مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (23)

قوله تعالى { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } .

الكلام في النبوة

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة ، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول ، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار ، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزا أقام الدلالة على كونه معجزا . واعلم أن كونه معجزا يمكن بيانه من طريقين . الأول : أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : إما أن يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء أو زائدا على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائدا عليه بقدر ينقض ، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث ، وإنما قلنا إنهما باطلان ، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية . وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن ، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل ، وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح ، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم ، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا ، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد ؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته ، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزا ، أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم ، وثانيها : أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيدا ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما . ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحا كما ترى . وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين . والباقي لا يكون كذلك ، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته . ورابعها : أن كل من قال شعرا فصيحا في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول . وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلا . وخامسا : أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة . وسادسها : أنهم قالوا إن شعر امرئ القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل . وشعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء ، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن ، أما القرآن فإنه جاء فصيحا في كل الفنون على غاية الفصاحة ، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } وقال تعالى { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } وقال في الترهيب { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر } الآيات وقال { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم } الآية وقال { وخاب كل جبار عنيد } إلى قوله { ويأتيه الموت من كل مكان } وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله { فكلا أخذنا بذنبه } إلى قوله { ومنهم من أغرقنا } وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه { أفرأيت إن متعناهم سنين } وقال في الإلهيات { الله يعلم ما تحمل كل أنثى ما تغيض الأرحام وما تزداد } إلى آخره . وسابعها : أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن ، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن ، وكذا علم أصول الفقه . وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق ، ومن تأمل كتابنا في دلائل الإعجاز علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى ، الطريق الثاني : أن نقول : القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغا في الفصاحة إلى حد الإعجاز ، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز . وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزا فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب .

المسألة الثانية : إنما قال { نزلنا } على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن المراد النزول على سبيل التدريج ، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان لأنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند الله ومخالفا لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجات المختلفة فإن الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة فلو أنزله الله تعالى لأنزله على خلاف هذه العادة جملة { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } والله سبحانه وتعالى ذكر ههنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون ، فإن كان الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج ، وإن كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على التدريج معجز وقرئ «على عبادنا » يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته .

المسألة الثالثة : السورة هي طائفة من القرآن ، وواوها إن كانت أصلا فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها ، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضا في أنفسها طوال وأوساط وقصار . أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين ، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه . فإن قيل فما فائدة تقطيع القرآن سورا قلنا من وجوه . أحدها : ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبوابا وفصولا . وثانيها : أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن . وثالثها : أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا نفس ذلك عنه ونشطه للسير . ورابعها : أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به ، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل .

المسألة الرابعة : قوله { فأتوا بسورة من مثله } يدل على أن القرآن وما هو عليه من كونه سورا هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل الحديث : أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن .

المسألة الخامسة : اعلم أن التحدي بالقرآن جاء على وجوه . أحدها : قوله

{ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى } . وثانيها : قوله { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } . وثالثها : قوله { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } . ورابعها : قوله { فأتوا بسورة من مثله } ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله ، ائتني بنصفه ، ائتني بربعه ، ائتني بمسألة منه ، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله { فأتوا بسورة من مثله } يتناول سورة الكوثر ، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون ، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين ، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا . فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز .

المسألة السادسة : الضمير في قوله { من مثله } إلى ماذا يعود وفيه وجهان : أحدهما : أنه عائد إلى «ما » في قوله { مما نزلنا على عبدنا } أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني : أنه عائد إلى «عبدنا » أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ، والأول مروي عن عمر وابن مسعود ، وابن عباس والحسن وأكثر المحققين ، ويدل على الترجيح له وجوه . أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لاسيما ما ذكره في يونس { فأتوا بسورة مثله } . وثانيها : أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال { وإن كنتم في ريب مما نزلنا } فوجب صرف الضمير إليه ، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئا مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله . وثالثها : أن الضمير لو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين ، أما لو كان عائدا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد ، لأن الجماعة لا تماثل الواحد ، والقارئ لا يكون مثل الأمي ، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى . ورابعها : أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزا إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أميا بعيدا عن العلم . وهذا وإن كان معجزا أيضا إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى . وخامسها : أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أميا ممكن . ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان هذا أولى .

