مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ} (90)

وأما قوله تعالى : { فاستجبنا له } أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله ، وفي ذلك إعظام له ، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام .

وأما قوله تعالى : { ووهبنا له يحيى } فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير قوله : { وأصلحنا له زوجه } ثلاثة أقوال : أحدها : أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة ، وهذا أليق بالقصة . والثاني : أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه . والثالث : أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين ، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعيا إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعا . وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل : أصلح الله فلانا فالأظهر فيه ما يتصل بالدين ، واعلم أن قوله : { ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال : { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات ، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة .

أما قوله تعالى : { ويدعوننا رغبا ورهبا } قرئ رغبا ورهبا وهو كقوله : { يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه } والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين : أحدهما : الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه . والثاني : الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب ، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الإثم .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ} (90)

سمي يحيى لأنه حَييَ به عقر أمه .

وقوله : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } : لتكون الكرامةُ لهم جميعاً بالولد ، ولئلا يستبدَّ زكريا بفرح الولد دونها مراعاةً لحقِّ صحبتها . . . وهذه سُنَّةُ الله في باب إكرام أوليائه ، وفي معناه أنشدوا :

إنَّ الكرامَ إذا ما أيسروا ذكروا *** مَنْ كان يألفهم في المنزل الخشن

ثم قال : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ في الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا } وفي هذه بشارة لجميع المؤمنين ، لأن المؤمن لا يخلو من حالة من أحوال الرغبة أو الرهبة ؛ إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطاً والقنوط كفر ، ولو لم تكن رهبة لكان أمناً والأمن كفر .

قوله : { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } الخشوع قشعريرة القلب عند إطلاع الربِّ ، وكان لهم ذلك على الدوام .