قوله عز وجل : { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فمما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين } .
واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد : إن لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة ، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك القار ، فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير «وكائن » على وزن كاعن ممدودا مهموزا مخففا ، وقرأ الباقون «كأين » مشدودا بوزن كعين وهي لغة قريش ، ومن اللغة الأولى قول جرير :
وكائن بالأباطح من صديق *** يراني لو أصيب هو المصاب
وكائن ترى في الحي من ذي قرابة *** . . .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { قتل معه } والباقون { قاتل معه } فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم ، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا . قال القفال رحمه الله : والوقف على هذا التأويل على قوله : ( قتل ) وقوله : ( معه ربيون ) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون ، أو يكون على معنى التقديم والتأخير ، أي وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم ، بل مضوا على جهاد عدوهم ، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك ، وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم ، وقد قال تعالى : { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم ، ومن قرأ { قاتل معه } فالمعنى : وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله ، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد . وحجة هذه القراءة أن المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال ، فوجب أن يكون المذكور هو القتال . وأيضا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : ما سمعنا بنبي قتل في القتال .
المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه الله : أجمعوا على أن معنى «كأين » كم ، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم ، ونظيره قوله : { فكأين من قرية أهلكناها } { وكأين من قرية أمليت لها } والكافي في «كأين » كاف التشبيه دخلت على «أي » التي هي للاستفهام كما دخلت على «ذا » من «كذا » و«أن » من كأن ، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا ، تقول : لي عليه كذا وكذا : معناه لي عليه عدد ما ، فلا معنى للتشبيه ، إلا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها ، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير .
المسألة الرابعة : قال صاحب «الكشاف » : الربيون الربانيون ، وقرئ بالحركات الثلاث والفتح على القياس ، والضم والكسر من تغييرات النسب . وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال : الربيون : الأولون ، وقال الزجاج : هم الجماعات الكثيرة ، الواحد ربي ، قال ابن قتيبة : أصله من الربة وهي الجماعة ، يقال : ربي كأنه نسب إلى الربة . وقال الأخفش : الربيون الذين يعبدون الرب ، وطعن فيه ثعلب ، وقال : كان يجب أن يقال : ربي ليكون منسوبا إلى الرب ، وأجاب من نصر الأخفش وقال : العرب إذا نسبت شيئا إلى شيء غيرت حركته ، كما يقال : بصري في النسب إلى البصرة ، ودهري في النسبة إلى الدهر ، وقال ابن زيد : الربانيون الأئمة والولاة ، والربيون الرعية ، وهم المنتسبون إلى الرب .
واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيون نوعين : أولا بصفات النفي ، وثانيا بصفات الإثبات ، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى : { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة ، قال صاحب «الكشاف » : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار ، عند الإرجاف بقتل رسولهم ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي ، وطلب الأمان من أبي سفيان ، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم ، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم ، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم ، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم ، وفيه وجه ثالث وهو أن الوهن ضعف يلحق القلب . والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم ، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة ، قال الواحدي : الاستكانة الخضوع ، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد .
ثم قال تعالى : { والله يحب الصابرين } والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فإن الله يحبه ، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه وإعزازه وتعظيمه ، والحكم له بالثواب والجنة ، وذلك نهاية المطلوب .
ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم . من موكب الإيمان اللاحب الممتد على طول الطريق ، الضارب في جذور الزمان . . من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم ، وقاتلوا مع أنبيائهم ، فلم يجزعوا عند الابتلاء ؛ وتأدبوا - وهم مقدمون على الموت - بالأدب الإيماني في هذا المقام . . مقام الجهاد . . فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم ؛ وأن يجسموا أخطاءهم فيروها " إسرافا " في أمرهم . وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار . . وبذلك نالوا ثواب الدارين ، جزاء إحسانهم في أدب الدعاء ، وإحسانهم في موقف الجهاد . وكانوا مثلا يضربه الله للمسلمين :
( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا . والله يحب الصابرين . وما كان قولهم إلا أن قالوا : ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ؛ وثبت أقدامنا ؛ وانصرنا على القوم الكافرين . فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة . والله يحب المحسنين ) . .
لقد كانت الهزيمة في " أحد " ، هي أول هزيمة تصدم المسلمين ، الذين نصرهم الله ببدر وهم ضعاف قليل ؛ فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية . فلما أن صدمتهم أحد ، فوجئوا بالابتلاء كأنهم لا ينتظرونه !
ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم . واستطرد السياق يأخذ المسلمين بالتأسية تارة ، وبالاستنكار تارة ، وبالتقرير تارة ، وبالمثل تارة ، تربية لنفوسهم ، وتصحيحا لتصورهم ، وإعدادا لهم . فالطريق أمامهم طويل ، والتجارب أمامهم شاقة ، والتكاليف عليهم باهظة ، والأمر الذي يندبون له عظيم .
والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام ، لا يحدد فيه نبيا ، ولا يحدد فيه قوما . إنما يربطهم بموكب الإيمان ؛ ويعلمهم أدب المؤمنين ؛ ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة وفي كل دين ؛ ويربطهم بأسلافهم من اتباع الأنبياء ؛ ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين ؛ ويقر في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد . وإنهم كتيبة في الجيش الإيماني الكبير :
( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير . فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) . .
. . وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة . فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلاء والكرب والشدة والجراح . وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح ، وما استسلموا للجزع ولا للأعداء . . فهذا هو شأن المؤمنين ، المنافحين عن عقيدة ودين . .
الذين لا تضعف نفوسهم ، ولا تتضعضع قواهم ، ولا تلين عزائمهم ، ولا يستكينون أو يستسلمون . . والتعبير بالحب من الله للصابرين . له وقعه . وله إيحاؤه . فهو الحب الذي يأسو الجراح ، ويمسح على القرح ، ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير !
{ وَكَأَيّن } كلام مبتدأ سيق توبيخاً للمنهزمين أيضاً حيث لم يستنوا بسنن الربانيين المجاهدين مع الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أولى بذلك حيث كانوا خير أمة أخرجت للناس . وقد اختلف في هذه الكلمة فقيل : إنها بسيطة وضعت كذلك ابتداءاً والنون أصلية ، وإليه ذهب ابن حيان وغيره ، وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم ، وقيل ، وهو المشهور : إنها مركبة من أي المنونة وكاف التشبيه ؛ واختلف في أي هذه فقيل : هي أي التي في قولهم : أي الرجال ، وقال ابن جني : إنها مصدر أوى يأوي إذا انضم واجتمع وأصله أوى فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت مثل طى وشى وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث في كذا بعد التركيب معنى آخر فكم وكأين بمعنى واحد قالوا : وتشاركها في خمسة أمور : الإبهام ، والافتقار إلى التمييز ، والبناء ، ولزوم التصدير ، وإفادة التكثير ، وهو الغالب والاستفهام وهو نادر ، ولم يثبته إلا ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك ، واستدل عليه بقول أبيّ بن كعب لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما : كائن تقرأ سورة الأحزاب آية فقال : ثلاثاً وسبعين ، وتخالفها في خمسة أمور أيضاً ، أحدها : أنها مركبة في المشهور وكم بسيطة فيه ، خلافاً لمن زعم أنها مركبة من الكاف وما الاستفهامية ثم حذفت ألفها لدخول الجار وسكنت للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب ، والثاني : أن مميزها مجرور بمن غالباً حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك ويرده نص سيبويه على عدم اللزوم ، ومن ذلك قوله :
اطرد اليأس بالرجاء ( فكائن ) *** ألما حم يسره بعد عسر
والثالث : أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور ، والرابع : أنها لا تقع مجرورة خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور أجازا بكاين تبيع الثواب ، والخامس : أن خبرها لا يقع مفرداً ، وقالوا : إن بينها وبين كذا موافقة ومخالفة أيضاً فتوافقها كذا في أربعة أمور : التركيب ، والبناء ، والإبهام ، والافتقار إلى التمييز ، وتخالفها في ثلاثة أمور : الأول : أنها ليس لها الصدر تقول : قبضت كذا وكذا درهما . الثاني : أن تمييزها واجب النصب فلا يجوز جره بمن اتفاقا ولا بالإضافة خلافاً للكوفيين أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال : كذا ثوب وكذا أثواب قياساً على العدد الصريح ، ولهذا قال فقهاؤهم : إنه يلزم بقول القائل له عندي كذا درهم مائة ، وبقوله : كذا دراهم ثلاثة ، وبقوله : كذا كذا ردهماً أحد عشر ، وبقوله : كذا درهماً عشرون ، وبقوله : كذا وكذا درهماً أحد وعشرون حملا على المحقق من نظائرهن من العدد الصريح ؛ ووافقهم على هذا التفصيل غير مسألتي الإضافة ، المبرد والأخفش والسيرافي وابن عصفور ، ووهم ابن السيد في نقل الإجماع على إجازة ما أجازه المبرد ومن ذكر معه ، الثالث : أنها لا تستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها كقوله :