المسألة السابعة : في المراد من الشهداء وجهان . الأول : المراد من ادعوا فيه الإلهية وهي الأوثان ، فكأنه قيل لهم إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى فاقة شديدة وحاجة عظيمة في التخلص عنها فتعجلوا الاستعانة بها وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في ادعاء كونها آلهة وأنها تنفع وتضر ، فيكون في الكلام محاجة من وجهين . أحدهما : في إبطال كونها آلهة . والثاني : في إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن وأنه من قبله . الثاني : المراد من الشهداء أكابرهم أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه السلام ، والمعنى وادعوا أكابركم ورؤساءكم ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر . فإن قيل هل يمكن حمل اللفظ عليهما معا وبتقدير التعذر فأيهما أولى ؟ قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازا عن المعين والناصر ، وأوثانهم وأكابرهم مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصارا لهم وأعوانا ، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما الثاني فنقول : الأولى حمله على الأكابر ، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ظاهرا إلا على من يصح أن يشاهد ويشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة ، وذلك لا يتحقق إلا في حق رؤسائهم ، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز ، في إطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال : المراد وادعوا من تزعمون أنهم شهداؤكم ، والإضمار خلاف الأصل ، أما إذا حملناه على الوجه الأول صح الكلام ، لأنه يصير كأنه قال : وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا الإنكار . فإن المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت الإضافة في قوله شهداءكم ، ولأنه كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز .

المسألة الثامنة : أما ( دون ) فهو أدنى مكان من الشيء ومنه الشيء الدون ، وهو الحقير الدني ، ودون الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من بعض ويقال : هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلا ، ودونك هذا ، أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت في الأحوال ، فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يجاوز حدا إلى حد ، قال الله تعالى { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فإن قيل فما متعلق من دون الله قلنا فيه وجهان . أحدهما : أن متعلقه «شهداءكم » وهذا فيه احتمالان . الأول : المعنى ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق ، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم . والثاني : ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله ، وهذا من المساهلة والإشعار بأن شهداءهم وهم فرسان الفصاحة تأبى عليهم الطبائع السليمة أن يرضوا لأنفسهم بالشهادة الكاذبة وثانيهما : أن متعلقه هو الدعاء ، والمعنى ادعوا من دون الله شهداءكم ، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق ، كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه ، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينه تصحح بها الدعاوى عند الحكام ، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم ، وأنه لم يبق لهم متشبث عن قولهم : الله يشهد إنا لصادقون .

المسألة التاسعة : قال القاضي هذا التحدي يبطل القول بالجبر من وجوه . أحدها : أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه ، فمن ينفي كون العبد فاعلا لم يمكنه إثبات التحدي أصلا وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز . وثانيها : أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجبة ويستوي في ذلك ما يكون معجزا . وما لا يكون فلا يصح معنى التحدي على قولهم . وثالثها : أن ما يضاف إلى العبد فالله تعالى هو الخالق له فتحديه تعالى لهم يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه وهو قادر على مثله من غير شك فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول . ورابعها : أن المعجز إنما يدل بما فيه من نقض العادة ، فإذا كان قولهم : إن المعتاد أيضا ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق فلا يصح الاستدلال بالمعجز . وخامسها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج بأنه تعالى خصه بذلك تصديقا له فيما ادعاه ولو لم يكن ذلك من قبله تعالى لم يكن داخلا في الإعجاز . وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق ، لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله ، والجواب . أن المطلوب من التحدي إما أن يأتي الخصم بالمتحدى به قصدا أو أن يقع ذلك منه اتفاقا ، والثاني باطل ، لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه ، فثبت الأول وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالتحدي موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه ، فذلك القصد إن كان منه لزم التسلسل وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يعود الجبر ويلزمه كل ما أورده علينا فيبطل كل ما قال .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (23)

1

ولقد كان اليهود يشككون في صحة رسالة النبي [ ص ] وكان المنافقون يرتابون فيها - كما ارتاب المشركون وشككوا في مكة وغيرها - فهنا يتحدى القرآن الجميع . إذ كان الخطاب إلى " الناس " جميعا . يتحداهم بتجربة واقعية تفصل في الأمر بلا مماحكة :

( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) .

ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال . . يصف الرسول [ ص ] بالعبودية لله : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) . . ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة : فهو أولا تشريف للنبي وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى ؛ دلالة على أن مقام العبودية لله هو أسمى مقام يدعى إليه بشر ويدعى به كذلك . وهو ثانيا تقرير لمعنى العبودية ، في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده ، واطراح الأنداد كلها من دونه . فها هو ذا النبي في مقام الوحي - وهو أعلى مقام - يدعى بالعبودية لله ، ويشرف بهذه النسبة في هذا المقام .

أما التحدي فمنظور فيه إلى مطلع السورة . . فهذا الكتاب المنزل مصوغ من تلك الحروف التي في أيديهم ، فإن كانوا يرتابون في تنزيله ، فدونهم فليأتوا بسورة من مثله ؛ وليدعوا من يشهد لهم بهذا - من دون الله - فالله قد شهد لعبده بالصدق في دعواه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (23)

{ وَإِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم ، والتوحيد والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر ، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة ، وفي التعقيب إشارة إلى الرد على التعليمية الذين جعلوا معرفة الله تعالى مستفادة من معرفة الرسول ، والحشوية القائلين بعدم حصول معرفته سبحانه إلا من القرآن والأخبار ، والعطف إما على قوله تعالى : { اعبدوا رَبَّكُمُ } [ البقرة : 21 ] وعلى { فَلاَ تَجْعَلُواْ } [ البقرة : 22 ] وتوجيه الربط بأنه لما أوجب سبحانه وتعالى العبادة ونفي الشرك بإزاء تلك الآيات والانقياد لها لا يمكن بدون التصديق بأنها من عنده سبحانه أرشدهم بما يوجب هذا العلم ، ولذا لم يقل جل شأنه وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا غير وجيه إذ يصير عليه البرهان العقلي سميعاً ولو أريد ذلك لكفى اعبدوا ، ولا تشركوا من دون تفصيل الأدلة الأنفسية والآفاقية .

والظاهر أن الخطاب هنا للكفار وهو المروي عن الحسن ، وقيل لليهود لما أن سبب النزول كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم قالوا هذا الذي يأتينا به محمد صلى الله عليه وسلم لا يشبه الوحي { وَإِنَّا لَفِي شَكّ مِنْهُ } وقيل : هو على نحو الخطاب في { اعبدوا } [ البقرة : 1 2 ] وكلمة { إن } إما للتوبيخ على الارتياب وتصوير أنه مما لا ينبغي أن يثبت إلا على سبيل الفرض لاشتمال المقام على ما يزيله ، أو لتغليب من لا قطع بارتيابهم على من سواهم ، أو لأن البعض لما كان مرتاباً والبعض غير مرتاب جعل الجميع كأنه لا قطع بارتيابهم ولا بعدمه وجعلها بمعنى إذا كما ادعاه بعض المفسرين خلاف مذهب المحققين وإيراد كلمة كان لإبقاء معنى المضي فإنها لتمحضها للزمان لا تقبلها إن إلى معنى الاستقبال كما ذهب إليه المبرد وموافقوه والجمهور على أنها كسائر الأفعال الماضية ، وقدر بعضهم بينها وبين إن يكن ، أو تبين مثلاً ولا يميل إليه الفؤاد ، وتنكير الريب للإشعار بأن حقه إن كان أن يكون ضعيفاً قليلاً لسطوع ما يدفعه وقوة ما يزيله ، وجعله ظرفاً بتنزيل المعاني منزلة الأجرام واستقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته ، و( من ) ابتدائية صفة { رَيْب } ولا يجوز أن تكون للتبعيض وحملها على السببية ربما يوهم كون المنزل محلاً للريب وحاشاه ، و( ما ) موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن الكتاب ، وقيل : عن القدر المشترك بينه وبين أبعاضه . ومعنى كونهم في ريب منه ارتيابهم في كونه وحياً من الله تعالى شأنه ، والتضعيف في { نَزَّلْنَا } للنقل وهو المرادف للهمزة ، ويؤيد ذلك قراءة زيد بن قطيب ( أنزلنا ) وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً ليكون إيثاره على الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم فقد قالوا : { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } [ الفرقان : 2 3 ] وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان كما ذهب إليه الكثير( {[145]} ) ممن يعقد عند/ ذكرهم الخناصر لأن ذلك قول بدلالة التضعيف على التكثير وهو إنما يكون غالباً( {[146]} ) في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية نحو فتحت وقطعت ، و( نزلنا ) لم يكن معتدياً قبل ، وأيضاً التضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل وأما على أنه يجعل اللازم متعدياً فلا ، والفعل هنا كان لازماً فكون التعدي مستفاداً من التضعيف دليل على أنه للنقل لا للتكثير ، وأيضاً لو كان نزل مفيداً للتنجيم لاحتاج قوله تعالى : { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جملة واحدة } [ الفرقان : 32 ] إلى تأويل ، لمنافاة العجز الصدر ، وكذا مثل { وَلولاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ } [ الأنعام : 7 3 ] و{ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً } [ الإسرار : 5 9 ] وقد قرئ بالوجهين في كثير مما لا يمكن فيه التنجيم والتكثير وجعل هذا غير التكثير المذكور في النحو وهو التدريج بمعنى الإتيان بالشيء قليلاً قليلاً كما ذكروه في تسللوا حيث فسروه بأنهم يتسللون قليلاً قليلاً قالوا : ونظيره تدرج وتدخل ونحوه رتبه أي أتى به رتبة رتبة ولم يوجد غير ذلك ، فحينئذ تكون صيغة فعل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى إما مجازاً أو اشتراكاً فلا يلزم اطراده بعيد لا سيما مع خفاء القرينة ، وفي تعدي ( نزل ) بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منه وأنه صار كاللابس له بخلاف إلى إذ لا دلالة لها على أكثر من الانتهاء والوصول . وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة تنبيه على عظم قدره واختصاصه به وانقياده لأوامره ، وفي ذلك غاية التشريف والتنويه بقدره صلى الله عليه وسلم :

