مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (19)

قوله تعالى { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين والله محيط بالكافرين ( 19 ) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير } . اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه . أحدها : أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم ، فإذا أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته . وتعظم الظلمة في عينه ، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة ، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم ، إذ كانوا لا يرون طريقا ولا يهتدون ، وثانيها : أن المطر وإن كان نافعا إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلا ، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن : فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضررا في الدين . وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت ، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم ، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر . ورابعها : أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فرارا من الموت والقتل ، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه . وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذين يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار . وسادسها : أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة ، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل ، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق . وسابعها : المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن ، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين ، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة ، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة ، والمراد من قوله { كلما أضاء لهم مشوا فيه } أنه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين { وإذا أظلم عليهم قاموا } أي متى لم يجدوا شيئا من تلك المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه . وبقي على الآية أسئلة وأجوبة . السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه . أحدها : لأن «أو » في أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك ، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك . كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت ، ومنه قوله تعالى { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، فكذا قوله { أو كصيب } معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك . وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار ، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر ، ونظيره قوله تعالى { وقالوا كونوا هودا أو نصارى } وقوله { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } الآية . وثالثها : أو بمعنى بل قال تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } . ورابعها : أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى { أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم } وقال الشاعر :

وقد زعمت ليلى بأني فاجر *** لنفسي تقاها أو عليها فجورها

وهذه الوجوه مطردة في قوله { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة } السؤال الثاني : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركبا من أمور والممثل يكون أيضا مركبا من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيها بكل واحد من الممثل ، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب الكفرة من الفتن ومن جهة أهل الإسلام بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها ، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق ، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك : أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب ، قلنا لولا طلب الراجع في قوله { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع ما الصيب ؟ الجواب : أنه المطر الذي يصوب ، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد ، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود . كان عليه الصلاة والسلام يقول «اللهم اجعله صيبا هنيئا » أي مطرا جودا وأيضا يقال للسحاب صيب قال الشماخ :

وأسحم دان صادق الوعد صيب *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل ، كما تنكرت النار في التمثيل الأول ، وقرئ أو كصائب وصيب أبلغ : والسماء هذه المظلة . السؤال الخامس : قوله من السماء . ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء ؟ الجواب من وجهين : الأول : لو قال . أو كصيب فيه ظلمات . احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلا من بعض جوانب السماء دون بعض ، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة والتركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقا ، الثاني : من الناس من قال : المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى ، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء ، كذا قوله { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وقوله { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } . السؤال السادس ما الرعد والبرق ؟ الجواب : الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع . السؤال السابع : الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟ الجواب : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل ، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل . السؤال الثامن : كيف يكون المطر مكانا للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب . الجواب : لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديدا جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام . السؤال التاسع : هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات ؟ الجواب : الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع ، أما الرعد فإنه نوع واحد ، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع . السؤال العاشر : لم جاءت هذه الأشياء منكرات . الجواب : لأن المراد أنواع منها ، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف . السؤال الحادي عشر : إلى ماذا يرجع الضمير في «يجعلون » . الجواب : إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفا في اللفظ لكنه باق في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال { يكاد البرق يخطف أبصارهم } . السؤال الثاني عشر : رؤوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم ؟ الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله { فاقطعوا أيديهما } المراد بعضهما . السؤال الثالث عشر : ما الصاعقة ؟ الجواب : إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود . السؤال الرابع عشر : ما إحاطة الله بالكافرين . الجواب : إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال . أحدها : أنه عالم بهم قال تعالى { وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } وثانيها : قدرته مستولية عليهم { والله من وراءهم محيط } وثالثها : يهلكهم من قوله تعالى { إلا أن يحاط بكم } السؤال الخامس عشر : ما الخطف . الجواب : أنه الأخذ بسرعة ، وقرأ مجاهد يخطف بكسر الطاء والفتح أفصح ، وعن ابن مسعود يختطف وعن الحسن يخطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف ، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء ، وعن زيد بن علي : يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله { ويتخطف الناس من حولهم } أما قوله تعالى { كلما أضاء لهم مشوا فيه } فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالة ، ظهور البرق وخفائه ، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة ، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم ، وفي ضوء البرد فأعماهم . وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه ، فالمفعول محذوف ، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة «كلما ضاء » فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما ، ومع الإظلام إذا : قلنا لأنهم حراص على إمكان المشي ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف ، والأقرب في أظلم أن يكون غير متعد وهو الظاهر ، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا في مكانهم ، ومنه قامت السوق ، وقام الماء جمد ، ومفعول شاء محذوف لأن الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وههنا مسألة ، وهي أن المشهور أن «لو » تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه بالآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم وقوله { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا ، وما علم فيهم خيرا وأما الخبر فقوله عليه السلام : «نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه » فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض ، فقد علمنا أن كلمة «لو » لا تفيد إلا الربط والله أعلم .

