قال تعالى : { وهم يصطرخون فيها } أي لا يخفف وإن اصطرخوا واضطربوا لا يخفف الله من عنده إنعاما إلى أن يطلبوه بل يطلبون ولا يجدون والاصطراخ من الصراخ والصراخ صوت المعذب .
وقوله تعالى : { ربنا أخرجنا } أي صراخهم بهذا أي يقولون : { ربنا أخرجنا } لأن صراخهم كلام وفيه إشارة إلى أن إيلامهم تعذيب لا تأديب ، وذلك لأن المؤدب إذا قال لمؤدبه : لا أرجع إلى ما فعلت وبئسما فعلت يتركه ، وأما المعذب فلا وترتيبه حسن وذلك لأنه لما بين أنه لا يخفف عنهم بالكلية ولا يعفو عنهم بين أنه لا يقبل منهم وعدا وهذا لأن المحبوس يصبر لعله يخرج من غير سؤال فإذا طال لبثه تطلب الإخراج من غير قطيعة على نفسه فإن لم يقده يقطع على نفسه قطيعة ويقول أخرجني أفعل كذا وكذا .
واعلم أن الله تعالى قد بين أن من يكون في الدنيا ضالا فهو في الآخرة ضال كما قال تعالى : { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ثم إنهم لم يعلموا أن العود إلى الدنيا بعيد محال بحكم الإخبار .
وعلى هذا قالوا : { نعمل صالحا } جازمين من غير استعانه بالله ولا مثنوية فيه ، ولم يقولوا إن الأمر بيد الله ، فقال الله لهم إذا كان اعتمادكم على أنفسكم فقد عمرناكم مقدارا يمكن التذكر فيه والإتيان بالإيمان والإقبال على الأعمال .
وقولهم : { غير الذي كنا نعمل } إشارة إلى ظهور فساد عملهم لهم ، وكأن الله تعالى كما لم يهدهم في الدنيا لم يهدهم في الآخرة ، فما قالوا ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعلمهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظرا إلى فضلك ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظرا إلى عدلك وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة ، وكما هدى الله المؤمن في الدنيا هداه في العقبى حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا الحمد لله وقالوا ربنا غفور اعترافا بتقصيرهم شكور إقرارا بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وقالوا : { أحلنا دار المقامة من فضله } أي لا عمل لنا بالنسبة إلى نعم الله وهم قالوا : { أخرجنا نعمل صالحا } إغماضا في حق تعظيمه وإعراضا عن الاعتراف بعجزهم عن الإتيان بما يناسب عظمته ، ثم إنه تعالى بين أنه آتاهم ما يتعلق بقبول المحل من العمر الطويل وما يتعلق بالفاعل في المحل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كفاعل الخير فيهم ومظهر السعادات .
فقال تعالى : { أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير } .
فإن المانع إما أن يكون فيهم حيث لم يتمكنوا من النظر فيما أنزل الله ، وإما أن يكون في مرشدهم حيث لم يتل عليهم ما يرشدهم .
ثم قال تعالى : { فذوقوا فما للظالمين من نصير } وقوله : { فذوقوا } إشارة إلى الدوام وهو أمر إهانة ، فما للظالمين الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها من نصير في وقت الحاجة ينصرهم ، قال بعض الحكماء قوله : { فما للظالمين من نصير } وقوله : { وما للظالمين من أنصار } يحتمل أن يكون المراد من الظالم الجاهل جهلا مركبا ، وهو الذي يعتقد الباطل حقا في الدنيا وما له من نصير أي من علم ينفعه في الآخرة ، والذي يدل عليه هو أن الله تعالى سمى البرهان سلطانا ، كما قال تعالى : { فأتونا بسلطان } والسلطان أقوى ناصر إذ هو القوة أو الولاية وكلاهما ينصر والحق التعميم ، لأن الله لا ينصره وليس غيره نصيرا فما لهم من نصير أصلا ، ويمكن أن يقال إن الله تعالى قال في آل عمران { وما للظالمين من أنصار } وقال : { فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين } وقال ههنا : { فما للظالمين من نصير } أي هذا وقت كونهم واقعين في النار ، فقد أيس كل منهم من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة ولم يبق إلا توقعهم من الله فقال : ما لكم من نصير أصلا ، وهناك كان الأمر محكيا في الدنيا أو في أوائل الحشر ، فنفى ما كانوا يتوقعون منهم النصرة وهم آلهتهم .
يصطرخون : يصيحون أشد الصياح للاستغاثة .
وهم من شدة العذاب يستغيثون فيها قائلون : ربنا ، أخرِجنا من النار حتى نعملَ صالحاً غير الذي كنا نعمله في الدنيا ، فيقول لهم : { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ }
ألم نمكّنكم من العمل ونُطِلْ أعماركم زمنا يمكن فيه التدبر لِمَنْ يريد ذلك ؟ لقد جاءكم الرسول يحذّركم من هذا العذاب . . . . فذوقوا في جهنم جزاء ظُلمكم ومخالفتكم للأنبياء في حياتكم الدنيا ، { فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } .
{ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } افتعال من الصراخ وهو شدة الصياح والأصل يصترخون فأبدلت التاء طاء ويستعمل كثيراً في الاستغاثة لأن المستغيث يصيح غالباً ، وبه فسره هنا قتادة فقال : يستغيثون فيها ، واسغاثتهم بالله عز وجل بدليل ما بعده وقيل ببعضهم لحيرتهم وليس بذاك .
{ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ } بإضمار القول أي ويقولون بالعطف أو يقولون بدونه على أنه تفسير لما قبله أو قائلين على أنه حال من ضميرهم ، وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه فهو وصف مؤكد ولأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً فكأنهم قالوا : نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً فنعمله فالوصف مقيد .
وذكر أبو البقاء { أَنَّ صالحا . وَغَيْرُ الذي } يجوز أن يكونا صفتين لمصدر محذوف أو لمفعول محذوف وأن يكون { صالحا } نعتاً لمصدر و { غَيْرَ الذي } مفعول { نَعْمَلْ } وأياً ما كان فالمراد أخرجنا من النار وردنا إلى الدنيا نعمل صالحاً وكأنهم أرادوا بالعمل الصالح التوحيد وامتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد له ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : { نَعْمَلْ صالحا } نقل لا إله إلا الله { أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } جواب من جهته تعالى وتوبيخ لهم في الآخرة حين يقولون { رَبَّنَا } الخ فهو بتقدير فنقول لهم أو فيقال لهم { أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ } الخ ، وفي بعض الآثار أنهم يجابون بذلك بعد مقدار الدنيا ، والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام وما موصولة أو موصوفة أي ألم نمهلكم ونعمركم الذي أي العمر الذي أو عمراً يتذكر فيه من تذكر أي يتمكن فيه من أراد التذكر وتحققت منه تلك الإرادة من التذكر والتفكر .
وقال أبو حيان : ما مصدرية ظرفية أي ألم نعمركم في مدة تذكر ، وتعقب بأن ضمير { فِيهِ } يأباه لأنها لا يعود عليها ضمير إلا على نظر الأخفش فإنه يرى اسميتها وهو ضعيف ، ولعله يجعل الضمير للعمر المفهوم من { نعمر } وفيه بعد .
وجعل ما نافية لا يصح كما قال ابن الحاجب لفظاً ومعنى ، وهذا العمر على ما روى عن علي كرم الله تعالى وجهه وأخرجه جماعة وصححه الحاكم عن ابن عباس ستون سنة ، وقد أخرج الإمام أحمد . والبخاري . والنسائي . وغيرهم عن سهل بن سعد قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعذر الله تعالى إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة ؛ وقيل : هو خمسون سنة » وفي رواية عن ابن عباس أنه ست وأربعون سنة ، وأخرج عبد بن حميد .
وابن حاتم عن الحسن أنه أربعون سنة ، وفي رواية أخرى عنه أنه سن البلوغ ، وقيل : سبع عشرة سنة ، وعن قتادة ثمان عشرة سنة ، وعن عمر بن عبد العزيز عشرون سنة ، وعن مجاهد مابين العشرين إلى الستين ، وقرأ الأعمش { مَا يُذْكَرُ فِيهَا مِنْ اذكر } بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدرج { وَجَاءكُمُ النذير } عطف على معنى الجملة الاستفهامية فكأنه قيل : عمرناكم وجاءكم النذير فليس من عطف الخبر على الإنشاء كما في قوله تعالى : { ألم نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } [ الشرح : 1 ، 2 ] وجوز أن يكون عطفاً على { نُعَمّرْكُمْ } ودخول الهمزة عليهما فلا تغفل .
والمراد بالنذير على ما روى عن السدي . وابن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ما معه من القرآن ، وقال أبو حيان : المراد جنس النذير وهم الأنبياء عليهم السلام فكل نبي نذير أمته ، ويؤيده أنه قرئ { النذر } جمعاً ، وعن ابن عباس . وعكرمة . وسفيان بن عيينة . ووكيع . والحسين بن الفضل . والفراء . والطبرسي هو الشيب ، وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها استعدى فقد قرب الموت ، ومن هنا قيل :
رأيت الشيب من نذر المنايا *** لصاحبه وحسبك من نذير
وقائلة تخضب يا حبيبي *** وسود شعر شيبك بالعبير
فقلت لها المشيب نذير عمري *** ولست مسوداً وجه النذير
وقيل : الحمى ، وقيل : موت الأهل والأقارب ، وقيل : كمال العقل ، والاقتصار على النذير لأنه الذي يقتضيه المقام ، والفاء في قوله تعالى : { فَذُوقُواْ } لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ومجيء النذير ، وفي قوله سبحانه : { فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } للتعليل ، والمراد بالظلم هنا الكفر ، قيل كان الظاهر فما لكم لكن عدل إلى المظهر لتقريعهم ، والمراد استمرار نفي أن يكون لهم نصير يدفع عنهم العذاب .