لا تدعني إلا بيا عبدها *** فإنه أشرف أسمائي

وقرئ ( عبادنا ) فيحتمل أنه أريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به لا تختص بل يشترك فيها المتبوع والتابع فجعل كأنه نزل عليهم ، ويحتمل أنه أريد به النبيون الذين أنزل عليهم الوحي والرسول صلى الله عليه وسلم أول مقصود وأسبق داخل لأنه الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه ، وفيه إيذان بأن الارتياب فيه ، ارتياب فيما أنزل من قبله لكونه مصدقاً له ومهيمناً عليه ، وبعضهم( {[147]} ) جعل الخطاب على هذا لمنكري النبوات الذين حكى الله تعالى عنهم بقوله : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شيء } [ الأنعام : 1 9 ] وفي الآية التفات من الغائب إلى ضمير المتكلم وإلا لقال سبحانه مما نزل على عبده لكنه عدل سبحانه إلى ذلك تفخيماً للمنزل أو المنزل عليه لا سيما وقد أتى ب ( ن ) المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر رعاية لرفعة شأنه عليه الصلاة والسلام ، والفاء من { فَاتُواْ } جوابية وأمر السببية ظاهر ، والأمر من باب التعجيز وإلقام الحجر كما في قوله تعالى :{ فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } [ البقرة : 258 ] وهو من الإتيان بمعنى المجيء بسهولة كيفما كان ، ويقال في الخير والشر والأعيان والأعراض ، ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي ك { لاَ يَأْتُونَ الصلاة إلا وهم كسالى } [ التوبة : 4 5 ] وأصل { فَاتُواْ } فأتيوا فأعل الإعلال المشهور ، وأتى شذوذاً حذف الفاء فقيل ( ت وتوا ) والتنوين في ( سورة ) للتنكير أي ائتوا بسورة ما وهي القطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات ، وفيه من التبكيت والتخجيل لهم في الارتياب ما لا يخفى .