وأما قوله { إن الله على كل شيء قدير } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : منهم من استدل به على أن المعدوم شيء ، قال لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء ، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود ، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء . والجواب : لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئا ، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئا .

المسألة الثانية : احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له ، فوجب أن لا يكون شيئا ، واحتج أيضا على ذلك بقوله تعالى { ليس كمثله شيء } قال لو كان هو تعالى شيئا لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله { ليس كمثله شيء } فوجب أن لا يكون شيئا حتى لا تتناقض هذه الآية ، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم ، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم ، واحتج أصحابنا بوجهين : الأول : قوله تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } والثاني : قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئا .

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافا لأبي علي وأبي هاشم ، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء ، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدورا لله تعالى .

المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافا للمعتزلة ، فإنهم يقولون : الاستطاعة قبل الفعل محال ، فالشيء إنما يكون مقدورا قبل حدوثه ، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء ، وكل شيء مقدور ، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدورا ترك العمل به فبقي معمولا به في محل النزاع ، لأنه حال البقاء مقدوره ، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه ، أما حال الحدوث ، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوما في أول زمان وجوده ، فلم يبق إلا أن يكون قادرا على إيجاده .

المسألة الخامسة : تخصيص العام جائز في الجملة ، وأيضا تخصيص العام جائز بدليل العقل ، لأن قوله { والله على كل شيء قدير } يقتضي أن يكون قادرا على نفسه ثم خص بدليل العقل ، فإن قيل إذا كان اللفظ موضوعا للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذبا ، وذلك يوجب الطعن في القرآن . قلنا : لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع ، فقد يستعمل مجازا في الأكثر ، وإذا كان ذلك مجازا مشهورا في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذبا والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (19)

1

ومثل آخر يصور حالهم ويرسم ما في نفوسهم من اضطراب وحيرة وقلق ومخافة :

( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت . والله محيط بالكافرين . يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا ، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم . إن الله على كل شيء قدير ) . .

إنه مشهد عجيب ، حافل بالحركة ، مشوب بالاضطراب . فيه تيه وضلال ، وفيه هول ورعب ، وفيه فزع وحيرة ، وفيه أضواء وأصداء . . صيب من السماء هاطل غزير ( فيه ظلمات ورعد وبرق ) . . ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) . . ( وإذا أظلم عليهم قاموا ) . . أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون . وهم مفزعون : ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) .

إن الحركة التي تغمر المشهد كله : من الصيب الهاطل ، إلى الظلمات والرعد والبرق ، إلى الحائرين المفزعين فيه ، إلى الخطوات المروعة الوجلة ، التي تقف عندما يخيم الظلام . . إن هذه الحركة في المشهد لترسم - عن طريق التأثر الإيحائي - حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون . . بين لقائهم للمؤمنين ، وعودتهم للشياطين . بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة . بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام . . فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ؛ ويجسم صورة شعورية . وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (19)

{ أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء } شروع في تمثيل حالهم إثر تمثيل وبيان لكل دقيق منها وجليل فهم أئمة الكفر الذين تفننوا فيه وتفيئوا ظلال الضلال بعد أن طاروا إليه بقدامى النفاق وخوافيه فحقيق أن تضرب في بيداء بيان أحوالهم الوخيمة خيمة الأمثال وتمد أطناب الإطناب في شرح أفعالهم ليكون أفعى لهم ونكالاً بعد نكال ، وكل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة والبراعة لا بد أن يوفى فيه حق كل من مقامي الإطناب والإيجاز فماذا عسى أن يقال فيما بلغ الذروة العليا من البلاغة والبراعة والإعجاز ؟ ولقد نعى سبحانه عليهم في هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم العديمة المثيل وهو معطوف على { الذي استوقد نَاراً } [ البقرة : 7 1 ] ويكون النظم كمثل ذوي صيب( {[133]} ) فيظهر مرجع ضمير الجمع فيما بعد وتحصل الملائمة للمعطوف عليه والمشبه . و( أو ) عند ذوي التحقيق لأحد الأمرين ويتولد منه في الخبر الشك والإبهام والتفصيل على حسب اعتبارات المتكلم ، وفي الإنشاء/ الإباحة والتخيير كذلك ، وحينئذٍ لا يلزم الاشتراك ولا الحقيقة والمجاز ، وبعضهم يقول : إنها باعتبار الأصل موضوعة للتساوي في الشك ، وحمل على أنه فرد من أفراد المعنى الحقيقي ثم اتسع فيها فجاءت للتساوي من غير شك كما فيما نحن فيه على رأي إذ المعنى مثل بأي القصتين شئت فهما سواء في التمثيل ولا بأس لو مثلت بهما جميعاً وإن كان التشبيه الثاني أبلغ لدلالته على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ولذا أخر ليتدرج من الأهون إلى الأهول ، وزعم بعضهم أن { أَوْ } هنا بمعنى الواو وما في الآيتين تمثيل واحد ، وقيل : بمعنى بل ، وقيل : للإبهام ، والكل ليس بشيء ، نعم اختار أبو حيان أنها للتفصيل وكأن من نظر إلى حالهم منهم من يشبهه بحال المستوقد ، ومنهم من يشبهه بحال ذوي صيب مدعياً أن الإباحة وكذا التخيير لا يكونان إلا في الأمر أو ما في معناه انتهى . ولا يخفى على من نظر في معناه وحقق ما معناه أن ما نحن فيه داخل في الشق الثاني على أن دعوى الاختصاص مما لم يجمع عليه الخواص ، فقد ذكر ابن مالك أن أكثر ورود ( أو ) للإباحة في التشبيه نحو { فَهِي كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [ البقرة : 4 7 ] والتقدير نحو { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى } [ النجم : 9 ] والصيب في المشهور المطر من صاب يصوب إذا نزل وهو المروي هنا عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم رضي الله تعالى عنهم ، ويطلق على السحاب أيضاً كما في قوله :

حتى عفاها صيب ودقه *** داني النواحي مسبل هاطل

ووزنه فيعل بكسر العين عند البصريين وهو من الأوزان المختصة بالمعتل العين إلا ما شذ من صيقل بكسر القاف علم لامرأة ، والبغداديون يفتحون العين وهو قول تسد الأذن عنه ، وقريب منه قول الكوفيين : إن أصله فعيل كطويل فقلب ، وهل هو اسم جنس أو صفة بمعنى نازل أو منزل ؟ قولان أشهرهما الأول ، وأكثر نظائره في الوزن من الثاني ، وقرئ ( أو كصائب ) وصيب أبلغ منه ، والتنكير فيه للتنويع والتعظيم ، والسماء كل ما علاك من سقف ونحوه والمعروفة عند خواص أهل الأرض والمرئية عند عوامهم ، وأصلها الواو من السمو وهي مؤنثة( {[134]} ) وقد تذكر كما في قوله :

فلو رفع السماء إليه قوما *** لحقنا بالسماء مع السحاب

وتلحقها هاء التأنيث فتصح الواو حينئذ كما قاله أبو حيان لأنها بنيت عليها الكلمة فيقال سماوة وتجمع على سموات وأسمية وسمائيّ ، والكل كما في «البحر » شاذ لأنها اسم جنس وقياسه أن لا يجمع ، وجمعه بالألف والتاء خال عن شرط ما يجمع بهما قياساً ، وجمعه على أفعلة ليس مما ينقاس في المؤنث ، وعلى فعائل لا ينقاس في فعال . والمراد بالسماء هنا الأفق والتعريف للاستغراق لا للعهد الذهني كما ينساق لبعض الأذهان فيفيد أن الغمام آخذ بالآفاق كلها فيشعر بقوة المصيبة مع ما فيه من تمهيد الظلمة ولهذا القصد ذكرها ، وعندي أن الذكر يحتمل أن يكون أيضاً للتهويل والإشارة إلى أن ما يؤذيهم جاء من فوق رؤوسهم وذلك أبلغ في الإيذاء كما يشير إليه قوله تعالى : { يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ الحميم } [ الحج : 9 1 ] وكثيراً ما نجد أن المرء يعتني بحفظ رأسه أكثر مما يعتني بحفظ سائر أطرافه حتى أن المستطيع من الناس يتخذ طيلساناً لذلك ، والعيان الوجدان أقوى شاهد على ما قلنا .

