قوله تعالى :{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } فيه مسائل :
المسألة الأولى : الشهر مأخوذ من الشهرة يقال ، شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا إذا ظهر ، وسمي الشهر شهرا لشهرة أمره وذلك لأن حاجات الناس ماسة إلى معرفته بسبب أوقات ديونهم ، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم ، والشهرة ظهور الشيء وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه قال بعضهم سمي الشهر شهرا باسم الهلال .
المسألة الثانية : اختلفوا في رمضان على وجوه أحدها : قال مجاهد : إنه اسم الله تعالى ، ومعنى قول القائل : شهر رمضان أي شهر الله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا : جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى » .
القول الثاني : أنه اسم للشهر كشهر رجب وشعبان ، ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه الأول : ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم ، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطروحة الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ويطهر قلوبهم الثاني : أنه مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس ، والإسم الرمضاء ، فسمي هذا الشهر بهذا الإسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع أو مقاساة شدته ، كما سموه تابعا لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم ، وقيل : لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ، وقيل : سمي بهذا الإسم يرمض الذنوب أي يحرقها ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله » الثالث : أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم : رمضت النصل أرمضه رمضا إذا دفعته بين حجرين ليرق ، ونصل رميض ومرموض ، فسمي هذا الشهر : رمضان ، لأنهم كانوا يرمضون فيه أسلحتهم ليقضوا منها أوطارهم ، وهذا القول يحكى عن الأزهري الرابع : لو صح قولهم : إن رمضان اسم الله تعالى ، وهذا الشهر أيضا سمي بهذا الإسم ، فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت ، وهذا الشهر أيضا رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته .
المسألة الثالثة : قرئ { شهر } بالرفع وبالنصب ، أما الرفع ففيه وجوه أحدها : وهو قول الكسائي أنه ارتفع على البدل من الصيام ، والمعنى : كتب عليكم شهر رمضان والثاني : وهو قول الفراء والأخفش أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من قوله : { أياما } كأنه قيل : هي شهر رمضان ، لأن قوله : { شهر رمضان } تفسير للأيام المعدودات وتبيين لها الثالث : قال أبو علي : إن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر ، كأنه لما تقدم { كتب عليكم الصيام } قيل فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه الرابع : قال بعضهم : يجوز أن يكون بمبتدأ وخبره { الذي } مع صلته كقوله زيد الذي في الدار ، قال أبو علي : والأشبه أن يكون { الذي } وصفا ليكون لفظ القرآن نصا في الأمر بصوم الشهر ، لأنك إن جعلته خبرا لم يكن شهر رمضان منصوصا على صومه بهذا اللفظ ، إنما يكون مخبرا عنه بإنزال القرآن فيه ، وأيضا إذا جعلت { الذي } وصفا كان حق النظم أن يكنى عن الشهر لا أن يظهر كقولك : شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه أحدها : التقدير : صوموا شهر رمضان وثانيها : على الإبدال من أيام معدودات وثالثها : أنه مفعول { وأن تصوموا } وهذا الوجه ذكره صاحب «الكشاف » واعترض عليه بأن قيل : فعلى هذا التقدير يصير النظم : وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرآن خير لكم ، وهذا يقتضي وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه غير جائز .
أما قوله : { أنزل فيه القرآن } اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة لهذا التخصيص ، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية ، وهو أنه أنزل فيه القرآن ، فلا يبعد أيضا تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم ، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبدا يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات " فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان هذا الشهر مختصا بنزول القرآن ، وجب أن يكون مختصا بالصوم ، وفي هذا الموضع أسرار كثيرة والقدر الذي أشرنا إليه كاف ههنا ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { أنزل فيه القرآن } في تفسيره قولان الأول : وهو اختيار الجمهور : أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان عن النبي صلى الله عليه وسلم : " نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين " وههنا سؤلات :
السؤال الأول : أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة ، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا ، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان .
والجواب عنه من وجهين الأول : أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا ، ثم نزل إلى الأرض نجوما ، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات ، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام ، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته ، أما الحكمة في إنزال القرآن على الرسول منجما مفرقا فقد شرحناها في سورة الفرقان في تفسير قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك } .
الجواب الثاني عن هذا السؤال : أن المراد منه أنه ابتدئ إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان وهو قول محمد بن إسحاق وذلك لأن مبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة .
واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه .
السؤال الثاني : كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول ، وبين قوله تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وبين قوله : { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } .
والجواب : روي أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } أن ليلة القدر لا بد وأن تكون في رمضان ، وذلك لأن ليلة القدر إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا له في رمضان ، وهذا كمن يقول : لقيت فلانا في هذا الشهر فيقال له . في أي يوم منه فيقول يوم كذا فيكون ذلك تفسيرا للكلام الأول فكذا ههنا .
السؤال الثالث : أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال : إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجما إلى آخر عمره ، ويحتمل أيضا أن يقال : إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم أن محمدا عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة ثم ينزله على الرسول على قدر الحاجة ثم كذلك أبدا ما دام فأيهما أقرب إلى الصواب .
الجواب : كلاهما محتمل ، وذلك لأن قوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } يحتمل أن يكون المراد منه الشخص ، وهو رمضان معين ، وأن يكون المراد منه النوع ، وإذا كان كل واحد منهما محتملا صالحا وجب التوقف .
القول الثاني : في تفسير قوله : { أنزل فيه القرآن } قال سفيان بن عيينة : أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن ، وهذا اختيار الحسين بن الفضل قال : ومثله أن يقال : أنزل في الصديق كذا آية : يريدون في فضله قال ابن الأنباري : أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن ، كما يقول : أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها .
المسألة الثانية : القرآن اسم لما بين الدفتين من كلام الله ، واختلفوا في اشتقاقه ، فروى الواحدي في «البسيط » عن محمد بن عبد الله بن الحكم أن الشافعي رضي الله عنه كان يقول : إن القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل ، قال ويهمز قراءة ولا يهمز القرآن كما يقول : { وإذا قرأت القرآن } قال الواحدي : وقول الشافعي أنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق ، وذهب آخرون إلى أنه مشتق ، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه ، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان أحدهما : أنه مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر ، فهو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز ، فسمي القرآن قرآنا إما لأن ما فيه من السور والآيات والحروف يقترن بعضها ببعض ، أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع مقترن بعضها ببعض ، أو لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عند الله مقترن بعضها ببعض ، أعني اشتماله على جهات الفصاحة وعلى الأسلوب الغريب ، وعلى الأخبار عن المغيبات ، وعلى العلوم الكثيرة ، فعلى هذا التقدير هو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز وثانيهما : قال الفراء : أظن أن القرآن سمي من القرائن ، وذلك لأن الآيات يصدق بعضها بعضا على ما قال تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فهي قرائن ، وأما الذين همزوا فلهم وجوه أحدها : أنه مصدر القراءة يقال : قرأت القرآن فأنا أقرؤه قرأ وقراءة وقرآنا ، فهو مصدر ، ومثل القرآن من المصادر : الرجحان والنقصان والخسران والغفران ، قال الشاعر :
ضحوا بأشمط عنوان السجود به *** يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي قراءة ، وقال الله سبحانه وتعالى : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } هذا هو الأصل ، ثم إن المقروء يسمى قرآنا ، لأن المفعول يسمى بالمصدر كما قالوا للمشرب : شراب وللمكتوب كتاب ، واشتهر هذا الإسم في العرف حتى جعلوه اسما لكلام الله تعالى وثانيها : قال الزجاج وأبو عبيدة : إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع ، قال عمرو :
هجان اللون لم تقرأ جنينا *** . . .
أي لم تجمع في رحمها ولدا ، ومن هذا الأصل : قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها ، فسمي القرآن قرآنا ، لأنه يجمع السور ويضمها وثالثها : قول قطرب وهو أنه سمي قرآنا ، لأن القارئ يكتبه ، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذا من قول العرب : ما قرأت الناقة سلي قط ، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولدا قط وما طرحت ، وسمي الحيض ، قرأ لهذا التأويل ، فالقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآنا .
المسألة الثالثة : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ، ولهذا قال الله تعالى : { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل } إذا ثبت هذا فنقول : لما كان المراد ههنا من قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل ، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال . أما قوله : { هدى للناس } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : بينا تفسير الهدى في قوله تعالى : { هدى للمتقين } .
والسؤال أنه تعالى جعل القرآن في تلك الآية هدى للمتقين ، وههنا جعله هدى للناس ، فكيف وجه الجمع ؟ وجوابه ما ذكرناه هناك .
المسألة الثانية : { هدى للناس وبينات } نصب على الحال ، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل .
أما قوله تعالى : { وبينات من الهدى والفرقان } ففيه إشكال وهو أن يقال : ما معنى قوله : { وبينات من الهدى } بعد قوله : { هدى } .
وجوابه من وجوه الأول : أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى ، ثم الهدى على قسمين : تارة يكون كونه هدى للناس بينا جليا ، وتارة لا يكون كذلك ، والقسم الأول لا شك أنه أفضل فكأنه قيل : هو هدى لأنه هو البين من الهدى ، والفارق بين الحق والباطل ، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه ، لكونه أشرف أنواعه ، والتقدير كأنه قيل : هذا هدى ، وهذا بين من الهدى ، وهذا بينات من الهدى ، ولا شك أن هذا غاية المبالغات الثاني : أن يقال : القرآن هدى في نفسه ، ومع كونه كذلك فهو أيضا بينات من الهدى والفرقان ، والمراد بالهدى والفرقان : التوراة والإنجيل قال الله تعالى : { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان } وقال : { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } وقال { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين } فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان الثالث : أن يحمل الأول على أصول الدين ، والهدي الثاني على فروع الدين ، فحينئذ يزول التكرار والله أعلم .
وأما قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : نقل الواحدي رحمه الله في «البسيط » عن الأخفش والمازني أنهما قالا : الفاء في قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } زائدة ، قالا : وذلك لأن الفاء قد تدخل للعطف أو للجزاء أو تكون زائدة ، وليس للعطف والجزاء ههنا وجه ، ومن زيادة الفاء قوله تعالى :
{ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب } .
وأقول : يمكن أن يقال الفاء ههنا للجزاء فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها ، فيبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة ، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة ههنا وجه كأنه قيل : لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة ، أما قوله تعالى : { فإنه ملاقيكم } الفاء فيه غير زائدة وأيضا بل هذا من باب مقابلة الضد بالضد كأنه قيل : لما فروا من الموت فجزائهم أن يقرب الموت منهم ليعلموا أنه لا يغني الحذر عن القدر .
المسألة الثانية : { شهد } أي حضر والشهود الحضور ، ثم ههنا قولان : أحدهما : أن مفعول شهد محذوف لأن المعنى : فمن شهد منكم البلد أو بيته بمعنى لم يكن مسافرا وقوله : { الشهر } انتصابه على الظرف وكذلك الهاء في قوله : { فليصمه } .
والقول الثاني : مفعول { شهد } هو { الشهر } والتقدير : من شاهد الشهر بعقله ومعرفته فليصمه وهو كما يقال : شهدت عصر فلان ، وأدركت زمان فلان ، واعلم أن كلا القولين لا يتم إلا بمخالفة الظاهر ، أما القول الأول فإنما يتم بإضمار أمر زائد ، وأما القول الثاني فيوجب دخول التخصيص في الآية ، وذلك لأن شهود الشهر حاصل في حق الصبي والمجنون والمريض والمسافر مع أنه لم يجب على واحد منهم الصوم إلا أنا بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار فالتخصيص أولى ، وأيضا فلانا على القول الأول لما التزمنا الإضمار لا بد أيضا من التزام التخصيص لأن الصبي والمجنون والمريض كل واحد منهم شهد الشهر مع أنه لا يجب عليهم الصوم بل المسافر لا يدخل فلا يحتاج إلى تخصيص هذه الصورة فيه فالقول الأول لا يتمشى إلا مع التزام الإضمار والتخصيص والقول الثاني يتمشى بمجرد التزام التخصيص فكان القول الثاني أولى هذا ما عندي فيه مع أن أكثر المحققين كالواحدي وصاحب «الكشاف » ذهبوا إلى الأول .
المسألة الثالثة : الألف واللام في قوله : { فمن شهد منكم الشهر } للمعهود السابق وهو شهر رمضان ، ونظيره قوله تعالى : { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء } أي فإذ لم يأتوا بالشهداء الأربعة .
المسألة الرابعة : اعلم أن في الآية إشكالا وهو أن قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } جملة مركبة من شرط وجزاء فالشرط هو شهود الشهر والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد الشرط بتمامه لا يترتب عليه الجزاء والشهر اسم للزمان المخصوص من أوله إلى آخره ، فشهود الشهر إنما يحصل عند الجزاء الأخير من الشهر وظاهر هذه الآية يقتضي أن عند شهود الجزء الأخير من الشهر يجب عليه صوم كل الشهر وهذا محال ، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في الزمان المنقضي وهو ممتنع فلهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، وأنه لا بد من صرفها إلى التأويل ، وطريقه أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر في جانب الشرط فيصير تقريره : من شهد جزأ من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر ، فعلى هذا : من شهد هلال رمضان فقد شهد جزأ من أجزاء الشهر ، وقد تحقق الشرط فيترتب عليه الجزاء ، وهو الأمر بصوم كل الشهر ، وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء وهو مجاز مشهور .
واعلم أن المنقول عن علي أن المراد من هذه الآية ، فمن شهد منكم أول الشهر فليصم جميعه وقد عرفت بما ذكرنا من الدليل أنه لا يصح البتة إلا هذا القول ، ثم يتفرع على هذا الأصل فرعان أحدهما : أنه إذا شهد أول الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر والثاني : أنه إذا شهد آخر الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر .
أما الأول : فهو أنه نقل عن علي رضي الله عنه أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر ، أن الواجب أن يصوم الكل ، لأنا بينا أن الآية تدل على أن من شهد أول الشهر وجب عليه صوم كل الشهر ، وأما سائر المجتهدين فيقولون : إن قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وإن كان معناه : أن من شهد أول الشهر فليصمه كله إلا أنه عام يدخل فيه الحاضر والمسافر ، وقوله بعد ذلك : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } خاص والخاص مقدم على العام . فثبت أنه وإن سافر بعد شهوة الشهر فإنه يحل له الإفطار .
وأما الثاني : وهو أن أبا حنيفة زعم أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر يلزمه قضاء ما مضى ، قال : لأنا قد دللنا على أن المفهوم من هذه الآية أن من أدرك جزأ من رمضان لزمه صوم كل رمضان والمجنون إذا أفاق في أثناء الشهر فقد شهد جزأ من رمضان فوجب أن يلزمه صوم كل رمضان ، فإذا لم يمكن صيام ما تقدم فالقضاء واجب .
المسألة الخامسة : اعلم أن قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } يستدعي بحثين :
البحث الأول : أن شهود الشهر بماذا يحصل ؟ فنقول : إما بالرؤية وإما بالسماع ، أما الرؤية فنقول : إذا رأى إنسان هلال رمضان فأما أن يكون منفردا بتلك الرؤية أو لا يكون ، فإن كان منفردا بها فأما أن يرد الإمام شهادته أو لا يردها ، فإن تفرد بالرؤية ورد الإمام شهادته ، لزمه أن يصوم ، لأن الله تعالى جعل شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليه ، وقد حصل شهود الشهر في حقه ، فوجب أن يجب عليه الصوم ، وأما إن انفرد بالرؤية وقبل الإمام شهادته أو لم ينفرد بالرؤية فلا كلام في وجوب الصوم ، وأما السماع فنقول إذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعا ، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال لا يحكم به وإذا شهد على هلال رمضان يحكم به احتياطا لأمر الصوم والفرق بينه وبين هلال شوال أن هلال رمضان للدخول في العبادة وهلال شوال للخروج من العبادة ، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل ، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا على قول الإثنين ، وعلى أنه لا فرق بينهما في الحقيقة ، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطا فكذلك لا يقبل قول الواحد في هلال شوال لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطا .
البحث الثاني في الصوم : فنقول : إن الصوم هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائما من أول طلوع الفجر الصادق إلى حين غروب الشمس مع النية وفي الحد قيود :
القيد الأول : الإمساك وهو احتراز عن شيئين أحدهما : لو طارت ذبابة إلى حلقه ، أو وصل غبار الطريق إلى بطنه لا يبطل صومه ، لأن الاحتراز عنه شاق ، والله تعالى يقول في آية الصوم { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } والثاني : لو صب الطعام أو الشراب في حلقه كرها أو حال نوم لا يبطل صومه ، لأن المعتبر هو الإمساك والامتناع والإكراه لا ينافي ذلك .