و { مّن مّثْلِهِ } إما أن يكون ظرفاً مستقراً صفة لسورة والضمير راجع إما لِ ( ما ) التي هي عبارة عن المنزل أو للعبد وعلى الأول يحتمل أن تكون من للتبعيض أو للتبيين ، والأخفش يجوز زيادتها في مثله ، والمعنى بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة والأسلوب المعجز وهذا على الأخيرين ظاهر ، وأما على التبعيض فلأنه لم يرد بالمثل مثل محقق معين للقرآن بل ما يماثله فرضاً( {[148]} ) كما قيل : في مثلك لا يجهل ، ولا شك أن بعضيتها للمماثل الفرضي لازمة/ لمماثلتها للقرآن فذكر اللازم وأريد الملزوم سلوكاً لطريق الكناية مع ما في لفظ ( من ) التبعيضية الدالة على القلة من المبالغة المناسبة لمقام التحدي ، وبهذا رجح بعضهم التبعيض على التبيين مع ما في التبيين من التصريح بما علم ضمناً حيث إن المماثلة للقرآن تفهم من التعبير بالسورة إلا أنه مؤيد بما يأتي ، وعلى الثاني يتعين أن تكون ( من ) للابتداء مثلها في { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } [ النمل : 0 3 ] ويمتنع التبعيض والتبيين والزيادة امتناع الابتداء في الوجه الأول ، وإما أن تكون صلة { فَاتُواْ } .

والشائع أنه يتعين حينئذ عود الضمير للعبد لأن ( من ) لا تكون بيانية إذ لا مبهم ، ولكونه مستقراً أبداً لا تتعلق بالأمر لغواً ولا تبعيضية وإلا لكان الفعل واقعاً عليه حقيقة كما في أخذت من الدراهم ولا معنى لإتيان البعض بل المقصد الإتيان بالبعض ، ولا مجال لتقدير الباء مع وجود ( من ) ولأنه يلزم أن يكون { بِسُورَةٍ } ضائعاً فتعين أن تكون ابتدائية ، وحينئذ يجب كون الضمير للعبد لا للمنزل ، وجعل المتكلم مبدأ عرفاً للإتيان بالكلام منه معنى حسن مقبول بخلاف جعل الكل مبدأ للإتيان ببعض منه فإنه لا يرتضيه ذو فطرة سليمة ، وأيضاً المعتبر في مبدأ الفعل هو المبدأ الفاعلي أو المادي ، أو الغائي ، أو جهة يتلبس بها وليس الكل بالنسبة إلى الجزء شيئاً من ذلك ، وعليه يكون اعتبار مماثلة المأتي به للقرآن في البلاغة مستفاداً من لفظ السورة ، ومساق الكلام بمعونة المقام .

واعترض بأن معنى ( من ) لا ينحصر فيما ذكر فقد تجيء للبدل نحو { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } [ التوبة : 8 3 ] { لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ملائكة } [ الزخرف : 0 6 ] وللمجاوزة كعذت منه ، فعلى هذا لو علق { مّن مّثْلِهِ } ب { فَاتُواْ } وحمل ( من ) على البدل أو المجاوزة ومثل على المقحم ورجع الضمير إلى { مَا أَنَزَلْنَا } على معنى : فأتوا بدل ذلك الكتاب العظيم شأنه ، الواضح برهانه أو مجاوزين من هذا الكتاب مع فخامة أثره وجلالة قدره بسورة فذة لكان أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز ، على أن عدم صحة شيء مما اعتبر في المبدأ ممنوع فإن الملابسة بين الكل والبعض أقوى منها بين المكان والمتمكن ، فكما يجوز جعل المكان مبدأ الفعل المتمكن يجوز أن يجعل الكل مبدأ للإتيان بالبعض ، ولعل من قال ذلك لم يطرق سمعه قول سيبويه : وبمنزلة المكان ما ليس بمكان ولا زمان نحو قرأت من أول السورة إلى آخرها ، وأعطيتك من درهم إلى دينار وأيضاً فالإتيان ببعض الشيء تفريقه منه ، ولا يستراب أن الكل مبدأ تفريق البعض منه ، ويمكن أن يقال وهو الذي اختاره مولانا الشهاب أن المراد من الآية التحدي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه ، فمقتضى المقام أن يقال لهم : معاشر الفصحاء المرتابين في أن القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه ، وما ذكر يدل على هذا إذا كان من مثله صفة سورة سواء كان الضمير لما أو للعبد لأن معناه ائتوا بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد ، مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضاً ، فإذا تعلق ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضاً ائتوا من مثل هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرنا ، ولو رجع على هذا لما كان معناه ائتوا من مثل هذا المنزل بسورة ، ولا شك أن ( من ) ليست بيانية لأنها لا تكون لغواً ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية والمبدأ ليس فاعلياً بل مادياً ، فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به ، فلا يخلو من أن يدعى وجوده وهو خلاف الواقع وابتناؤه على الزعم أو الفرض تعسف بلا مقتضىٍ أولاً ولا يليق بالتنزيل ، وكيف يأتون ببعض من شيء لا وجود له ؟ ! والحق عندي أن رجوع الضمير إلى كل من العبد ، و( ما ) على تقديري اللغو والاستقرار/ أمر ممكن ، ودائرة التأويل واسعة والاستحسان مفوض إلى الذوق السليم ، والذي يدركه ذوقي ولا أزكى نفسي أنه على تقدير التعلق يكون رجوع الضمير إلى العبد أحلى ، والبحث في هذه الآية مشهور ، وقد جرى فيه بين العضد والجار بردي ما أدى إلى تأليف الرسائل في الانتصار لكل .

