مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا} (15)

قوله تعالى : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا }

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالجميل ، وما يتصل بهذا الباب ، ضم إلى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة ، فإن ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن ، وأيضا ففيه فائدة أخرى : وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن ، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك ، وأيضا فيه فائدة ثالثة ، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم ، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة ، وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط ، فقال : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اللاتي : جمع التي ، وللعرب في جمع «التي » لغات : اللاتي واللات واللواتي واللوات . قال أبو بكر الأنباري : العرب تقول في الجمع من غير الحيوان : التي ، ومن الحيوان : اللاتي ، كقوله : { أموالكم التي جعل الله لكم قياما } وقال في هذه : اللاتي واللائي ، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد ، وأما جمع الحيوان فليس كذلك ، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات ، فهذا هو الفرق ، ومن العرب من يسوى بين البابين ، فيقول : ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا ، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا ، والأول هو المختار .

المسألة الثانية : قوله : { يأتين الفاحشة } أي يفعلنها يقال : أتيت أمرا قبيحا ، أي فعلته قال تعالى : { لقد جئت شيئا فريا } وقال : { لقد جئتم شيئا إدا } وفي التعبير عن الإقدام على الفواحش بهذه العبارة لطيفة ، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي ، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها ، بل المكلف كأنه ذهب إليها من عند نفسه ، واختارها بمجرد طبعه ، فلهذه الفائدة يقال : إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب إليها ، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة . وفي قراءة ابن مسعود : يأتين بالفاحشة ، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة وهي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال : فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة ، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل . وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا ، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح .

فإن قيل : الكفر أقبح منه ، وقتل النفس أقبح منه ، ولا يسمى ذلك فاحشة .

قلنا : السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الإنسان ثلاثة : القوة الناطقة ، والقوة الغضبية والقوة الشهوانية ، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما ، وفساد القوة الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما ، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما أشبهها ، وأخس هذه القوى الثلاثة : القوة الشهوانية ، فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد ، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده .

المسألة الثالثة : في المراد بقوله : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } قولان : الأول : المراد منه الزنا ، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا ، فإذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلا ، وهذا قول جمهور المفسرين .

والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد بقوله : { واللاتي يأتين الفاحشة } السحاقات ، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله : { واللذان يأتيانها منكم } أهل اللواط ، وحدهما الأذى بالقول والفعل ، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور : الزنا بين الرجل والمرأة ، وحده في البكر الجلد ، وفي المحصن الرجم ، واحتج أبو مسلم عليه بوجوه : الأول : أن قوله : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } مخصوص بالنسوان ، وقوله : { واللذان يأتيانها منكم } مخصوص بالرجال ، لأن قوله : { واللذان } تثنية الذكور .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { واللذان } الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ المذكر .

قلنا : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل ، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله : { واللذان يأتيانها منكم } سقط هذا الاحتمال . الثاني : هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات ، بل يكون حكم كل واحدة منها باقيا مقررا ، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ ، فكان هذا القول أولى . والثالث : أن على الوجه الذي ذكرتم يكون قوله : { واللاتي يأتين الفاحشة } في الزنا وقوله : { واللذان يأتيانها منكم } يكون أيضا في الزنا ، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح ، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى . الرابع : أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله : { أو يجعل الله لهن سبيلا } بالرجم والجلد والتغريب ، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } وأما نحن فأنا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح ، ثم قال أبو مسلم : ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم : «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان » واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : الأول : أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا ، والثاني : أنه روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : « قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد »

وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة . الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط ، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة .

والجواب عن الأول : أن هذا الإجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد ، وهو من أكابر المفسرين ، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز .

والجواب عن الثاني : أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز .

والجواب عن الثالث : أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي ؟ وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالإثبات ، فلهذا لم يرجعوا إليها .

المسألة الرابعة : زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة ، وقال أبو مسلم : إنها غير منسوخة ، أما المفسرون : فقد بنوا هذا على أصلهم ، وهو أن هذه الآية في بيان حكم الزنا ، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين : فالأول : أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفي والثيب تجلد وترجم " ثم إن هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي : لا ينسخ واحد منهما بالآخر .

