ثم قال تعالى : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون }
يعني بالليل قليلا ما يهجعون وقوله : { يدعون ربهم } أي يصلون ، فإن الدعاء والصلاة من باب واحد في المعنى أو يطلبونه وهذا لا ينافي الأول لأن الطلب قد يكون بالصلاة ، والحمل على الأول أولى لأنه قال بعده : { ومما رزقناهم ينفقون } وفي أكثر المواضع التي ذكر فيها الزكاة ذكر الصلاة قبلها كقوله تعالى : { ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } وقوله : { خوفا وطمعا } يحتمل أن يكون مفعولا له ويحتمل أن يكون حالا ، أي خائفين طامعين كقولك جاؤني زورا أي زائرين ، وكأن في الآية الأولى إشارة إلى المرتبة العالية وهي العبادة لوجه الله تعالى مع الذهول عن الخوف والطمع بدليل قوله تعالى : { إذا ذكروا بها خروا } فإنه يدل على أن عند مجرد الذكر يوجد منهم السجود وإن لم يكن خوف وطمع . وفي الآية الثانية إشارة إلى المرتبتين الأخيرتين وهي العبادة خوفا كمن يخدم الملك الجبار مخافة سطوته أو يخدم الملك الجواد طمعا في بره ، ثم بين ما يكون لهم جزاء فعلهم .
قوله جل ذكره : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .
في الظاهر : عن الفِراش قياماً بحقِّ العبادة والجهد والتهجد . وفي الباطن : تتباعد قلوبُهم عن مضاجعات الأحوال ، ورُؤية قَدّرِ النفس ، وتوَّهُمِ المقَام - فإن ذلك بجملته حجابٌ عن الحقيقة ، وهو للعبد سُمِّ قاتل - فلا يساكَنون أعمالَهم ولا يلاحظون أحوالَهم . ويفارقون مآلِفَهم ، ويَهجرون في الله معَارفَهم .
والليل زمان الأحباب ، قال تعالى : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ }[ يونس : 67 ] : يعني عن كلّ شُغل وحديثِ سوء حديث محبوبكم . والنهارُ زمانُ أهل الدنيا ، قال تعالى :
{ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } [ النبأ : 11 ] ، أولئك قال لهم : { فإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ }[ الجمعة : 10 ] .
إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم ، واشتغلوا بحرفتكم .
وأما الأحبابُ فالليلُ لهم إِمَّا في طرَب التلاقي وإما في حَرَب الفراقِ ، فإن كانوا في أُنْسِ القرابة فَلَيْلَهُم أقصرُ من لحظة ، كما قالوا :
زارني مَنْ هَوَيْتُ بعد بعادٍ *** بوصال مُجَدَّدٍ وودادِ
ليلة كاد يلتقي طرفاها *** قِصَراً وهي ليلة الميعادِ
وليلةٍ زَيْنُ ليالي الدهر *** قابلتُ فيها بدرها ببدر
لم تَسْتَبِن عنْ شققٍ وفجرِ *** حتى تولَّت وهي بِكْرُ الدهر
وأمَّا إن كان الوقتُ وقتَ مقاساةِ فُرقة وانفرادٍ بكُرْبة فَلَيْلُهم طويل ، كما قالوا :
كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها *** أفْنَيْتُها قابضاً على كبدي
قد غُصَّت العينُ بالدموع وقد *** وضعتُ خدي على بنان يدي
قوله : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } [ السجدة : 16 ] : قومٌ خوفاً من العذاب وطمعاً في الثواب ، وآخرون خوفاً من الفراقِ وطمعاً في التلاقي ، وآخرون خوفاً من المكر وطمعاً في الوَصْلِ .
{ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } : يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به ؛ فإنْ طَهَّرْنا أحوالَهم عن الكدورات حضروا بأحوالٍ مُقَدَّسة ، وإِنْ دَنَّسَّا أوقاتهم بالآفاتِ شهدوا بحالاتٍ مُدّنَّسَة ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ؛ فالعبدُ إنما يتجر في البضاعة التي يودعها لديه سَيِّدُه :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.