وقد وفقت للوقوف على كثير منها والحمد لله ، ونقلت نبذة منها في «الأجوبة العراقية » ثم أولى الوجوه هنا على الإطلاق جعل الظرف صفة للسورة والضمير للمنزل و{ مِنْ } بيانية ، أما أولاً : فلأنه الموافق لنظائره من آيات التحدي كقوله تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } [ يونس : 38 ] لأن المماثلة فيها صفة للمأتى به ، وأما ثانياً : فلأن الكلام في المنزل لا المنزل عليه وذكره إنما وقع تبعاً ولو عاد الضمير إليه ترك التصريح بمماثلة السورة وهو عمدة التحدي وإن فهم ، وأما ثالثاً : فلأن أمر الجم الغفير لأن يأتوا من مثل ما أتى به واحد من جنسهم أبلغ من أمرهم بأن يجدوا أحداً يأتي ما أتى به رجل آخر ، وأما رابعاً : فلأنه لو رجع الضمير للعبد لأوهم أن إعجازه لكونه ممن لم يدرس ولم يكتب لا أنه في نفسه معجز مع أن الواقع هذا ، وبعضهم رجح رد الضمير إلى العبد صلى الله عليه وسلم باشتماله على معنى مستبدع مستجد ، وبأنه الكلام مسوق للمنزل عليه إذ التوحيد والتصديق بالنبوة توأمان ، فالمقصود إثبات النبوة والحجة ذريعة فلا يلزم من الافتتاح بذكر ما نزلنا أن يكون الكلام مسوقاً له وبأن التحدي على ذلك أبلغ ، لأن المعنى اجتمعوا كلكم وانظروا هل يتيسر لكم الإتيان بسورة ممن لم يمارس الكتب ولم يدارس العلوم ؟ ! وضم بنات أفكار بعضهم إلى بعض معارض بهذه الحجة بل هي أقوى في الإفحام إذ لا يبعد أن يعارضوه بما يصدر عن بعض علمائهم مما اشتمل على قصص الأمم الخالية المنقولة من الكتب الماضية وإن كان بينهما بون إذ الغريق يتشبث بالحشيش ، وأما إذا تحدى بسورة من أميّ كذا وكذا لم يبق للعوارض مجال ، هذا ولا يخفى أنه صرح ممرد ونحاس مموه ، وظاهر السياق يؤيد ما قلنا ويلائمه ظاهراً كما سنبينه بمنه تعالى .

قوله تعالى : { وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين } .

الدعاء النداء والاستعانة ، ولعل الثاني مجاز أو كناية مبنية على النداء لأن الشخص إنما ينادى ليستعان به ، ومنه { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } [ الأنعام : 0 4 ] والشهداء جمع شهيد أو شاهد ، والشهيد كما قال الراغب : كل من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد ، ولذا سموا غيره مخلفاً وجاء بمعنى الحاضر ، والقائم بالشهادة والناصر والإمام أيضاً . و{ دُونِ } ظرف مكان لا ينصرف ويستعمل ( بمن ) كثيراً وبالباء قليلاً ، وخصه في «البحر » بمن ( دونها ) ورفعه في قوله :