عد النفس نعمي بعد بؤسك ذاكرا *** ( كذا وكذا لطفاً به نسى الجهد )
وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا كذا درهما ، وذكر ابن مالك أنه مسموع لكنه قليل قاله ابن هشام ، ثم إن إثبات تنوين كأين على القول المشهور ، في الوقف والخط على خلاف القياس لما أنه نسخ أصلها ، وفيه لغات وكلها قد قرىء به : أحدها : كأين بالتشديد على الأصل وهي اللغة المشهورة ، وبها قرأ الجمهور ، والثانية : كائن بألف بعدها همزة مكسورة من غير ياء على وزن كاعن كاسم الفاعل ، وبها قرأ ابن كثير ومن ذلك قوله :
( وكائن ) لنا فضلا عليكم ومنة *** قديماً ولا تدرون ما من منعم
واختلف في توجيهها فعن المبرد أنها اسم فاعل من كان يكون وهو بعيد الصحة إذ لا وجه لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير ، وقيل : أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة وصار كيئن بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون ، ووزنه كعلف ، ونظير هذا التصرف في المفرد تصرفهم في المركب كما ورد في لغة نادرة رعملي بتقديم الراء في العمري ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها أو حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف وقلبت الياء الساكنة ألفاً كما في آية ، ونظيره في حذف إحدى الياءين وقلب الأخرى ألفاً طائي في النسبة إلى طي اسم قبيلة فإن أصله طيىء بياءين مشددتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى ، والثالثة : كأي بياء بعد الهمزة ، وبها قرأ ابن محيصن ، ووجهها أنها حذفت الياء الثانية وسكنت الهمزة لاختلاط الكلمتين وجعلهما كالكلمة الواحدة كما سكنوا الهاء في لهو وفهو ، وحركت الياء لسكون ما قبلها ، والرابعة : كيئن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة ؛ والخامسة : كئن بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون ، ووزنه كع ، وورد ذلك في قوله :
( كئن ) من صديق خلته صادق الإخا *** أبان اختباري إنه لمداهن
ووجهه أنه حذفت إحدى الياءين ثم حدفت الأخرى للتنوين أو حذفتا دفعة واحدة ، واحتمل ذلك لما امتزج الحرفان والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها ، ومن قال به كالحوفي فقد تعسف ، وموضعهما رفع بالابتداء .
وقوله تعالى : { مّن نَّبِىٍّ } تمييز له كتمييزكم ، وقد تقدم آنفاً الكلام في ذلك ، ولعل المراد من النبي هنا الرسول وبه صرح الطبرسي { قَتْلَ * مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } أي جموع كثيرة ، وهو التفسير المشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، واستشهد له كما رواه ابن الأنباري حين سأله نافع بن الأزرق بقول حسان :
وإذا معشر تجافوا عن القص *** د ( أملنا عليهم ربّيا )
وعليه فهو منسوب إلى ربة بكسر الراء وكون الضم فيها لغة غير متحقق وهي الجماعة للمبالغة وخصها الضحاك بألف ، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنهم العلماء الفقهاء ، وأخرجه ابن جبير عن ابن عباس أيضاً وعليه فهو منسوب إلى الرب كرباني على خلاف القياس كقراءة الضم ، والموافق له الفتح وبه قرىء وقال ابن زيد : الرّبّيون هم الأتباع والربانيون الولاة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب قتل بالبناء للمفعول ، وفي خبر المبتدأ أوجه : أحدها : أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى كأين أو إلى نبي وحينئذ فمعه ربيون جملة حالية من الضمير ، أو من نبي لتخصيصه معنى ، أو معه حال وربيون فاعله . وثانيها : أنه جملة { مَعَهُ رِبّيُّونَ } فحينئذ تكون جملة الفعل مع مرفوعه صفة لنبي وثالثها : أنه محذوف وتقديره مضى ونحوه ، وحينئذ يجوز أن يكون الفعل صفة لنبي ، و { مَعَهُ رِبّيُّونَ } حالاً على ما تقدم ، ويجوز أن يكون الفعل مسنداً لربيون فلا ضمير فيه والجملة صفة لنبي ، ورابعها : أن يكون { رِبّيُّونَ } مرفوعاً بالفعل فلا ضمير ، والجملة هي الخبر .
