مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (155)

قوله تعالى { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا }

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في متعلق الباء في قوله { فبما نقضهم } قولان : الأول : أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا ، لعنادهم وسخطنا عليهم ، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب ، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن . الثاني : أن متعلق الباء هو قوله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله { فبظلم من الذين هادوا } بدل من قوله { فما نقضهم } .

واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : أن من قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } إلى قوله { فبظلم } الآيتين بعيد جدا ، فجعل أحدهما بدلا عن الآخر بعيد . الثاني : أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جدا لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرغ عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة .

المسألة الثانية : اتفقوا على أن ( ما ) في قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } صلة زائدة ، والتقدير : فبنقضهم ميثاقهم ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله { فبما رحمة من الله لنت لهم } .

المسألة الثالثة : أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور : أولها : نقض الميثاق . وثانيها : كفرهم بآيات الله ، والمراد منه كفرهم بالمعجزات ، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل ، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله . وثالثها : قتلهم الأنبياء بغير حق ، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة . ورابعها : قولهم { قلوبنا غلف } وذكر القفال فيه وجهين : أحدهما : أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين ، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف ، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا ، فكذبوا الأنبياء بهذا القول . والثاني : أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطي بالغلاف أي بالغطاء ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون ، نظيره ما حكى الله في قوله { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفى ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } .

ثم قال تعالى : { بل طبع الله عليها بكفرهم } .

فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبين أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها ، وهذا يليق بمذهبنا ، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية ، وهذا يليق بمذهب المعتزلة ، إلا أن الوجه الأول أولى ، وهو المطابق لقوله { بل طبع الله عليها بكفرهم } .

ثم قال : { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي لا يؤمنون إلا بموسى والتوراة ، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم ، وإلا فقد بينا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل البتة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (155)

فسبب نقضهم للميثاق الذي أُخذ عليهم ، إذ أحلّوا ما حرّم الله وحرّموا ما أحلّه من جراء كفرهم بآيات ربهم ، وقتلهم الأنبياء الذين أرسلناهم ، ظلماً وعدوانا ، وإصرارهم على الضلال بقولهم : إن قلوبَنا غُلْف لا تعي شيئا ختم الله على قلوبهم وأبقاهم في كفرهم فلا يؤمن منهم إلا نفر قليل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (155)

وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم فنبذوه وراء ظهورهم وكفروا بآيات الله وقتلوا رسله بغير حق . ومن قولهم : إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه ، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه بل شُبِّه لهم غيره ، فقتلوا غيره وصلبوه .

وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه ، وبصدهم الناس عن سبيل الله ، فصدوهم عن الحق ، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي . وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه .

فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل ، وهو أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه ، ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس ، وأن له مقدمات يُجعل هذا معها .

وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم ، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها ، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة لم يبسطها في هذا الموضع ، بل أشار إليها ، وأحال على مواضعها وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها .