فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (146)

و كأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين146 وما كان قولهم إلا ان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين147

( و كأين ) قال الخليل وسيبويه :هي أي الاستفهامية وكاف التشبيه بمعنى كم التكثيرية وهي كناية عن عدد مبهم . و ( من نبي ) تمييز لها ، وفي كأين خمس لغات ذكرها في الجمل واختار الشيخ أن كأين كلمة بسيطة غير مركبة وان آخرها نون هي من نفس الكلمة لا تنوين لان هذه الدعاوي لا يقوم عليها دليل . والشيخ سلك في ذلك الطريق الأسهل ، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد وتشحيذ الذهن وتمرينه ، وأطال في الجمل الكلام على كأين من حيث الأفراد والتركيب ليس في ذكره هنا كثير فائدة .

وقرئ ( قتل ) على البناء للمجهول واختارها ابو حاتم ولها وجهان ( أحدهما ) ان يكون في قتل الضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحينئذ يكون قوله ( معه ربيون ) جملة حالية ، والثاني ان يكون القتل واقعا على ( ربيون ) فلا يكون في قتل ضمير ، والمعنى بعض أصحابه وهم الربيون ، ورجح الزمخشري هذا بقراءة قتادة قتل بالتشديد .

وقرئ ( قاتل ) واختارها أبو عبيد وقال إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه ، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه من قاتل ولم يقتل ، فقاتل أعم وأمدح ، ويرجح هذه القراءة الأخرى .

والوجه الثاني من القراءة الأولى قول الحسن ما قتل نبي في حرب قط ، وقيل قتل فارغ من الضمير مسند إلى ربيون ، والربيون بكسر الراء قراءة الجمهور ، وقرأ علي بضمها وابن عباس بفتحها ، قال ابن جني والفتح لغة تميم وواحدة ربي منسوب إلى الرب ، والربي بضم الراء وكسرها منسوب إلى الربة بكسر الراء وضمها وهي الجماعة ولهذا فسرهم جماعة من السلف بالجماعات الكثيرة ، وقيل هم الأتباع .

قال الخليل الربي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعباد ومعرفة الربيون ، وقال الزجاج الربيون بالضم الجماعات ، وقال النقاش هم المكثرون العلم من قولهم ربا يربو إذا كثر ، وقال ابن مسعود ربيون ألوف ، عن الضحاك الربة الواحدة ألف ، وعن ابن عباس قال جموع وعلماء .

( كثير ) والمعنى ان كثيرا من الأنبياء قتلوا ( فما وهنوا ) قرئ بفتح الهاء وبكسرها وهما لغتان والوهن انكسار الجسد بالخوف وهن الشئ يهن وهنا كوعد يعد ، ووهن يوهن كوجل يوجل ضعف أي ما جبنوا عن الجهاد ( لما أصابهم ) أي نالهم ( في سبيل الله ) من ألم الجروح وقتل الأنبياء و الأصحاب والقروح ( وما ضعفوا ) أي عن عدوهم بل استمروا على جهادهم ، لأن الذي أصابهم هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة نبيه ، فكان ينبغي لكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ان تفعلوا مثل ذلك ، قرئ ضعفوا بضم العين وفتحها وحكاها الكسائي لغة .

( وما استكانوا ) لما أصابهم في الجهاد والاستكانة الذلة والخضوع ، وقال ابن عباس الخشوع ، وعبارة السمين فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه استفعل من الكون والكون و الذل وأصله ستكون ، وقال الزهري وأبو علي :الأصل استكين وقال الفراء :وزنه افتعل من السكون انتهى ، وفي هذا توبيخ لمن انهزم يوم أحد وذل واستكان وضعف بسبب ذلك الإرجاف الواقع من الشيطان ولم يصنع كما صنع أصحاب من خلا من قبلهم من الرسل ( والله يحب الصابرين ) في الجهاد على تحمل الشدائد .