القيد الثاني : قولنا عن المفطرات وهي ثلاثة : دخول داخل ، وخروج خارج ، والجماع ، وحد الدخول كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح إلى الباطن إما الدماغ أو البطن وما فيه من الأمعاء والمثانة ، أما الدماغ فيحصل الفطر بالسعوط وأما البطن فيحصل الفطر بالحقنة وأما الخروج فالقيء بالاختيار والاستمناء يبطلان الصوم ، وأما الجماع فالإيلاج يبطل الصوم .
القيد الثالث : قولنا مع العلم بكونه صائما فلو أكل أو شرب ناسيا للصوم لا يبطل صومه عند أبي حنيفة والشافعي وعند مالك يبطل .
القيد الرابع : قولنا من أول طلوع الفجر الصادق والدليل عليه قوله تعالى : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } وكلمة { حتى } لانتهاء الغاية ، وكان الأعمش يقول : أول وقته إذا طلعت الشمس ، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس ، ويحتج بأن انتهاء اليوم من وقت غروب الشمس ، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون من عند طلوعها ، وهذا باطل بالنص الذي ذكرناه ، وحكي عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده ، فقال له الأعمش : إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك ، فكيف إذا زرتني ! فسكت عنه أبو حنيفة فلما خرج من عنده قيل له : لم سكت عنه ؟ فقال : وماذا أقول في رجل ما صام وما صلى في دهره عني به أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل الشمس فلا صوم له وكان لا يغتسل من الإنزال فلا صلاة له .
القيد الخامس : قولنا إلى غروب الشمس ، ودليله قوله عليه السلام : « إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم » ومن الناس من يقول وقت الإفطار عند غروب ضوء الشمس ، قاس هذا الطرف على الطرف الأول من النهار .
القيد السادس : قولنا مع النية ، ومن الناس من يقول : لا حاجة لصوم رمضان إلى النية لأن الله تعالى أمر بالصوم في قوله : { فليصمه } والصوم هو الإمساك وقد وجد فيخرج عن العهدة لكنا نقول : لا بد من النية لأن الصوم عمل بدليل قوله عليه السلام : « أفضل الأعمال الصوم » والعمل لا بد فيه من النية لقوله عليه السلام : « إنما الأعمال بالنيات »
المسألة السادسة : القائلون بأن الآية المتقدمة تدل على أن المقيم الصحيح مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية قالوا : هذه الآية ناسخة لها وأبو مسلم الأصفهاني والأصم ينكرون ذلك ، وقد تقدم شرح هذه المسألة ثم بتقدير صحة القول بهذا النسخ فهذا يدل على أن نسخ الأخف بالأثقل جائز ، لأن إيجاب الصوم على التعيين أثقل من إيجابه على التخيير بينه وبين الفدية .
أما قوله تعالى : { فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } فقد تقدم تفسير هذه الآية ، وقد تقدم بيان السبب في التكرير .
أما قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } فاعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره ههنا بشرط دخول ما قبله فيه والأمر ههنا كذلك لأن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر فإنه ما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ذلك رعاية لمعنى اليسر والسهولة وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اليسر في اللغة معناه السهولة ومنه يقال للغني والسعة اليسار لأنه يسهل به الأمور واليد اليسرى قيل تلي الفعال باليسر ، وقيل إنه يتسهل الأمر بمعونتها اليمنى .
المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية في أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ، قالوا لأنه تعالى لما بين أنه يريد بهم ما تيسر دون ما تعسر فكيف يكلفهم ما لا يقدرون عليه من الإيمان وجوابه أن اليسر والعسر لا يفيدان العموم لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه الألف واللام لا يفيد العموم ، وأيضا فلو سلمنا ذلك لكنه قد ينصرف إلى المعهود السابق فنصرفه إلى المعهود السابق في هذا الموضع .
المسألة الثالثة : المعتزلة تمكسوا بهذه الآية في إثبات أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله وذلك لأن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده ، لكان يجب أن يكون قد فعل ما لا يريده الله منه إذا كان لا يريد العسر الجواب : يحتمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمره بما فيه عسر ، وإن كان قد يريد منه العسر وذلك لأن عندنا الأمر قد يثبت بدون الإرادة .
المسألة الرابعة : قالوا : هذه الآية دالة على رحمته سبحانه لعبادته فلو أراد بهم أن يكفروا فيصيروا إلى النار ، وخلق فيهم ذلك الكفر لم يكن لائقا به أن يقول : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } والجواب أنه معارض بالعلم .
أما قوله تعالى : { ولتكملوا العدة } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن عاصم { ولتكملوا العدة } بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهما لغتان : أكملت وكملت .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : { ولتكملوا العدة } على ماذا علق ؟ .
جوابنا : أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف ، ثم فيه وجهان أحدهما : ما قاله الفراء وهو أن التقدير : ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ، فعل جملة لما ذكر وهو الأمر بصوم العدة ، وتعليم كيفية القضاء ، والرخصة في إباحة الفطر ، وذلك لأنه تعالى ما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقيبها ألفاظا ثلاثة ، فقوله : { ولتكملوا العدة } علة للأمر بمراعاة العدة { ولتكبروا } علة ما علمتم من كيفية القضاء { ولعلكم تشكرون } علة الترخص والتسهيل ، ونظير ما ذكرنا من حذف الفعل المنبه ما قبله عليه قوله تعالى : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } أي أريناه .