و{ مِنْ } لابتداء الغاية ، وقيل : يحتمل أن تكون للتبعيض على حذف مضاف أي من أمطار السماء وليس بشيء ، وزعم بعضهم أن الآية تبطل ما قيل : إن المطر من أبخرة متصاعدة من السفل وهو من أبخرة الجهل إذ ليس في الآية سوى أن المطر من هذه الجهة وهو غير مناف لما ذكر ، كيف والمشاهدة تقضي به فقد حدثني من بلغ مبلغ التواتر أنهم شاهدوا وهم فوق الجبال الشامخة سحاباً يمطر أسفلهم وشاهدوا تارات أبخرة تتصاعد من نحو الجبال فتنعقد سحاباً فيمطر ، فإياك أن تلتفت لبرق كلام خلب ولا تظن أن ذلك علم فالجهل منه أصوب ، ثم حمل الصيب هنا على السحاب وإن كان محتملاً غير أنه بعيد بعد الغمام وكذا حمل السماء عليه .

{ فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } أي معه ذلك كما في قوله تعالى : { ادخلوا في أُمَمٍ } [ الأعراف : 8 3 ] وإذا حملت { فِي } على الظرفية كما هو الشائع في كلام المفسرين احتيج إلى حمل الملابسة التي تقتضيها الظرفية على مطلق الملابسة الشاملة للسببية والمجاورة وغيرهما ففيه بذلك المعنى ظلمات ثلاث ظلمة تكاثفه بتتابعه ، وظلمة غمامه من ظلمة الليل التي يستشعرها الذوق من قوله تعالى : { كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } [ البقرة : 0 2 ] وكذا فيه رعد وبرق لأنهما في منشئه ومحل ينصب منه ، وقيل : فيه وهو كما قال الشهاب وهم نشأ من عدم التدبر ، وإن كان المراد بالصيب السحاب فأمر الظرفية أظهر ، والظلمات حينئذ ظلمة السحمة والتطبيق مع ظلمة الليل ، وجمع الظلمات على التقديرين مضيء ، ولم يجمع الرعد والبرق وإن كانا قد جمعا في «لسان العرب » ، وبه تزداد المبالغة وتحصل المطابقة مع الظلمات والصواعق لأنهما مصدران في الأصل ، وإن أريد بهما العينان هنا كما هو الظاهر ، والأصل في المصدر أن لا يجمع على أنه لو جمعا لدل ظاهراً على تعدد الأنواع كما في المعطوف عليه ، وكل من الرعد والبرق نوع واحد . وذكر الشهاب مدعياً أنه مما لمعت به بوارق الهداية في ظلمات الخواطر نكتة سرية في إفرادهما هنا وهي أن الرعد كما ورد في الحديث وجرت به العادة يسوق السحاب من مكان لآخر فلو تعدد لم يكن السحاب مطبقاً فتزول شدة ظلمته وكذا البرق لو كثر لمعانه لم تطبق الظلمة كما يشير إليه قوله تعالى : { كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } [ البقرة : 0 2 ] فإفرادهما متعين هنا وعندي وهو من أنوار العناية المشرقة على آفاق الأسرار أن النور لما لم يجمع في آية من القرآن لما تقدم لم يجمع البرق ؛ إذ ليس هو البعيد عنه كما يرشدك إليه { كُلمَا أَضَاء لَهُم } [ البقرة : 20 ] والرعد مصاحب له فانعكست أشعته عليه .