وقرئ قتل بالتشديد قال ابن جني : وحينئذ فلا ضمير في الفعل لما في التضعيف من الدلالة على التكثير وهو ينافي إسناده إلى الواحد ، وأجيب بأنه لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة . واعترض بأنه خلاف الظاهر ، ومن هنا قيل : إن هذه القراءة تؤيد إسناد قتل إلى الربيين ويؤيدها أيضاً ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جبير أنه كان يقول : ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال ، وقول الحسن وجماعة : لم يقتل نبي في الحرب قط ، ثم إن من ادعى إسناد القتل إلى النبي وأنه في الحرب أيضاً على ما يشعر به المقام ، حمل النصرة الموعود بها في قوله تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه لا على الأعداء مطلقاً لئلا تتنافى الآيتان ، وهذا أحد أجوبة في هذا المقام تقدمت الإشارة إليها فتذكر ، والتنوين في { نَّبِىٍّ } للتعظيم . وزعم الأجهوري أنه للتكثير .
{ فَمَا وَهَنُواْ } عطف على قاتل على أن المراد عدم الوهن المتوقع من القتال والتلبس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه ، وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهر لكنه بحسب الحقيقة كما قال مولانا شيخ الإسلام : صنع جديد ، ومن هنا صح دخول الفاء المؤذنة بترتب ما بعدها على ما قبلها ، ومن ذلك قولهم : وعظته فلم يتعظ ، وزجرته فلم ينزجر ، وأصل الوهن الضعف ، وفسره قتادة وابن أبي مالك هنا بالعجز ، والزجاج بالجبن أي فما عجزوا أو فما جبنوا { لِمَا أَصَابَهُمْ في سَبِيلِ الله } في أثناء القتال وهذا علة للمنفي لا للنفي ، نعم يفهم المنفي من تقييد المثبت بهذا الظرف و ما موصولة أو موصوفة ، فإن جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل ، وإن جعلا للبعض الباقين بعد قتل الآخرين وهو الأنسب كما قيل : بمقام توبيخ المنخذلين بعد ما استشهد الشهداء فهي عبارة عن ذلك أيضاً مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو الخوف والحزن ، هذا على القراءة المشهورة ، وأما على القراءتين الأخيرتين أعني قتل ، وقتل على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة فقد قالوا : إن أسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتماً والكلام حينئذ من قبيل قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم ولم يستأصلهم ، وإن أسند إلى الضمير كما هو الظاهر الأنسب عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الارجاف بقتله صلى الله عليه وسلم .
وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبي إسحق والسدي كما قيل فهما للباقين أيضاً إن اعتبر كون الربيين مع النبي في القتل ، وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال .
{ وَمَا ضَعُفُواْ } أي ما فتروا عن الجهاد قاله الزجاج ، وقيل : ما عراهم ضعف في الدين بأن تغير اعتقادهم لعدم النصر { وَمَا استكانوا } أي ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم قاله قتادة ، وقيل : ما خضعوا لعدوهم ، وإليه يشير كلام ابن عباس ، وكثيراً ما يستعمل استكان بهذا المعنى ، وكذا بمعنى تضرع ، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأن الخاضع يسكن لمن خضع له ، فألفه للاشباع ، وهو كثير وليس بخطأ ، خلافاً لأبي البقاء ، ولا يختص بالشعر خلافاً لأبي حيان ، أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو السين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره ، وقيل : لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود . وجوز أن يكون من قول العرب : بات فلان بكينة سوء أي بحالة سوء ، أو من كانه يكينه إذا أذله ، وعزى ذلك إلى الأزهري وأبي علي ، وحينئذ فألفه منقلبة عن ياء ، والجمهور على فتح الهاء من وهنوا وقرىء بكسرها وهي لغة والفتح أشهر ، وقرىء بإسكانها على تخفيف المكسور وفي الكلام تعريض لا يخفى .
{ والله يُحِبُّ الصابرين } على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم . والمراد بالصابرين إما الربيون ، والإظهار في موضع الاضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك الأمر مع الإشعار بعلة الحكم ، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً . والجلمة على التقديرين تذييل لما قبلها .
( هذا ومن باب الإشارة ) { وَكَأَيّن } وكم { مّن نَّبِيٍّ } مرتفع القدر جليل الشأن وهو في الأنفس الروح القدسية { قَاتَلَ مَعَهُ } عدو الله تعالى أعني النفس الأمارة { رِبّيُّونَ } متخلقون بأخلاق الرب وهم القوى الروحانية { فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ في سَبِيلِ الله } وطريق الوصول إليه من تعب المجاهدات { وَمَا ضَعُفُواْ } في طلب الحق { وَمَا استكانوا } وما خضعوا للسوي
{ والله يُحِبُّ الصابرين } [ آل عمران : 146 ] على مقاساة الشدائد في جهاد النفس .