ألم تريا أني حميت حقيقتي *** وباشرت حد الموت والموت دونها

نادر لا يقاس عليه ومعناها أقرب مكان من الشيء فهو كعند إلا أنها تنبئ عن دنو كثير وانحطاط يسير ، ومنه دونك اسم فعل لا تدوين الكتب خلافاً للبيضاوي كما قيل لأنه من الديوان الدفتر ومحله ، وهي فارسي معرب من قول كسرى إذ رأى سرعة الكتاب في كتابتهم وحسابهم ديوانه . وقد يقال : لا بعد فيما ذكره البيضاوي وديوان مما اشتركت فيه اللغتان ، وقد استعمل في انحطاط محسوس لا في ظرف كدون زيد في القامة ثم استعير للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيهاً بالمراتب الحسية كدون عمرو شرفاً ولشيوع ذلك اتسع في هذا المستعار فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد ولو من دون تفاوت وانحطاط ، وهو بهذا المعنى قريب من غير فكأنه أداة استثناء ، ومن الشائع دون بمعنى خسيس فيخرج عن الظرفية ويعرف بأل ويقطع عن الإضافة كما في قوله :

إذا ما علا المرء راح العلا *** ويقنع ( بالدون ) من كان دونا

وما في «القاموس » من أنه يقال رجل من دون ، ولا يقال دون مخالف للدراية والرواية ، وليس عندي/ وجه وجيه في توجيهه ، والمشهور أنه ليس لهذا فعل ، وقيل يقال : دان يدين منه واستعماله بمعنى فضلاً وعليه حمل قول أبي تمام :

الود للقربى ولكن عرفه *** للأبعد الأوطان ( دون ) الأقرب

لم يسلمه أرباب التنقير نعم قالوا : يكون بمعنى وراء كأمام وبمعنى فوق ونقيضاً له .