أو ما ترى الجلد الحقير مقبلا *** بالثغر لما صار جار المصحف

وارتفاع ظلمات إما على الفاعلية للظرف المعتمد على الموصوف أو على الابتدائية والظرف خبره وجعل الظرف حالاً من النكرة المخصصة وظلمات فاعله لا يخلو عن ظلمة البعد كما لا يخفى . وللناس في الرعد والبرق أقوال : والذي عول عليه أن الأول : صوت زجر الملك الموكل بالسحاب ، والثاني : لمعان مخاريقه التي هي من نار . والذي اشتهر عند الحكماء أن الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حللت منها أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية فيركب منهما دخان ويختلط بالبخار وهو الحادث بسبب الحرارة السماوية إذا أثرت في البلة ويتصاعدان معا إلى الطبقة الباردة وينعقد ثمة سحاب ويحتقن الدخان فيه ويطلب الصعود إن بقي على طبعه الحار والنزول إن ثقل وبرد وكيف كان يمزق السحاب بعنفه فيحدث منه الرعد ، وقد تشتعل منه لشدة حركته ومحاكته نار لامعة وهي البرق إن لطفت والصاعقة إن غلظت ، وربما كان البرق سبباً للرعد فإن الدخان المشتعل ينطفئ في السحاب فيسمع لانطفائه صوت كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا ، والرعد والبرق يكونان معا إلا أن البرق يرى في الحال لأن الأبصار لا يحتاج إلى المحاذاة من غير حجاب ، والرعد يسمع بعد لأن السماع إنما يحصل بوصول تموج الهواء إلى القوة السامعة وذلك يستدعي زماناً كذا قالوه ، وربما يختلج في ذهنك قرب هذا ولا تدري ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسري به ليلاً بلا رعد ولا برق على ظهر البراق وعرج إلى ذي المعارج حيث لا زمان ولا مكان فرجع وهو أعلم خلق الله على الإطلاق صلى الله عليه وسلم فأنا بحول من عز حوله وتوفيق من غمرني فضله أوفق بما يزيل الغين عن العين ويظهر سر جوامع الكلم التي أوتيها سيد الكونين صلى الله عليه وسلم .

فأقول : قد صح عند أساطين الحكمة والنبوة مما شاهدوه في أرصادهم الروحانية في خلواتهم ورياضاتهم وكذا عند سائر المتألهين الربانيين من حكماء الإسلام والفرس وغيرهم أن لكل نوع جسماني من الأفلاك والكواكب والبسائط العنصرية ومركباتها رباً هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر له حافظ إياه وهو المنمي والغاذي والمولد في النبات والحيوان والإنسان لامتناع صدور هذه الأفعال المختلفة في النبات والحيوان عن قوة بسيطة لا شعور لها وفينا عن أنفسنا وإلا لكان لنا شعور بها ، فجميع هذه الأفعال من الأرباب وإلى تلك الأرباب أشار صاحب الرسالة العظمى صلى الله عليه وسلم بقوله : " وإن لكل شيء ملكاً " حتى قال : " إن كل قطرة من القطرات ينزل معها ملك " وقال : " أتاني ملك الجبال وملك البحار " وحكى أفلاطون عن نفسه أنه خلع الظلمات النفسانية والتعلقات البدنية وشاهدها ، وذكر مولانا الشيخ صدر الدين القونوي قدس سره في «تفسيره الفاتحة » أنه ما ثم صورة إلا ولها روح ، وأطال أهل الله تعالى الكلام في ذلك ، فإذا علمت هذا فلا بعد في أن يقال : أراد صلى الله عليه وسلم بالملك الموكل بالسحاب في بيان الرعد هو هذا الرب المدبر الحافظ وبزجره تدبيره له حسب استعداده وقابليته ، وأراد بصوت ذلك الزجر ما يحدث عند الشق بالأبخرة الذي يقتضيه ذلك التدبير ، وأراد بالمخاريق في بيان البرق ، وهي جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف وتضرب به الصبيان بعضهم بعضاً الآلة التي يحصل بواسطتها الشق ، ولا شك أنها كما قررنا من نار أشعلتها شدة الحركة والمحاكة فظهرت كما ترى ، وحيث فتحنا لك هذا الباب قدرت على تأويل كثير مما ورد من هذا القبيل حتى قولهم : إن الرعد نطق الملك والبرق ضحكه ، وإن كان بحسب الظاهر مما يضحك منه ، ولم أر أحداً وفق فوفق وتحقق فحقق والله تعالى الموفق وهو حسبي ونعم الوكيل .

