبوا فزغاً بقتل حبال

وقرأ الخليل بن أحمد فزغاً بضم الفاء والراء { إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } أي أنها كادت الخ على أن إن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة أو ما كادت إلا تبدى به على أن إن نافية واللام بمعنى إلا وهو قول كوفي والإبداء إظهار الشيء وتعديته بالباء لتضمينه معنى التصريح ، وقيل : المفعول محذوف والباء سببية أي تبدى حقيقة الحال بسببه أي بسبب ما عراها من فراقه ، وقيل : هي صلة أي تبديه وكلا القولين كما ترى ، والظاهر أن الضمير المجرور لموسى عليه السلام ، والمعنى أنها كادت تصرح به عليه السلام وتقول وابناه من شدة الغم والوجد رواه الجماعة عن ابن عباس ، وروي ذلك أيضاً عن قتادة . والسدي . وعن مقاتل أنها كادت تصيح وابناه عند رؤيتها تلاطم الأمواج به شفقة عليه من الغرق ، وقيل : المعنى أنها كادت تظهر أمره من شدة الفرح بنجاته وتبنى فرعون إياه ، وقيل : الضمير للوحي إنها كادت تظهر الوحي وهو الوحي الذي كان في شأنه عليه السلام المذكور في قوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ } [ القصص : 7 ] الآية وهو خلاف الظاهر ولا تساعد عليه الروايات { لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا } أي بما أنزلنا عليه من السكينة والمراد لولا أن ثبتنا قلبها وصبرناها ، فالربط على القلب مجاز عن ذلك ، وجواب لولا محذوف دل عليه { إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } أي لولا أن ربطنا على قلبها لأبدته ، وقيل : لكادت تبدى به ، وقوله تعالى : { لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين } علة للربط على القلب ، والإيمان بمعنى التصديق أي صبرناها وثبتنا قلبها لتكون راسخة في التصديق بوعدنا بأنا رادوه إليها وجاعلوه من المرسلين ، ومن جعل الفراغ من الهم والحزن وكيدودة الإبداء من الفرح بتبنيه عليه السلام الذي هو فرح مذموم جعل الإيمان بمعنى الوثوق كما في قولهم على ما حكى أبو زيد ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت وحقيقته صرت ذا أمن أي ذا سكون وطمأنينة ، وقال المعنى لولا أن ربطنا على قلبها وسكنا قلقه الكائن من الابتهاج الفاسد لتكون من الواثقين بوعد الله تعالى المبتهجين بما يحق الابتهاج به .