الوجه الثاني : ما قاله الزجاج ، وهو أن المراد به أن الذي تقدم من التكليف على المقيم صحيح والرخصة للمريض والمسافر إنما هو إكمال العدة لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة ، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء ، فلا يكون عسرا ، فبين تعالى أنه كلف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيرا ، بل يكون سهلا يسيرا ، والفرق بين الوجهين أن في الأول إضمارا وقع بعد قوله : { ولتكملوا العدة } وفي الثاني قبله :
المسألة الثالثة : إنما قال : { ولتكملوا العدة } ولم يقل : ولتكملوا الشهر ، لأنه لما قال : ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعا ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلا لعدد المقض ، ولو قال تعالى : ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء .
أما قوله : { ولتكبروا الله على ما هداكم } ففيه وجهان الأول : أن المراد منه التكبير ليلة الفطر قال ابن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا ، وقال الشافعي : وأحب إظهار التكبير في العيدين ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة : يكره ذلك غداة الفطر ، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى : { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } وقال : معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا الله عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة ، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل : إحداها : اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير ؟ فقال في القديم : ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها ، وقال في الجديد : ليلة الفطر أوكد لورود النص فيها وثانيها : أن وقت التكبير بعد غروب الشمس من ليلة الفطر ، وقال مالك : لا يكبر في ليلة الفطر ولكنه يكبر في يومه ، وروي هذا عن أحمد ، وقال إسحق : إذا غدا إلى المصلي حجة الشافعي أن قوله تعالى : { ولتكبروا الله على ما هداكم } يدل على أن الأمر بهذا يوجب أن يكون التكبير وقع معللا بحصول هذه الهداية ، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه الهداية ، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت وثالثها : مذهب الشافعي أن وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة ، وقيل فيه قولان آخران أحدهما : إلى خروج الإمام والثاني : إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول ، وقال أبو حنيفة : إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير .
القول الثاني : في تفسير قوله : { ولتكبروا الله } أن المراد منه التعظيم لله شكرا على ما وفق على هذه الطاعة ، واعلم أن تمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل أما القول : فالإقرار بصفاته العلي ، وأسمائه الحسنى ، وتنزيهه عما لا يليق به من ند وصاحبة وولد وشبه بالخلق ، وكل ذلك لا يصح إلا بعد صحة الاعتقاد بالقلب وأما العمل : فالتعبد بالطاعات من الصلاة والصيام ، والحج واعلم أن القول الأول أقرب ، وذلك لأن تكبير الله تعالى بهذا التفسير واجب في جميع الأوقات ، ومع كل الطاعات فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات .
أما قوله تعالى : { على ما هداكم } فإنه يتضمن الإنعام العظيم في الدنيا بالأدلة والتعريف والتوفيق والعصمة ، وعند أصحابنا بخلق الطاعة .
وأما قوله تعالى : { ولعلكم تشكرون } ففيه بحثان أحدهما : أن كلمة { لعل } للترجي ، والترجي لا يجوز في حق الله والثاني : البحث عن حقيقة الشكر ، وهذان بحثان قد مر تقريرهما .
بقي ههنا بحث ثالث ، وهو أنه ما الفائدة في ذكر هذا اللفظ في هذا الموضع فنقول : إن الله تعالى لما أمر بالتكبير وهو لا يتم إلا بأن يعلم العبد جلال الله وكبريائه وعزته وعظمته ، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء ، وأوصاف الواصفين ، وذكر الذاكرين ، ثم يعلم أنه سبحانه مع جلاله وعزته واستغنائه عن جميع المخلوقات ، فضلا عن هذا المسكين خصه الله بهذه الهداية العظيمة لا بد وأن يصير ذلك داعيا للعبد إلى الاشتغال بشكره ، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته فلهذا قال : { ولعلكم تشكرون } .
وتحبيب آخر في أداء هذه الفريضة للصحيح المقيم . . إنها صوم رمضان : الشهر الذي أنزل فيه القرآن - إما بمعنى أن بدء نزوله كان في رمضان ، أو أن معظمه نزل في أشهر رمضان - والقرآن هو كتاب هذه الأمة الخالد ، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور ، فأنشأها هذه النشأة ، وبدلها من خوفها أمنا ، ومكن لها في الأرض ، ووهبها مقوماتها التي صارت بها أمة ، ولم تكن من قبل شيئا . وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض ولا ذكر في السماء . فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم الشهر الذي نزل فيه القرآن :
( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . . فمن شهد منكم الشهر فليصمه . ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) . .
وهذه هي الآية الموجبة الناسخة لرخصة الإفطار والفدية بالنسبة للصحيح المقيم - فيما عدا الشيخ والشيخة كما أسلفنا :
( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) . .
أي من حضر منكم الشهر غير مسافر . أو من رأى منكم هلال الشهر . والمستيقن من مشاهدة الهلال بأية وسيلة أخرى كالذي يشهده في إيجاب الصوم عليه عدة أيام رمضان .
ولما كان هذا نصا عاما فقد عاد ليستثني منه من كان مريضا أو على سفر :
( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) . .
وتحبيب ثالث في أداء الفريضة ، وبيان لرحمة الله في التكليف وفي الرخصة سواء :
( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) . .
وهذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها . فهي ميسرة لا عسر فيها . وهي توحي للقلب الذي يتذوقها ، بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها ؛ وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد . سماحة تؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي مسيل الماء الجاري ، ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء . مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين .
وقد جعل الصوم للمسافر والمريض في أيام أخر ، لكي يتمكن المضطر من إكمال عدة أيام الشهر ، فلا يضيع عليه أجرها :
والصوم على هذا نعمة تستحق التكبير والشكر :
( ولتكبروا الله على ما هداكم . ولعلكم تشكرون ) . .
فهذه غاية من غايات الفريضة . . أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم . وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة . وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية ، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها . وهم شاعرون بالهدى ملموسا محسوسا . ليكبروا الله على هذه الهداية وليشكروه على هذه النعمة . ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة . كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام : ( لعلكم تتقون ) . .
وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقا على الأبدان والنفوس . وتتجلى الغاية التربوية منه ، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه ، أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير .
{ شَهْرُ رَمَضَانَ } مبتدأ خبره الموصول بعده ، ويكون ذكر الجملة مقدمة لفرضية صومه بذكر فضله ، أو { فَمَن شَهِدَ } والفاء لتضمنه معنى الشرط لكونه موصوفاً بالموصول ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم الوقت الذي كتب عليكم الصيام فيه ، أو المكتوب شهر رمضان ، أو بدل من الصيام بدل كل بتقدير مضاف ، أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان ، وما تخلل بينهما من الفصل متعلق ب { كتاب } [ البقرة : 183 ] لفظاً أو معنى فليس بأجنبي مطلقاً ، وإن اعتبرته بدل اشتمال استغنيت عن التقدير ، إلا أن كون الحكم السابق وهو فرضية الصوم مقصوداً بالذات ، وعدم كون ذكر المبدل منه مشوقاً إلى ذكر البدل يبعد ذلك ، وقرئ { شَهْرٍ } بالنصب على أنه مفعول لصوموا محذوفاً ؛ وقيل : إنه مفعول { وَأَن تَصُومُواْ } [ البقرة : 184 ] وفيه لزوم الفصل بين أجزاء المصدرية/ بالخبر ، وجوز أن يكون مفعول { تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 184 ] بتقدير مضاف أي شرف شهر رمضان ونحوه وقيل : لا حاجة إلى التقدير ، والمراد : إن كنتم تعلمون نفس الشهر ولا تشكون فيه ، وفيه إيذان بأن الصوم لا ينبغي مع الشك وليس بشيء كما لا يخفى والشهر المدة المعينة التي ابتداؤها رؤية الهلال ، ويجمع في القلة على أشهر ، وفي الكثرة على شهور ، وأصله من شهر الشيء أظهره ، وهو لكونه ميقاتاً للعبادات والمعاملات صار مشهوراً بين الناس ، و{ ( رمضان ) مصدر رمض بكسر العين إذا احترق ، وفي «شمس العلوم » من المصادر التي يشترك فيها الأفعال فعلان بفتح الفاء والعين وأكثر ما يجيء بمعنى المجيء والذهاب والاضطراب كالخفقان والعسلان واللمعان وقد جاء لغير المجيء والذهاب كما في شنآناً إذا بغضته فما في «البحر » من أن كونه مصدراً يحتاج إلى نقل فإن فعلاناً ليس مصدر فعل اللازم فإن جاء شيء منه كان شاذاً ، فالأولى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً ناشئ عن قلة الاطلاع ، والخليل يقول : إن من الرمض مسكن الميم وهو مطر يأتي قبل الخريف يظهر وجه الأرض عن الغبار ، وقد جعل مجموع المضاف والمضاف إليه علماً للشهر المعلوم ، ولولا ذلك لم يحسن إضافة ( شهر ) إليه كما لا يحسن إنسان زيد ، وإنما تصح إضافة العام إلى الخاص إذا اشتهر كون الخاص من أفراده ، ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان ، وبالجملة فقد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان ، وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني ، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه ، وقد نظم ذلك بعضهم فقال :
ولا تضف شهراً إلى اسم شهر *** إلا لما أوله الرا فادر
واستثن منها رجباً فيمتنع *** لأنه فيما رووه ما سمع
ثم في الإضافة يعتبر في أسباب منع الصرف وامتناع اللام ووجوبها حال المضاف إليه فيمتنع في مثل : شهر رمضان ، وابن داية من الصرف ودخول اللام وينصرف في مثل شهر ربيع الأول وابن عباس ويجب اللام في مثل امرئ القيس لأنه وقع جزءاً حال تحليته باللام ، ويجوز في مثل ابن عباس أما دخلوه فللمح الأصل ، وأما عدمه فلتجرده في الأصل ، وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الإلباس كذا قيل وفيه بحث أما أولاً : لأن إضافة العام إلى الخاص مرجعها إلى الذوق ، ولهذا تحسن تارة كشجر الأراك ، وتقبح أخرى كإنسان زيد وقبحها في { شَهْرُ رَمَضَانَ } لا يعرفه إلا من تغير ذوقه من أثر الصوم ، وأما ثانياً : فإن قولهم : لم يسمع شهر رجب الخ ، مما سمع بين المتأخرين ولا أصل له ففي «شرح التسهيل » جواز إضافة ( شهر ) إلى جميع أسماء الشهور وهو قول أكثر النحويين فادعاء الأطباق غير مطبق عليه ، ومنشأ غلط المتأخرين ما في «أدب الكاتب » من أنه اصطلاح الكتاب ، قال : لأنهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وجعلوا أول السنة المحرم ، فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهراً إلا مع رمضان والربيعين ، فهو أمر اصطلاحي لا وضعي لغوي ووجه في ( رمضان ) موافقة القرآن ، وفي ربيع الفصل عن الفصل ، ولذا صحح سيبويه جواز إضافة الشهر إلى جميع أسماء الشهور ، وفرق بين ذكره وعدمه بأنه حيث ذكر لم يفد العموم وحيث حذف أفاده وعليه يظهر الفرق بين إنسان زيد و{ شَهْرُ رَمَضَانَ } ولا يغم هلال ذلك . وأما ثالثاً : فلأن قوله : ( ثم ) في الإضافة الخ ، مما صرح النحاة بخلافه ، فإن ابن داية سمع منعه وصرفه كقوله :
ولما رأيت النسر عز ابن داية *** وعشش في وكريه جاش له صدري
قالوا : ولكل وجه ، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة بالتسمية فكان كطلحة مفرداً وهو غير منصرف ، وأما الصرف فلأن المضاف إليه في أصله اسم جنس والمضاف كذلك وكل منهما بانفراده ليس بعلم ، وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه ، ولا يكون لمنع الصرف مدخل فليحفظ ، وبالجملة المعول عليه أن رمضان وحده علم وهو علم جنس لما علمت ، ومنع بعضهم أن يقال : رمضان بدون شهر لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً
«لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان » وإلى ذلك ذهب مجاهد والصحيح الجواز فقد روي ذلك في الصحيح والاحتياط لا يخفى وإنما سمي الشهر به لأن الذنوب ترمض فيه قاله ابن عمر وروى ذلك أنس وعائشة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة ، وكان اسمه قبل ناتقاً ، ولعل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم مبين لما ينبغي أن يكون وجه التسمية عند المسلمين ، وإلا فهذا الاسم قبل فرضية الصيام بكثير على ما هو الظاهر .
{ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرءان } أي ابتدئ فيه إنزاله وكان ذلك ليلة القدر قاله ابن إسحق ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن جبير والحسن أنه نزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجماً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة ، وقيل : أنزل في شأنه القرآن ، وهو قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة : 183 ] وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين ، والإنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين » ولما كان بين الصوم ونزول الكتب الإلهية مناسبة عظيمة كان هذا الشهر المختص بنزولها مختصاً بالصوم الذي هو نوع عظيم من آيات العبودية ، وسبب قوي في إزالة العلائق البشرية المانعة عن إشراق الأنوار الصمدية .
{ هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان } حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما ( أنزل ) أي أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير ، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق ، والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية كما يشعر بذلك جعله بينات منها فهو هاد بواسطة أمرين مختص وغير مختص فالهدى ليس مكرراً ، وقيل : مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية فيه كما تقول عالم نحرير .
{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ( من ) شرطية أو موصولة والفاء إما جواب الشرط ، أو زائدة في الخبر ، و{ مّنكُمْ } في محل نصب على الحال من المستكن في { شَهِدَ } والتقييد به لإخراج الصبي والمجنون ، و{ شَهِدَ } من الشهود والتركيب يدل على الحضور إما ذاتاً أو علماً ، وقد قيل : بكل منهما هنا ، و{ الشهر } على الأول : مفعول فيه والمفعول به متروك لعدم تعلق الغرض به فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء ، وعلى الثاني : مفعول به بحذف المضاف أي هلال الشهر وأل فيه على التقديرين للعهد ووضع المظهر موضع المضمر للتعظيم ونصب الضمير المتصل في يصمه على الاتساع لأن صام لازم والمعنى فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه أو من علم هلال الشهر وتيقن به فليصم ، ومفاد الآية على هذا عدم وجوب/ الصوم على من شك في الهلال وإنما قدر المضاف لأن شهود الشهر بتمامه إنما يكون بعد انقضائه ولا معنى لترتب وجوب الصوم فيه بعد انقضائه وعليه يكون قوله تعالى : { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } مخصصاً بالنظر إلى المريض والمسافر كليهما ، وعلى الأول : مخصص بالنظر إلى الأول دون الثاني وتكريره حينئذٍ لذلك التخصيص أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه والأول كما قيل على رأي من شرط في المخصص أن يكون متراخياً موصولاً ، والثاني : على رأي من جوز كونه متقدماً وهذا بجعل المخصص هو الآية السابقة ، و( ما ) هنا لمجرد دفع التوهم ورجح المعنى الأول من المعنيين بعدم الاحتياج إلى التقدير وبأن الفاء في { فَمَن شَهِدَ } عليه وقعت في مخرها مفصلة لما أجمل في قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ } من وجوب التعظيم المستفاد مما في أثره على كل من أدركه ومدركه إما حاضر أو مسافر فمن كان حاضراً فحكمه كذا الخ ولا يحسن أن يقال من علم الهلال فليصم ومن كان مريضاً أو على سفر فليقض لدخول القسم الثاني في الأول والعاطف التفصيلي يقتضي المغايرة بينهما كذا قيل ، لكن ذكر المريض يقوي كونه مخصصاً لدخوله فيمن شهد على الوجهين ، ولذا ذهب أكثر النحويين إلى أن الشهر مفعول به فالفاء للسببية أو للتعقيب لا للتفصيل .
{ يُرِيدُ الله } بهذا الترخيص { بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } لغاية رأفته وسعة رحمته ، واستدل المعتزلة بالآية على أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى وذلك لأن المريض والمسافر إذا صاما حتى أجهدهما الصوم فقد فعلا خلاف ما أراد الله تعالى لأنه أراد التيسير ولم يقع مراده ، ورد بأن الله تعالى أراد التيسير وعدم التعسير في حقهما بإباحة الفطر ، وقد حصل بمجرد الأمر بقوله عز شأنه : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } من غير تخلف ، وفي «البحر » تفسير الإرادة هنا بالطلب ، وفيه أنه التزام لمذهب الاعتزال من أن إرادته تعالى لأفعال العباد عبارة عن الأمر وأنه تعالى ما طلب منا اليسر بل شرعه لنا ، وتفسير اليسر بما يسر بعيد ، وقرأ أبو جعفر ( اليسر ) و( العسر ) بضمتين .
{ وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علل لفعل محذوف دل عليه { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } الخ أي وشرع لكم جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر المستفاد من قوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وأمر المرخص له بالقضاء كيفما كان متواتراً أو متفرقاً وبمراعاة عدة ما أفطره من غير نقصان فيه المستفادين من قوله سبحانه وتعالى : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ومن الترخيص المستفاد من قوله عز وجل : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } أو من قوله تعالى : { فَعِدَّةٌ } الخ لتكملوا الخ والأول علة الأمر بمراعاة عدة الشهر بالأداء في حال شهود الشهر ، وبالقضاء في حال الإفطار بالعذر فيكون علة لمعللين أي أمرناكم بهذين الأمرين لتكملوا عدة الشهر بالأداء والقضاء فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته نقصت أيامه أو كملت { وَلِتُكَبّرُواْ الله } علة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخيص والتيسير ، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى أن هذا المطلوب بمنزلة المرجو لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله وهو ظهور كون الترخيص نعمة ، والمخاطب موقن بكمال رأفته وكرمه مع عدم فوات بركات الشهر ، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك قلما يهتدى إليه ؛ لأن مقتضى الظاهر ترك الواو لكونها عللاً لما سبق ، ولذا قال من لم يبلغ درجة الكمال : إنها زائدة أو عاطفة على علة مقدرة ووجه اختياره أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فلما فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع عدم التكلف لأن الفعل المقدر لكونه مشتملاً على ما سبق إجمالاً يكون ما سبق قرينة عليه مع بقاء التعليل/ بحاله ولكونه مغايراً له بالإجمال ، والتفصيل يصح عطفه عليه ، وفي ذكر الأحكام تفصيلاً أولاً ، وإجمالاً ثانياً وتعليلها من غير تعيين ثقة على فهم السامع بأن يلاحظها مرة بعد أخرى ويرد كل علة إلى ما يليق به ما لا يخفى من الاعتناء ، وجوز أن تكون عللاً لأفعال مقدرة كل فعل مع علة والتقدير ولتكملوا العدة أوجب عليكم عدة أيام أخر ولتكبروا الله على ما هداكم علمكم كيفية القضاء { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } رخصكم في الإفطار وإن شئت جعلتها معطوفة على علة مقدرة أي ليسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ وجعلت المجموع علة للأحكام السابقة إما باعتبار أنفسها أو باعتبار الأعلام بها فقوله : ليسهل أو لتعلموا علة لما سبق باعتبار الأعلام وما بعده علة للأحكام المذكورة كما مر ، ولك أن لا تقدر شيئاً أصلاً وتجعل العطف على اليسر أي ويريد بكم لتكملوا الخ واللام زائدة مقدرة بعدها أن وزيدت كما قيل : بعد فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك ، وقيل : إنها بمعنى أن كما في الرضي إلا أنه يلزم على هذا الوجه أن يكون { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } عطفاً على { يُرِيدُ } إذ لا معنى لقولنا يريد لعلكم تشكرون ، وحينئذٍ يحصل التفكيك بين المتعاطفات وهو بعيد ، ولاستلزام هذا الوجه ذلك وكثرة الحذف في بعض الوجوه السابقة وخفاء بعضها عدل بعضهم عن الجميع ، وجعل الكلام من الميل مع المعنى ؛ لأن ما قبله علة للترخيص فكأنه قيل : رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون ولتكملوا الخ ، ولا يخفى عليك ما هو الأليق بشأن الكتاب العظيم ، والمراد من التكبير الحمد والثناء مجازاً لكونه فرداً منه ولذلك عدي بعلي ، واعتبار التضمين أي لتكبروا حامدين ليس بمعتبر لأن الحمد نفس التكبير ولكونه على هذا عبادة قولية ناسب أن يعلل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمة قولية أيضاً ، وأخرج ابن المنذر وغيره عن زيد بن أسلم أن المراد به التكبير يوم العيد ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه التكبير عند الإهلال ، وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله تعالى يقول : { وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله } وعلى هذين القولين لا يلائم تعليل الأحكام السابقة ، و( ما ) يحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي الذي هداكموه أو هداكم إليه ، والمراد من الشكر ما هو أعم من الثناء ولذا ناسب أن يجعل طلبه تعليلاً للترخيص الذي هو نعمة فعلية . وقرأ أبو بكر عن عاصم { وَلِتُكَمِّلُواْ } بالتشديد .
( ومن باب الإشارة ) :وشهر رمضان هو وقت احتراق النفس واضمحلالها بأنوار تجليات القرب الذي أنزل فيه القرآن ، وهو العلم الإجمالي الجامع هداية للناس إلى الوحدة باعتبار الجمع ، ودلائل مفصلة من الجمع ، والفرق فمن حضر منكم ذلك الوقت/ وبلغ مقام الشهود فليمسك عن كل شيء إلا له ، وبه ، وفيه ، ومنه ، وإليه ، ومن كان مبتلى بأمراض القلب والحجب النفسانية المانعة عن الشهود ؛ أو على سفر وتوجه إلى ذلك المقام فعليه مراتب أخر يقطعها حتى يصل إليه يريد الله بكم اليسر والوصول إلى مقام التوحيد ، والاقتدار بقدرته ولا يريد بكم العسر وتكلف الأفعال بالنفس الضعيفة ولتكلموا عدة المراتب ولتعظموا الله تعالى على هدايته لكم إلى مقام الجمع { ولعلكم تشكرون } [ البقرة : 185 ] بالاستقامة .