{ يَجْعَلُونَ أصابعهم في ءاذَانِهِم مّنَ الصواعق حَذَرَ الموت } الضمائر عائدة على المحذوف المعلوم فيما قبل وكثيراً ما يلتفت إليه كما في قوله تعالى : { وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف : 4 ] . والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل عند بيان أحوالهم الهائلة فماذا يصنعون في تضاعيف تلك الشدة فقال : { يَجْعَلُونَ } الخ ، وجوزوا وجوهاً أخر ككونها في محل جر صفة للمقدر وجوز فيها وفي { يَكَادُ } [ البقرة : 0 2 ] كونها صفة صيب بتأويل نحو لا يطيقونه أو في محل نصب على الحال من ضمير فيه ، والعائد محذوف أو اللام نائبة عنه أي صواعقه ، والجعل في الأصل الوضع . والأصابع جمع إصبع وفيه تسع لغات حاصلة من ضرب أحوال الهمزة الثلاث في أحوال الباء كذلك ، وحكوا عاشرة وهي أصبوع بضمها مع واو وهي مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإبهام فبعض بني أسد يذكرها والتأنيث أجود . وفي الآية مبالغة في فرط دهشتهم وكمال حيرتهم كما في الفرائد من وجوه . أحدها : نسبة الجعل إلى كل الأصابع وهو منسوب إلى بعضها وهو الأنامل وثانيها : من حيث الإبهام في الأصابع والمعهود إدخال السبابة فكأنهم من فرط دهشتهم يدخلون أي أصبح كانت ولا يسلكون المسلك المعهود وثالثها : في ذكر الجعل موضع الإدخال فإن جعل شيء في شيء أدل على إحاطة الثاني بالأول من إدخاله فيه ، وهل هذا من المجاز اللغوي لتسمية الكل باسم جزئه أو للتجوز في الجعل ؟ أو هو من المجاز العقلي بأن ينسب الجعل للأصابع وهو للأنامل ، فيه خلاف والمشهور هو الأول وعليه الجمهور . وابن مالك وجماعة على الأخير ظناً منهم أن المبالغة في الاحتراز عن استماع الصاعقة إنما يكون عليه ولم يكتفوا فيها بتبادر الذهن إلى أن الكل أدخل في الأذن قبل النظر للقرينة ، وقيل : لا مجاز هنا أصلاً لأن نسبة بعض الأفعال إلى ذي أجزاء تنقسم يكفي فيه تلبسه ببعض أجزائه كما يقال : دخلت البلد وجئت ليلة الخميس/ ومسحت بالمنديل فإن ذلك حقيقة من أن الدخول والمجيء والمسح في بعض البلد ، والليلة ، والمنديل ولا يخفى أن كون مثل ذلك حقيقة ليس على إطلاقه ، والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر . و{ مِنْ } تعليلية تغني غناء اللام في المفعول له وتدخل على الباعث المتقدم والغرض المتأخر وهي متعلقة ب { يَجْعَلُونَ } وتعلقها بالموت بعيد أي يجعلون من أجل الصواعق وهي جمع صاعقة ولا شذوذ ، والظاهر أنها في الأصل صفة من الصعق وهو الصراخ وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث أو للمبالغة إن لم تقدر كراوية أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية كحقيقة وقيل : إنها مصدر كالعافية والعاقبة وهي اسم لكل هائل مسموع أو مشاهد ، والمشهور أنها الرعد الشديد معه قطعة من نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه ، وقد يكون معه جرم حجري أو حديدي ، وسد الآذان إنما ينفع على المعنى الأول ، وقد يراد المعنى الثاني ويكون في الكلام إشارة إلى مبالغة أخرى في فرط دهشتهم حيث يظنون ما لا ينفع نافعاً ، وقرأ الحسن ( من الصواقع ) وهي لغة بني تميم كما في قوله :

ألم تر أن المجرمين أصابهم *** صواقع لا بل هن فوق الصواقع

وليس من باب القلب على الأصح إذ علامته كون أحد البناءين فائقاً للآخر ببعض وجوه التصريف والبناءان هنا مستويان في التصرف . و{ حَذَرَ الموت } نصب على العلة ل { يَجْعَلُونَ } وإن كان من الصواعق في المعنى مفعولاً له كان هناك نوعان منصوب ومجرور ، ولزوم العطف في مثله غير مسلم خلافاً لمن زعمه ولا مانع من أن يكون علة له مع علته كما أن من الصواعق علة له نفسه ، وورد مجيء المفعول له معرفة وإن كان قليلاً كما في قوله :

وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً

وجعله مفعولاً مطلقاً لمحذوف أي يحذرون حذر الموت بعيد . وقرأ قتادة والضحاك وابن أبي ليلى ( حذار ) وهو كحذر شدة الخوف . والموت في المشهور زوال الحياة عما يتصف بها بالفعل وإطلاقه على العدم السابق في قوله سبحانه : { وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ البقرة : 8 2 ] مجاز ولا يرد قوله تعالى : { خَلَقَ الموت } [ الملك : 2 ] إذ لخلق فيه بمعنى التقدير وتعيين المقدار بوجه ما وهو مما يوصف به الموجود والمعدوم لأن العدم كالوجود له مدة ومقدار معين عنده تعالى ، وقيل : المراد بخلق الموت إحداث أسبابه ، وقيل : إنه العدم مطلقاً وإن لم يكن مخلوقاً إلا أن إعدام الملكات مخلوقة لما فيها من شائبة التحقق بمعنى أن استعداد الموضوع معتبر في مفهومها وهو أمر وجودي فيجوز أن يعتبر تعلق الخلق والإيجاد باعتبار ذلك ، وصحح محققو أهل السنة أن الموت صفة وجودية خلقت ضداً للحياة ، ولهذا يظهر كما في الحديث : «يوم تتجسد المعاني كما قال أهل الله تعالى بصورة كبش أملح » ويصير عدماً محضاً إذ يذبح بمدية الحياة التي لا ينتهي أمدها .

{ والله مُحِيطٌ بالكافرين } أي : لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط فإحاطته تعالى بهم مجاز تشبيهاً لحال قدرته الكاملة التي لا يفوتها المقدور أصلاً بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته فيكون في الإحاطة استعارة تبعية وإن شبه حاله تعالى وله المثل الأعلى معهم بحال المحيط مع المحاط بأن تشبه هيئة منتزعة من عدة أمور بمثلها كان هناك استعارة تمثيلية لا تصرف في مفرداتها إلا أنه صرح بالعمدة منها وقدر الباقي فافهم .

وجوز أبو علي في { مُحِيطٌ } أن يكون بمعنى مهلك كما في قوله تعالى : { وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ } [ البقرة : 1 8 ] أو عالم علم مجازاة كما في قوله تعالى : { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } [ الجن : 8 2 ] وكل هذا من الظاهر ، ولأهل الشهود كلام من ورائه محيط والواو اعتراضية لا عاطفة ولا حالية والجملة معترضة بين جملتين من قصة واحدة وفيها تتميم للمقصود من التمثيل/ بما تفيده من المبالغة لأن الكافرين وضع موضع الضمير وعبر به إشعاراً باستحقاق ذوي الصيب ذلك العذاب لكفرهم فيكون الكلام على حد قوله تعالى : { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ في هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } [ آل عمران : 7 11 ] فإن التشبيه بحرث قوم كذلك لا يخفى حسنه لأن الإهلاك عن سخط أشد وأبلغ وفيه تنبيه على أن ما صنعوه من سد الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئاً وقد أحاط بهم الهلاك ولا يدفع الحذر القدر وماذا يصنع مع القضاء تدبير البشر . وجعل الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أن المراد ( بالكافرين ) المنافقون ولا محيص لهم عن عذاب الدارين ووسط بين أحوال المشبه به لإظهار كمال العناية بشأن المشبه والتنبيه على شدة الاتصال مما يأباه الذوق السليم .


[133]:_ ذكر مولانا الساليكوتي أن ذوي فقط مقدر والكاف من كصيب زائدة لدخول مثل الأول عليها حكما ولا تقدير، ونقل عن الرضي أن من مواقع زيادة الكاف دخول لفظ مثل عليه وزيادة حرف أهون من تقدير اسم لاسيما إذا رجحه قرب المعطوف عليه فتأمل وتدبر اهـ منه.
[134]:_ والتأنيث لأهل الحجاز والتذكير للتميميين وأهل نجد، وكذا شأنهم في الجنس الذي ميز واحده بتاء تؤنثه اهـ منه.