مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ} (19)

قوله تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } . ولبيان المناسبة وجوه : ( الأول ) هو أنه تعالى لما قال : { فقد جاء أشراطها } قال : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } يأتي بالساعة ، كما قال تعالى : { أزفت الآزفة * ليس لها من دون الله كاشفة } ، ( وثانيها ) { فقد جاء أشراطها } وهي آتية فكأن قائلا قال متى هذا ؟ فقال : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } فلا تشتغل به واشتغل بما عليك من الاستغفار ، وكن في أي وقت مستعدا للقائها ويناسبه قوله تعالى : { واستغفر لذنبك } ، ( الثالث ) { فاعلم أنه لا إله إلا الله } ينفعك ، فإن قيل النبي عليه الصلاة والسلام كان عالما بذلك فما معنى الأمر ، نقول عنه من وجهين : ( أحدهما ) فاثبت على ما أنت عليه من العلم كقول القائل لجالس يريد القيام : اجلس أي لا تقم . ( ثانيهما ) الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام ، والمراد قومه والضمير في أنه للشأن ، وتقدير هذا هو أنه عليه السلام لما دعا القوم إلى الإيمان ولم يؤمنوا ولم يبق شيء يحملهم على الإيمان إلا ظهور الأمر بالبعث والنشور ، وكان ذلك مما يحزن النبي عليه الصلاة والسلام ، فسلى قلبه وقال أنت كامل في نفسك مكمل لغيرك فإن لم يكمل بك قوم لم يرد الله تعالى بهم خيرا فأنت في نفسك عامل بعلمك وعلمك حيث تعلم أن الله واحد وتستغفر وأنت بحمد الله مكمل تكمل المؤمنين والمؤمنات وأنت تستغفر لهم ، فقد حصل لك الوصفان ، فاثبت على ما أنت عليه ، ولا يحزنك كفرهم ، وقوله تعالى : { واستغفر لذنبك } يحتمل وجهين : ( أحدهما ) أن يكون الخطاب معه والمراد المؤمنون وهو بعيد لإفراد المؤمنين والمؤمنات بالذكر . وقال بعض الناس { لذنبك } أي لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات أي الذين ليسوا منك بأهل بيت ( وثالثهما ) المراد هو النبي والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحاشاه من ذلك ، ( وثالثها ) وجه حسن مستنبط وهو أن المراد توفيق العمل الحسن واجتناب العمل السيئ ، ووجهه أن الاستغفار طلب الغفران ، والغفران هو الستر على القبيح ومن عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى ، ومعنى طلب الغفران أن لا تفضحنا وذلك قد يكون بالعصمة منه فلا يقع فيه كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون بالستر عليه بعد الوجود كما هو في حق المؤمنين والمؤمنات ، وفي هذه الآية لطيفة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم له أحوال ثلاثة حال مع الله وحال مع نفسه وحال مع غيره ، فأما مع الله وحده ، وأما مع نفسك فاستغفر لذنبك واطلب العصمة من الله ، وأما مع المؤمنين فاستغفر لهم واطلب الغفران لهم من الله { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } يعني حالكم في الدنيا وفي الآخرة وحالكم في الليل والنهار .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ} (19)

قوله جلّ ذكره : { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فََأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } .

كان عالماً بأنه : { لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ } فأمره بالثبات عليها ؛ قال ( ص ) : " أنا أعلمكم بالله ، وأخشاكم له " .

ويقال : كيف قيل له : { . . . فَاعْلَمْ } ولم يقل : عَلِمْتُ ، وإبراهيم قيل له : { أَسْلِمْ } [ البقرة : 131 ] فقال : " سلمت . . . " ؟ فيُجاب بأن إبراهيمَ لمَّا قال " اسلمت " ابْتُلِيَ ، ونبيَّنا صلى الله عليه وسلم لم يقل : علمت فعُوفِيَ .

وإبراهيم عليه السلام أتى بَعْدَه شَرْع كَشَف َ سِرَّه ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم لم يأتِ بعدَه شرعٌ . ويقال : نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أخبر الحقُّ عنه بقوله : { آمَنَ الرَّسُولُ . . . } [ البقرة : 285 ] والإيمان هو العلم- وإخبارُ الحقِّ سبحانه عنه أَتَمُّ من إخباره بنفسه عن نفسه : " عَلِمْتُ " .

ويقال : فرقٌ بين موسى عليه السلام لمَّا احتاج إلى زيادةِ العلم فأُحيلَ على الخضر ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم قال له : { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } [ طه : 114 ] . . . فكم بين مَنْ أُحيلَ في استزادة العلم على عَبْدٍ وبين مَنْ أمِرَ باستزادة العلم من الحق ! ! .

ويقال لمَّا قال له : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ } كان يأمره بالانقطاع إليه عن الخَلْق ، ثم بالانقطاع منه - أي من الرسول - إليه . . . أي إلى الحق سبحانه . والعبدُ إذا قال هذه الكلمةَ على سبيلِ العادةِ والغفلةِ عن الحقيقة - أي كان بصفة النسيان - فليس لقوله كثيرُ قيمةٍ ؛ كأن تُقال عند التعجب من شيء . . . فليس لهذا قَدْرٌ . أمَّا إذا قالها مخلصاً فيها ، ذاكراً لمعناها ، متحققاً بحقيقتها . . . فإنْ كان بنفسه فهو في وطن التفرقة . . . وعندهم هذا من الشِّرْكِ الخفِّي ، وإن قالها بحقٍّ فهو الإخلاص . فالعبد يعلم أولاً ربَّه بدليل وحُجَّةٍ ؛ فعِلْمُه بنفسه كَسْبيٌّ . . . وهو أصل الأصول ، وعليه ينبني كل علم استدلالي ! ثم تزداد قوةُ علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج ، ويتناقص علمُه بنفسه لغَلَبَاتِ ذِكْرِ اللَّهِ على القلب . فإذا انتهى إلى حال المشاهدة ، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار عِلْمُه في تلك الحالة ضرورياً . ويقلُّ إحساسُه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافلٌ عن نفسه أو ناسٍ لنفسه .

ويقال : الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر ، فإذا ركب البحر قويت هذه الحالة ، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساسَ له بشيء سوى ما هو مستغرقٌ فيه ومستهلك .

{ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } : أي إذا عَلِمْتَ أنك علمت فاستغفِرْ لذنبك من هذا ؛ فإن الحقَّ - على جلال قدْرِه - لا يعلمه غيره .