و( من ) لابتداء الغاية متعلقة بادعوا ، ودون تستعمل بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال ، والمعنى ادعوا إلى المعارضة من يحضركم أو من ينصركم بزعمكم متجاوزين الله تعالى في الدعاء بأن لا تدعوه ، والأمر للتعجيز والإرشاد أو ادعوا من دون الله من يقيم لكم الشهادة بأن ما أتيتم به مماثله فإنه لا يشهدون ، ولا تدعوا الله تعالى للشهادة بأن تقولوا الله تعالى شاهد وعالم بأنه مثله فإن ذلك علامة العجز والانقطاع عن إقامة البينة والأمر حينئذ للتبكيت والشهيد على الأول بمعنى الحاضر ، وعلى الثاني بمعنى الناصر ، وعلى الثالث بمعنى القائم بالشهادة ، قيل : ولا يجوز أن يكون بمعنى الإمام بأن يكون المراد بالشهداء الآلهة الباطلة لأن الأمر بدعاء الأصنام لا يكون إلا تهكماً ، ولو قيل : ادعوا الأصنام ولا تدعوا الله تعالى ولا تستظهروا به لانقلب الأمر من التهكم إلى الامتحان إذ لا دخل لإخراج الله تعالى عن الدعاء في التهكم ، وفيه أن أيّ تهكم وتحميق أقوى من أن يقال لهم استعينوا بالجماد ولا تلتفتوا نحو رب العباد ؟ ولا يجوز حينئذ أن تجعل دون بمعنى القدام إذ لا معنى لأن يقال ادعوها بين يدي الله تعالى أي في القيامة للاستظهار بها في المعارضة التي في الدنيا ، وجوزوا أن تتعلق من ب { شُهَدَاءكُمُ } وهي للابتداء أيضاً ، و{ دُونِ } بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال والعامل فيه معنى الفعل المستفاد من إضافة الشهداء أعني الاتخاذ ، والمعنى ادعوا الذين اتخذتموهم أولياء من دون الله تعالى ، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون { دُونِ } بمعنى أمام حقيقة أو مستعاراً من معناه الحقيقي الذي يناسبه أعني به أدنى مكان من الشيء وهو ظرف لغو معمول لشهداء ويكفيه رائحة الفعل فلا حاجة إلى الاعتماد ولا إلى تقدير ليشهدوا ، و( من ) للتبعيض كما قالوا في : { مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } [ الرعد : 11 ] لأن الفعل يقع في بعض الجهتين ، وظاهر كلام الدماميني في «شرح التسهيل » : أنها زائدة ، وهو مذهب ابن مالك ، والجمهور على أنها ابتدائية ، والمعنى ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله عز وجل على زعمكم ، والأمر للتهكم ، وفي التعبير عن الأصنام بالشهداء ترشيح له بتذكير ما اعتقدوه من أنها من الله تعالى بمكان ، وأنها تنفعهم بشهادتهم كأنه قايل : هؤلاء عدتكم وملاذكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم فلا عطر بعد عروس ، وما وراء عبادان قرية ولم تجعل { دُونِ } بمعنى التجاوز لأنهم لا يزعمون شركته تعالى مع الأصنام في الشهادة فلا وجه للإخراج ، وقيل يجوز أن تكون { مِنْ } للابتداء والظرف حال ويحذف من الكلام مضاف ، والمعنى : ادعوا شهداءكم من فصحاء العرب وهم أولياء الأصنام متجاوزين في ذلك أولياء الله ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله ، والمقصود بالأمر حينئذ إرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت كأنه قيل : تركنا إلزامكم بشهداء الحق إلى شهدائكم المعروفين بالذب عنكم فإنهم أيضاً لا يشهدون لكم حذاراً من اللائمة وأنفة من الشهادة ألبتة البطلان ، كيف لا وأمر الإعجاز قد بلغ من الظهور إلى حيث لم يبق إلى إنكاره سبيل ؟ وإخراج الله تعالى على بعض الوجوه لتأكيد تناول المستثنى منه بجميع ما عداه لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه لإيهامه أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه وعلى بعض للتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى وكونهم في عروة المحادة والمشاقة له قاصرين استظهارهم على ما سواه ، والالتفات إما لإدخال الروع وتربية المهابة أو للإيذان بكمال سخافة عقولهم حيث آثروا على عبادة من له الألوهية الجامعة عبادة من لا أحقر منه والصدق مطابقة الواقع والمذاهب فيه مشهورة ، وجواب { إن } محذوف/ لدلالة الأول عليه وليس هو جواباً لهما ، وكذا متعلق الصدق أي : إن كنتم صادقين بزعمكم في أنه كلام البشر أوفي أنكم تقدرون على معارضته فأتوا ، وادعوا فقد بلغ السيل الزبى ، وهذا كالتكرير للتحديد والتأكيد له ، ولذا ترك العطف وجعل المتعلق الارتياب لتقدمه مما لا ارتياب في تأخره لأن الارتياب من قبيل التصور الذي لا يجري فيه صدق ولا كذب ، والقول بأن المراد : إن كنتم صادقين في احتمال أنه كذا مع ما فيه من التكلف لا يجدي نفعاً لأن الاحتمال شك أيضاً ، ومن التكلف بمكان قول الشهاب : إن المراد من النظم الكريم الترقي في إلزام الحجة ، وتوضيح المحجة ، فالمعنى إن ارتبتم فأتوا بنظيره ليزول ريبكم ويظهر أنكم أصبتم فيما خطر على بالكم وحينئذ فإن صدقت مقالتكم في أنه مفتري فأظهروها ولا تخافوا هذا ، ووجه ملائمة الآية لما قلناه في الآية السابقة أنه سبحانه وتعالى أمرهم بالاستعانة إما حقيقة أو تهكماً بكل ما يعينهم بالإمداد في الإتيان في المثل أو بالشهادة على أن المأتي به مثل ولا شك أن ذلك إنما يلائم إذا كانوا مأمورين بالإتيان بالمثل بخلاف ما إذا كان المأمور واحداً منهم فإنهم باعثون له على الإتيان فالملائم حينئذ نسبة الشهداء إليه لأنهم شهداء له ، وإن صح نسبته إليهم باعتبار مشاركتهم إياه في تلك الدعوى بالتحريك والحث والقول بأنهم مشاركون للمأتي منه في دعوى المماثلة ليس بشيء لأنه شهادة على المماثلة ثم ترجيح رجوع الضمير للمنزل يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضاً ، وقد أورد ههنا أمور طويلة لا طائل تحتها .


[145]:_ الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، وغيرهم اهـ منه.
[146]:_ قلنا ذلك لورود موتت الإبل.
[147]:_ هو أبو حيان اهـ منه.
[148]:_ وبعضهم يقول على التبعيض المراد ائتوا بمقدار بعض ما من القرآن مماثل له في البلاغة ولا إشكال فيه اهـ منه.