ثم قال تعالى : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } .
اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبي عليه السلام والكفار ليعلم أن إهلاك الكفار ونصرة النبي عليه السلام في الدنيا محقق ، وأن الحال يناسب تعذيب الكافر وإثابة المؤمن ، وقوله { على بينة } فرق فارق ، وقوله { من ربه } مكمل له ، وذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق بين المتمسك بها وبين القائل قولا لا دليل عليه ، فإذا كانت البينة منزلة من الله تعالى تكون أقوى وأظهر فتكون أعلى وأبهر ، ويحتمل أن يقال قوله { من ربه } ليس المراد إنزالها منه بل المراد كونها من الرب بمعنى قوله { يهدي من يشآء } وقولنا الهداية من الله ، وكذلك قوله تعالى : { كمن زين له سوء عمله } فرق فارق ، وقوله { واتبعوا أهواءهم } تكملة وذلك أن من زين له سوء عمله وراجت الشبهة عليه في مقابلة من يتبين له البرهان وقبله ، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر في الأمر ويرجع إلى الحق ، فيكون أقرب إلى من هو على البرهان ، وقد يتبع هواه ولا يتدبر في البرهان ولا يتفكر في البيان فيكون في غاية البعد ، فإذن حصل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمن مع الكافر في طرفي التضاد وغاية التباعد حتى مدهم بالبينة ، والكافر له الشبهة وهو مع الله وأولئك مع الهوى وعلى قولنا { من ربه } معناه الإضافة إلى الله ، كقولنا الهداية من الله ، فقوله { اتبعوا أهواءهم } مع ذلك القول يفيد معنى قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وقوله { كمن زين له سوء عمله } بصيغة التوحيد محمول على لفظة من ، وقوله { واتبعوا أهواءهم } محمول على معناه فإنها للجميع والعموم ، وذلك لأن التزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ لقربه منه في الحس والذكر ، وعند اتباع الهوى كل أحد يتبع هوى نفسه ، فظهر التعدد فحمل على المعنى .
قوله جلّ ذكره : { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُم } .
" البيَّنة " : الضياء والحُجَّة ، والاستبصار بواضح المحجة : فالعلماءُ في ضياء برهانهم ، والعارفون في ضياءِ بيانهم ؛ فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يُبْصِرون ، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون .
بينة : حجة وبرهان ، وتشمل القرآن والحجج العقلية .
واتبعوا أهواءهم : في عبادة الأوثان ، فلا شبهة دليل لهم في ذلك ، والجواب عن قوله : { أفمن كان } . و{ كمن زين } . هو : لا مماثلة بين المؤمنين وكفار مكة .
14- { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } .
هذه آية تقارن بين الحق الثابت الأبلج ، والباطل وهو لجلج ، بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي ينزل عليه ، واليقين مستقر في قلبه ، وأبي جهل وأمثاله ممن أغواهم الشيطان ، وزين لهم الكبر والظلم والعدوان ، والكفر والبطر وإتباع الهوى .
يريد بمن : { كان على بينة من ربه } . رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبمن : { زين له سوء عمله } . أبا جهل وكفار قريش ، لكن الآية عامة ، والعبرة بعموم اللفظ ، وفيه أن على المؤمن أن يكون على يقين وحجة وبينة في دينه وإسلامه .
وفي معنى هذه الآية نجد قوله تعالى : { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى . . . } ( الرعد : 19 ) .
وقوله تعالى : { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } . ( الحشر : 20 ) .
{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } تقرير لتباين حال الفريقين المؤمنين والكافرين وكون الأولين في أعلى عليين والآخرين في أسفل سافلين وبيان لعلة ما لكل منهما من الحال ، والهمزة لإنكار استوائهما أو لإنكار كون الأمر ليس كما ذكر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام وقد قرئ بدونها ، و { مِنْ } عبارة عن المؤمنين المتمسكين بأدلة الدين كما أنها في قوله تعالى : { كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } عبارة عن أضدادهم من المشركين .
وأخرج جماعة عن ابن عباس أن { مَن كَانَ * على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } هو رسول الله صلى الله عليه وسلم و { مّن زِينَةِ * لَهُ سُوء عَمَلِهِ } هم المشركون ، وروى عن قتادة نحوه وإليه ذهب الزمخشري . وتعقب بأن التخصيص لا يساعده النظم الكريم ولا داعي إليه ، وقيل : ومثله كون { مِنْ } الأولى عبارة عنه صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين ، والمعنى أيستوي الفريقان أو أليس الأمر كما ذكر فمن كان ثابتاً على حجة ظاهرة وبرهان نير من مالك أمره ومربيه وهو القرآن العظيم وسائر المعجزات والحجج العقلية كمن زين له الشيطان عمله السيء من الشرك وسائر المعاصي كإخراجك من قريتك مع كون ذلك في نفسه أقبح القبائح { واتبعوا } في ذلك العمل السيء ، وقيل : بسبب ذلك التزيين { أَهْوَاءهُمْ } الزائغة من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه فضلاً عن حجة تدل عليها . وجمع الضميرين الأخيرين باعتبار معنى { مِنْ } كما أن افراد الأولين باعتبار لفظها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.