مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ} (72)

قوله تعالى :{ قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى ، إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي ، ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا ، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى }

اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين ، فقالوا : { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات } وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا : { لن نؤثرك } جوابا لما قاله وبينوا العلة وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة ، والذي يذكره فرعون محض الدنيا ، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها ، أما قوله : { والذي فطرنا } ففيه وجهان : الأول : أن التقدير لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أي وعلى طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته . الوجه الثاني : يجوز أن يكون خفضا على القسم . واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا : { فاقض ما أنت قاض } لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم ألبتة عن إيمانهم وعما عرفوه من الحق علما وعملا ، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا : { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } وقرئ : ( نقضي هذه الحياة الدنيا ) ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به كقولك : في صمت يوم الجمعة صيم والمعنى أن قضاءك وحكمك إنما يكون في هذه الحياة الدنيا وهي كيف كانت فانية وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية ، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني المتوصل به إلى السعادة الباقية

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ} (72)

لن نُؤْثرك على ما جاءنا : لن نفضلك على الايمان الذي حصلنا عليه .

فَطرنا : خلقنا .

فاقض ما أنت قاض : اعمل ما تريد .

لم يكن يعلم أنه فاتَ الأوان ، وأن الإيمان قد بلغ ذِروتَه في قلوبهم ، وهانت عليهم نفوسُهم في الله ، فلن يأبهوا لوعيده وتهديده ، فأجابوه مطمئين :

{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا } .

أراد فرعون من السحرة أن يرجعوا عن إيمانهم ، فثبتوا عليه ، ودفعوا تهديده بقولهم : لن نختارك على ما جاءنا من الهدى ، وعلى خالِقنا الذي فطرنا وأنشأَنا من العدم .

{ فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ . . . }

افعل ما تريد ، إن سلطانك وحكمك لا يتجاوز هذه الحياة الدنيا .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ} (72)

ولهذا لما عرف السحرة الحق ، ورزقهم الله من العقل ما يدركون به الحقائق ، أجابوه بقولهم :

{ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } أي : لن نختارك وما وعدتنا به من الأجر والتقريب ، على ما أرانا الله من الآيات البينات الدالات على أن الله هو الرب المعبود وحده ، المعظم المبجل وحده ، وأن ما سواه باطل ، ونؤثرك على الذي فطرنا وخلقنا ، هذا لا يكون { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } مما أوعدتنا به من القطع ، والصلب ، والعذاب .

{ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي : إنما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا ، ينقضي ويزول ولا يضرنا ، بخلاف عذاب الله ، لمن استمر على كفره ، فإنه دائم عظيم .

وهذا كأنه جواب منهم لقوله : { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } وفي هذا الكلام ، من السحرة ، دليل على أنه ينبغي للعاقل ، أن يوازن بين لذات الدنيا ، ولذات الآخرة ، وبين عذاب الدنيا ، وعذاب الآخرة .