مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (129)

ثم قال تعالى : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } وفيه قولان : الأول : لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع ، وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به . قالت المعتزلة : فهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز الوقوع ، وقد ذكرنا أن الإشكال لازم عليهم في العلم وفي الدواعي . الثاني : لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال والأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب ، لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال .

ثم قال : { فلا تميلوا كل الميل } والمعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم ، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل . روى الشافعي رحمة الله عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم ويقول : «هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك » .

ثم قال تعالى : { فتذروها كالمعلقة } يعين تبقى لا أيما ولا ذات بعل ، كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء ، وفي قراءة أبي : فتذروها كالمسجونة ، وفي الحديث «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل » وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقالت عائشة : إلى كل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بمثل هذا ؟ فقالوا : لا ، بعث إلى القرشيات بمثل هذا ، وإلى غيرهن بغيره ، فقالت للرسول ارفع رأسك وقل لعمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا قي القسمة بماله ونفسه ، فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعا .

ثم قال تعالى : { وإن تصلحوا } بالعدل في القسم { وتتقوا } الجور { فإن الله كان غفورا رحيما } ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض .

وقيل : المعنى : وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ، وتتقوا في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك ، وهذا الوجه أولى لأن التفاوت في الميل القلبي لما كان خارجا عن الوسع لم يكن فيه حاجة إلى المغفرة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (129)

يعني أنكم إذا ( . . . . ) في أموركم انعكس الحال عليكم ، وانعكس صلاح ذات بينكم فساداً لكم ، فإذا قمتم بالله في أموركم استوى العيشُ لكم ، وصفا عن الكدر وقتكم .

ويقال مَنْ حَكَم الله بنقصان عقله في حاله فلا تقتدرون أن تجبروا نقصانهم بكفايتُكم .

قوله تعالى : { فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ } : يعني لا تزيغوا عن نهج الأمر . قِفوا حيثما وُقْفتم ، وأنفذوا فيما أُمِرْتُم .

وقوله : { فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ } يعني أنكم إذا منعتموهن عن صحبة أغياركم ثم قطعتم عنهن ما هو حظوظهن منكم أضررتم بهن من الوجهين ؛ لا منكم نصيب ، ولا إلى غيركم سبيل ، وإن هذا الحيف عظيم . والإشارة من هذا أنه إذا انسد عليك طريق حظوظك فَتَحَ - سبحانه - عليك شهود حقه ، ووجود لطفه ؛ فإنَّ من كان في الله تلَفُه فالحق - سبحانه - خَلَفُه ، وإنْ تُصْلِحوا ما بينكم وبين الخَلْق ، وتثقوا فيما بينكم وبين الحق فإن الله غفور لعيوبكم ، رحيم بالعفو عن ذنوبكم .