مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

ثم قال تعالى : { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم } والمعنى أن الله تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة ، وذلك لأنه تعالى غني على الإطلاق ، ويمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ، وإنما قلنا إنه غني لوجوه : الأول : أنه واجب الوجود لذاته وواجب الوجود في جميع صفاته ، ومن كان كذلك كان غنيا على الإطلاق الثاني : أنه لو كان محتاجا لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة . والأول باطل وإلا لزم أن يخلق في الأزل ما كان محتاجا إليه وذلك محال ، لأن الخلق والأزل متناقض . والثاني باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعي إلى تحصيل النقصان لنفسه الثالث : هب أنه يبقى الشك في أنه هل تصح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم لا ؟ أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة ، والمواليد الثلاثة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو ، وأن يضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك ، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن الله غني عنهم .

ثم قال تعالى بعده : { ولا يرضى لعباده الكفر } يعني أنه وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفران إلا أنه لا يرضى بالكفر ، واحتج الجبائي بهذه الآية من وجهين : الأول : أن المجبرة يقولون إن الله تعالى خلق كفر العباد وإنه من جهة ما خلقه حق وصواب ، قال ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه ، وذلك ضد الآية الثاني : لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضا برضاء الله تعالى ، وأجاب الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه الأول : أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين ، قال الله تعالى : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } وقال : { عينا يشرب بها عباد الله } وقال : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } فعلى هذا التقدير قوله : { ولا يرضى لعباده الكفر } ولا يرضى للمؤمنين الكفر ، وذلك لا يضرنا الثاني : أنا نقول الكفر بإرادة الله تعالى ولا نقول إنه برضا الله لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله ، قال الله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين } أي يمدحهم ويثني عليهم الثالث : كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول : الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض ، وليس عبارة عن الإرادة ، والدليل عليه قول ابن دريد :

رضيت قسرا وعلى القسر رضا *** من كان ذا سخط على صرف القضا

أثبت الرضا مع القسر وذلك يدل على ما قلناه والرابع : هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله : { ولا يرضى لعباده الكفر } عام ، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } ، والله أعلم .

ثم قال تعالى : { وإن تشكروا يرضه لكم } والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلف القراء في هاء { يرضه } على ثلاثة أوجه أحدها : قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة وثانيها : قرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف وثالثها : قرأ نافع في بعض الروايات وابن كثير وابن عامر والكسائي مضمومة الهاء مشبعة ، قال الواحدي رحمه الله من القراء من أشبع الهاء حتى ألحق بها واوا ، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه وله ، فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه ، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو ، لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ، ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا ههنا .

المسألة الثانية : الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل أما القول فهو الإقرار بحصول النعمة وأما الاعتقاد فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم .

ثم قال تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الجبائي هذا يدل على أنه تعالى لا يعذب أحدا على فعل غيره ، فلو فعل الله كفرهم لما جاز أن يعذبهم عليه ، وأيضا لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء ، بخلاف ما يقول القوم . واحتج أيضا من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية .

ثم قال تعالى : { ثم إلى ربكم مرجعكم } واعلم أنا ذكرنا كثيرا أن أهم المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان ، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه في هذه الحياة الدنيوية ، وأن يعرف أحواله بعد الموت ، ففي هذه الآية ذكر الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال قدرة الصانع وعلمه وحكمته ، ثم أتبعه بأن أمره بالشكر ونهاه عن الكفر ثم بين أحواله بعد الموت بقوله : { ثم إلى ربكم مرجعكم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : المشبهة تمسكوا بلفظ إلى على أن إله العالم في جهة وقد أجبنا عنه مرارا .

المسألة الثانية : زعم القوم أن هذه الأرواح كانت قبل الأجساد وتمسكوا بلفظ الرجوع الموجود في هذه الآية وفي سائر الآيات .

المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على إثبات البعث والقيامة .

ثم قال : { فينبئكم بما كنتم تعملون } وهذا تهديد للعاصي وبشارة للمطيع ، وقوله تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } كالعلة لما سبق ، يعني أنه يمكنه أن ينبئكم بأعمالكم ، لأنه عالم بجميع المعلومات ، فيعلم ما في قلوبكم من الدواعي والصوارف ، وقال صلى الله عليه وسلم : « إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

الوزر : الذنب . ولا تزر وازرة وزر أخرى : لا تحمل نفسٌ آثمة حمل أخرى .

بذات الصدور : بما يدور في نفس الإنسان .

وبعد أن أقام الدليل على وحدانيته ، وبيّن أن المشركين ذهبت عقولُهم حين عبدوا الأصنام بين هنا أن الله هو الغني عما سواه من المخلوقات ، فهو لا يريد بعبادته جَرَّ منفعة ، ولا دفع مضرة ، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر ، { وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } فكل نفس مطالَبةٌ بما عملت ، وبعدئذ تُردّ إلى عالم الغيب والشهادة فيجازيها بما كسبت .

وهذا مبدأ جاء به الإسلام ، وأصّله القرآن الكريم ، ولم يستقرّ في فقه القانون إلا في العصور الحديثة .

قراءات :

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي : { وإن تشكروا يرضهُ لكم } بإشباع ضمة الهاء ، وقرأ يعقوب : { يرضهْ } بإسكان الهاء ، والباقون : { يرضهُ } بضم الهاء بدون مد ولا إشباع .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

{ إِن تَكْفُرُواْ } به تعالى مع مشاهدة ما ذكر من موجبات الإيمان والشكر { فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ } أي فأخبركم أنه عز وجل غنى عن إيمانكم وشكركم غير متأثر من انتفائهما { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } لما فيه من الضرر عليهم { وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ } أي الشكر { لَكُمْ } لما فيه من نفعكم ، ومن قال بالحسن والقبح العقليين قال : عدم الرضا بالكفر لقبحه العقلي والرضا بالشكر لحسنه العقلي ، والرضا إما بمعنى المحبة أو بمعنى الإرادة مع ترك الاعتراض ويقابلة السخط كما في «شرح المسايرة » فعباده على ظاهره من العموم ، ومنهم من فسره بالإرادة من غير قيد ويقابله الكره وهؤلاء يقولون قد يرضى بالكفر أي يريده لبعض الناس كالكفرة ونقله السخاوي عن النووي في كتابه «الأصول والضوابط » . وابن الهمام عن الأشعري . وإمام الحرمين كذا قاله الحفاجي في حواشيه على تفسير البيضاوي . والذي رأيته في الضوابط وهي نسخة صغيرة جداً ما نصه مسألة مذهب أهل الحق الإيمان بالقدر وإثباته وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله تعالى وقدره وهو مريد لها كلها ويكره المعاصي مع أنه سبحانه مريد لها لحكمة يعلمها جلا وعلا ، وهل يقال إنه تعالى يرضي المعاصي ويحبها فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمام الحرمين وغيره ، قال إمام الحرمين في الإرشاد : مما اختلف فيه أهل الحق إطلاق المحبة والرضاء ، فقال بعض أصحابنا لا يطلق القول بأن الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى : { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } ومن حقق من أتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة بل قال الله تعالى يريد الكفر ويحبه ويرضاه والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد قال : والمراد بعباده في الآية الموفقون للإيمان وأضيفوا إلى الله تعالى تشريفاً لهم كما في قوله تعالى : { يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله } [ الإنسان : 6 ] أي خواصهم لأكلهم اه فلا تغفل عن الفرق بينه وبين ما ذكره الخفاجي ، وحكى تخصيص العباد في البحر عن ابن عباس .

وقيل يجوز مع ذلك حمل العباد على العموم ويكون المعنى ولا يرضى لجميع عباده الكفر بل يرضاه ويريده لبعضهم نظير قوله تعالى : { لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار } [ الأنعام : 103 ] على قول ، ولعلامة الأعصار صاحب الكشف تحقيق نفيس في هذا المقام لم أره لغيره من العلماء الأعلام وهو أن الرضا يقابل السخط وقد يستعمل بعن والباء ويعدي بنفسه فإذا قلت : رضيت عن فلان فإنما يدخل على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا في مقابلة سخطت عليه وبينهما فرقان أنك إذا قلت : رضيت عن فلان بإحسانه لم يتعين الباء للسببية بل جاز أن يكون صلة مثله في رضيت بقضاء الله تعالى وإذا قلت : سخطت عليه بإساءته تعين السببية فكان الأصل ههنا ذكر الصلة لكنه كثر الحذف في الاستعمال بخلافه ثمت إذ لا حذف ، وإذا قيل : رضيت به فهذا يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيداً للمعنى ليكون أبلغ تقول : رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله عز وجل ربا وقاضياً ، وقريب منه سمعت حديث فلان وسمعته يتحدث وإذا عدى بنفسه جاز دخوله على الذات كقولك : رضيت زيداً وإن كان باعتبار المعنى تنبيهاً على أن كله مرضى بتلك الخصلة وفيه مبالغة وجاز دخوله على المعنى كقولك : رضيت إمارة فلان ، والأول أكثر استعمالاً وهو على نحو قولهم : حمدت زيداً وحمدت علمه ، وأما إذا استعمل باللام تعدى بنفسه كقولك رضيت لك هذا فمعناه ما سيجيء إن شاء الله تعالى قريباً ، وإذا تمهد هذا لاح لك أن الرضا في الأصل متعلقة المعنى وقد يكون الذات باعتبار تعلقه بالمعنى أو باعتبار التمهيد فهذه ثلاثة أقسام حققت بأمثلتها وأنه في الحقيقة حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به واكتفاء فهو غير الإرادة بالضرورة لأنها تسبق الفعل وهذا يعقبه ، وهذا المعنى في غير المستعمل باللام من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين ، وأما فيه فإنما اشتبه الأمر لأنك إذا قلت : رضيت لك التجارة فالمراضي بالتجارة هو مخاطبك وإنما أنت بينت له أن التجارة مما يحق أن يرضى به وليس المعنى رضيت بتجارتك بل المعنى استحمادك التجارة له فالملاءمة ههنا بين الواقع عليه الفعل والداخل عليه اللام ثم إنه قد يرضى بما ترضاه له إذا عرف وجه الملاءمة وقد لا يرضى ، وفيه نجوز إما لجعل الرضا مجازاً عن الاستحماد لأن كل مرضى محمود أو لأنك جعلت كونه مرضياً له بمنزلة كونه مرضياً لك فاعلم أن الرضا في حق الله تعالى شأنه محال لأنه سبحانه لا يحدث له صفة عقيب أمر البتة فهو مجاز كما أن الغضب كذلك إما من أسماء الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده وإما من أسماء الأفعال إذا أريد الاستحماد وأن مثل قوله تعالى : { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ المائدة : 119 ] إما من باب المشاكلة وإما من باب المجاز المذكور ، وأن مثل قوله سبحانه : { وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً } [ المائدة : 3 ] متعين أن يكون من ذلك الباب بالنسبة إلى من يصح اتصافه بالرضا حقيقة أيضاً فإذن قوله تعالى : { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } كلام وارد على نهجه من غير تأويل دال على أنه جل شأنه لا يستحمد الكفر لعباده كما يستحمد الاسلام لهم ويرتضيه ، وأما أنه لا يرد الكفر أن يوجد فليس من هذا الباب في شيء ولا هو من مقتضيات هذا التركيب وأن الخروج إلى تخصيص العباد من ضيق العطن وأن قول المحققين رضي الله تعالى عنهم : إن الطاعات برضى الله تعالى والمعاصي ليست كذلك ليس لهذه الآية بل لأن الرضا بالمعنى الأصلي يستحيل عليه تعالى وقد أخبر أنه رضي عن المؤمنين بسبب طاعتهم في مواضع عديدة من كتابه الكريم .

والزمخشري عامله الله تعالى بعدله فسر الرضا في نحوه بالاختيار وهو لا ينفك عن الإرادة ، وأنت تعلم سقوطه مما حقق هذا ثم إنا نقول : لما أرشد سبحانه إلى الحق وهدد على الباطل إكمالاً للرحمة على عباده كلهم الفريقين بقوله تعالى : { إن تكفروا } إلى قوله سبحانه { يَرْضَهُ لَكُمْ } تنبيهاً على الغني الذاتي وأنه سبحانه تعالى أن يكون أمره بالخير لانتفاعه به ونهيه عن الشر لتضرره منه ، ثم في العدول عن مقتضى الظاهر من الخطاب إلى قوله تعالى : { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } ما ينبه على أن عبوديتهم وربوبيته جل شأنه يقتضي أن لا يرضى لهم ذلك ، وفيه أنهم إذا اتصفوا بالكفر فكأنهم قد خرجوا عن رتبة عبوديته تعالى وبقوا في الذل الدائم ثم قيل { يَرْضَهُ لَكُمْ } للتنبيه على مزيد الاختصاص فهذا هو النظم السري الذي يحاردون إدراك طائفة من لطائفة الفكر البشري والله تعالى أعلم اه . وهو كلام رصين وبالقبول قمين إلا أنه ربما يقال إنه : لا يتمشى على مذهب السلف حيث أنهم لا يؤولون الرضا في حقه تعالى وكونه عبارة عن حالة نفسانية إلى آخر ما ذكر في تفسيره إنما هو فينا وحيث أنه ذاته تعالى مباينة لسائر الذوات فصفاته سبحانه كذلك فحقيقة الرضا في حقه تعالى مباينة لحقيقته فينا وأين التراب من رب الأرباب ، وقد تقدم الكلام في هذا المقام على وجه يروي الأوام ويبرئ السقام فنقول عمد التأويل لا يضر فيما نحن بصدده فالرضا ان أول أو لم يؤول غير الإرادة لحديث السبق والتأخر الساق ، وممن صرح بذلك ابن عطية قال : تأمل الإرادة فإن حقيقتها إنما هي فيما لم يقع بعد والرضا حقيقته إنما هي فيما وقع واعتبر هذا في آيات القرآن تجده وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا .

وقد ذهب إلى المغايرة بينهما بما ذكر هنا ابن المنير أيضاً إلا أنه أول الرضا وذكر أنه لا يتأتى حمله في الآية على الإرادة وشنع على الزمخشري في ذلك جزاء ما تكلم على بعض أهل السنة المخالفين للمعتزلة في زعمهم اتحاد الرضا والإرادة وأنه تعالى قد يريد ما لا يفعله العبد وقد يفعل العبد ما لا يريده عز وجل فقال : هب أن المصر على هذا المعتقد على قلبه رين أو في ميزان عقله غين اليس يدعى أو يدعي له أنه الخريت في معابر العبارات فكيف هام عن جادة الإجادة في بهماء وأعار منادي الحذاقة أذنا صماء اللهم إلا أن يكون الهوى إذا تمكن أرى الباطل حقاً وغطى على مكشوف العبارة فسحقا سحقاً أليس مقتضى العربية فضلاً عن القوانين العقلية أن المشروط مرتب على الشرط فلا يتصور وجود المشروط قبل الشرط عقلاً ولا مضيه واستقبال الشرط لغة ونقلاً واستقر باتفاق الفريقين أهل السنة وأهل البدعة أن إرادة الله تعالى لشكر العباد مثلاً مقدمة على وجود الشكر منهم فحينئذ كيف ينساغ حمل الرضا على الإرادة وقد جعل في الآية مشروطاً وجزاء وجعل وقوع الشكر شرطاً ومجزيا واللازم من ذلك عقلاً تقدم المراد وهو الشكر على الإرادة وهي الرضا ولغة تقدم المشروط على الشرط فإذا ثبت بطلان حمل الرضا على الإرادة عقلاً ونقلاً تعين المحمل الصحيح له وهو المجازاة على الشكر بما عهد أن يجازي به المرضى عنه من الثواب والكرامة فيكون معنى الآية والله تعالى أعلم وان تشكروا يجازكم على شكركم جزاء المرضى عنه ، ولا شك أن المجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر فجري الشرط والجزاء على مقتضاهما لغة وانتظم ذلك بمقتضى الأدلة العقلية على بطلان تقدم المراد على الإرادة عقلاً ، ومثل هذا يقال في قوله تعالى : { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } أي لا يجازي الكافر مجازاة المرضى عنه بل مجازاة المغضوب عليه من النكال والعقوبة انتهى .

لا يقال : حيث كان قوله تعالى : { فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ } جزاء باعتبار الأخبار كما أشير إليه فيما سلف فليكن قوله تعالى { يَرْضَهُ لَكُمْ } جزاء بذلك الاعتبار فحينئذ لا يلزم أن يكون نفس الرضا مؤخراً لأنا نقول : مثل هذا الاعتبار شائع في الجملة الاسمية المتحقق مضمونها قبل الشرط نحو { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدُيرٌ } [ الأنعام : 17 ] وفي الفعل الماضي إذا وقع جزاء نحو { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } [ يوسف : 77 ] وأما في الفعل المضارع فليس كذلك والذوق السليم يأبى هذا الاعتبار فيه ومع هذا أي حاجة تدعو إلى ذلك هنا ولا أراها إلا نصرة الباطل والعياذ بالله تعالى ، ثم أنه يعلم من مجموع ما قدمنا حقية ما قالوا من أنه لا تلازم بين الإرادة والرضا كما أن الرضا ليس عبارة عن حقيقة الإرادة لكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قسما الإرادة إلى قسمين تكوينية وشرعية ، وذكراً أن المعاصي كالكفر وغيره واقعة بإرادة الله تعالى التكوينية دون إرادته سبحانه الشرعية وعلى هذا فالرضا لا ينفك عن الإرادة الشرعية فكل مراد لله تعالى بالإرادة الشرعية مرضى له سبحانه وهذا التقسيم لا أتعقله إلا أن تكون الإرادة الشرعية هي الإرادة التي يرتضي المراد بها فتدبر هذا ، وقرأ ابن كثير . ونافع في رواية ، وأبو عمرو . والكسائي { يَرْضَهُ } باشباع ضمة الهاء ، والقاعدة في أشباع الهاء وعدمه أنها إن سكن ما قبلها لم تشبع نحو عليه وإليه وإن تحرك أشبعت نحو به وغلامه وههنا قبلها ساكن تقديراً وهو الألف المحذوفة للجازم فإن جعلت موجودة حكماً لم تشبع كما في قراءة ابن عامر .

وحفص وإن قطع النظر عنها أشبعت كما في قراءة من سمعت وهذا هو الفصيح وقد تشبه وتختلس في غير ذلك وقد يحسن أشباعها مع فقد الشرط لنكتة ، وقرأ أبو بكر { يَرْضَهُ } بسكون الهاء ولم يرضه أبو حاتم وقال : هو غلط لا يجوز ، وفيه أنه لغة لبني كلاب ، وبني عقيل إجراء للوصول مجرى الوقف .

{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } بيان لعدم سراية كفر الكافر إلى غيره ، وقد تقدم الكلام في هذه الجملة وكذا في قوله تعالى : { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } فتذكر .