والقول الثاني : أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد .

واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال : القول الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله : «خذوا عني » لما كان لقوله «خذوا عني » فائدة فوجب أن يكون قوله : «خذوا عني » متقدما على آية الجلد ، وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد ، فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر .

واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين : الأول :

ما ذكره أبو سليمان الخطابي في معالم السنن فقال : لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث ألبتة ، وذلك لأن قوله تعالى : { فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } يدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وذلك السبيل كان مجملا ، فلما قال صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى " صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى :

{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لإحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى ، أولى من الحكم بوقوع النسخ مرارا ، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فإنه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو ؟ فلا بد لها من المبين ، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص ، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية الحبس مخصصا لآية الجلد ، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ثلاثة أوجه : الأول : آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم ، فظهر أن الذي قلناه هو الحق الذي لا شك فيه .

الوجه الثاني : في دفع كلام الرازي : إنك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية الجلد متقدمة على قوله : «خذوا عني » فلم قلت أنه يجب أن تكون هذه الآية متأخرة عنه ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ؟ وتقديره أن قوله : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } مخصوص بالإجماع في حق الثيب المسلم ، وتأخير بيان المخصص عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة ، لما أنه يوهم التلبيس ، وإذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا لنزول قوله : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } وعلى هذا التقدير سقط قولك : إن الحديث كان متقدما على آية الجلد . هذا كله تفريع على قول من يقول : هذه الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة ، فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة ، وأما على قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة والله أعلم .

المسألة الخامسة : القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم سؤالات :

السؤال الأول : ما المراد من قوله : { من نسائكم } ؟

الجواب فيه وجوه : أحدها : المراد ، من زوجاتكم كقوله : { والذين يظاهرون من نسائهم } وقوله : { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } وثانيها : من نسائكم ، أي من الحرائر كقوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } والغرض بيان أنه لا حد على الإماء . وثالثها : من نسائكم ، أي من المؤمنات ورابعها : من نسائكم ، أي من الثيبات دون الأبكار .

السؤال الثاني : ما معنى قوله : { فأمسكوهن في البيوت } ؟

الجواب : فخلدوهن محبوسات في بيوتكم ، والحكمة فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز ، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا ، وإذا استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا .

السؤال الثالث : ما معنى { يتوفاهن الموت } والموت والتوفي بمعنى واحد ، فصار في التقدير : أو يميتهن الموت ؟

الجواب : يجوز أن يراد . حتى يتوفاهن ملائكة الموت ، كقوله : { الذين تتوفاهم الملائكة } { قل يتوفاكم ملك الموت } أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن .

السؤال الرابع : إنكم تفسرون قوله : { أو يجعل الله لهن سبيلا } بالحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام : «قد جعل الله لهن سبيلا البكر تجلد والثيب ترجم » وهذا بعيد ، لأن هذا السبيل عليها لا لها ، فإن الرجم لا شك أنه أغلظ من الحبس .

والجواب : أن النبي عليه الصلاة والسلام فسر السبيل بذلك فقال : «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام » ولما فسر الرسول صلى الله عليه وسلم السبيل بذلك وجب القطع بصحته ، وأيضا : له وجه في اللغة فإن المخلص من الشيء هو سبيل له ، سواء كان أخف أو أثقل .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا} (15)

مضى الشوط الأول من السورة ، يعالج تنظيم حياة المجتمع المسلم واستنقاذه من رواسب الجاهلية بإقامة الضمانات لليتامى وأموالهم وأنفسهم في محيط الأسرة ، وفي محيط الجماعة ، يعالج نظام التووعقاب الرجال أيضا عقوبة واحدة هي حد الزنا كما ورد في آية سورة النور ، وهي الجلد ؛ وكما جاءت بها السنة أيضا ، وهي الرجم . والهدف الأخير من هذه أو تلك هو صيانة المجتمع من التلوث ، والمحافظة عليه نظيفا عفيفا شريفا .

وفي كل حالة وفي كل عقوبة يوفر التشريع الإسلامي الضمانات ، التي يتعذر معها الظلم والخطأ والأخذ بالظن والشبهة ؛ في عقوبات خطيرة ، تؤثر في حياة الناس تأثيرا خطيرا .

( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم . فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) . .

وفي النص دقة واحتياط بالغان . فهو يحدد النساء اللواتي ينطبق عليهن الحد : " من نسائكم " - أي المسلمات - ويحدد نوع الرجال الذين يستشهدون على وقوع الفعل : " من رجالكم " - أي المسلمين - فحسب هذا النص يتعين من توقع عليهن العقوبة إذا ثبت الفعل . ويتعين من تطلب إليهم الشهادة على وقوعه .

إن الإسلام لا يستشهد على المسلمات - حين يقعن في الخطيئة - رجالا غير مسلمين . بل لا بد من أربعة رجال مسلمين . منكم . من هذا المجتمع المسلم . يعيشون فيه ، ويخضعون لشريعته ، ويتبعون قيادته ، ويهمهم أمره ، ويعرفون ما فيه ومن فيه . ولا تجوز في هذا الأمر شهادة غير المسلم ، لأنه غير مأمون على عرض المسلمة ، وغير موثوق بأمانته وتقواه ، ولا مصلحة له ولا غيرة كذلك على نظافة هذا المجتمع وعفته ، ولا على إجراء العدالة فيه . وقد بقيت هذه الضمانات في الشهادة حين تغير الحكم ، وأصبح هو الجلد أو الرجم . .

( فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ) . .

لا يختلطن بالمجتمع ، ولا يلوثنه ، ولا يتزوجن ، ولا يزاولن نشاطا . .

( حتى يتوفاهن الموت ) . .

فينتهي أجلهن ، وهن على هذه الحال من الإمساك في البيوت .

( أو يجعل الله لهن سبيلا ) . .

فيغير ما بهن ، أو يغير عقوبتهن ، أو يتصرف في أمرهن بما يشاء . . مما يشعر أن هذا ليس الحكم النهائي الدائم ، وإنما هو حكم فترة معينة ، وملابسات في المجتمع خاصة . وأنه يتوقع صدور حكم آخر ثابت دائم . وهذا هو الذي وقع بعد ذلك ، فتغير الحكم كما ورد في سورة النور ، وفي حديث رسول الله [ ص ] وإن لم تتغير الضمانات المشددة في تحقيق الجريمة .

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت . قال : كان رسول الله [ ص ] إذا نزل عليه الوحي أثر عليه ، وكرب لذلك ، وتغير وجهه . فأنزل الله عليه عز وجل ذات يوم ، فلما سري عنه قال : " خذوا عني . . قد جعل الله لهن سبيلا . . الثيب بالثيب ، والبكر بالبكر . الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة . والبكر جلد مائة ثم نفي سنة " . . وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان ، عن عبادة بن الصامت . عن النبي [ ص ] ولفظه : " خذوا عني . خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام . والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة " . . وقد ورد عن السنة العملية في حادث ماعز والغامدية كما ورد في صحيح مسلم : أن النبي [ ص ] رجمهما ولم يجلدهما . وكذلك في حادث اليهودي واليهودية اللذين حكم في قضيتهما ، فقضى برجمهما ولم يجلدهما . .

فدلت سنته العملية على أن هذا هو الحكم الأخير :

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّـٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا} (15)

{ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ } شروع في بيان بعض الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء إثر بيان أحكام المواريث ، و { اللاتى } جمع التي على غير قياس ، وقيل : هي صيغة موضوعة للجمع ، وموضعها رفع على الابتداء ، والفاحشة ما اشتد قبحه ، واستعملت كثيراً في الزنا لأنه من أقبح القبائح ، وهو المراد هنا على الصحيح ، والإتيان في الأصل المجيء ، وفي «الصحاح » يقال : أتيته أتياً قال الشاعر :

فاختر لنفسك قبل أتى العسكر *** وأتوته أتوة لغة فيه ، ومنه قول الهذلي :

ى كنت إذا أتوته من غيب *** وفي «القاموس » أتوته أتوة( {[233]} ) وأتيته أتياً وإتياناً وإتيانه بكسرهما ، ومأتاة وإتيا كعتى ، ويكسر جئته ، وقد يعبر به كالمجيء والرهق والغشي عن الفعل ، وشاع ذلك حتى صار حقيقة عرفية ، وهو المراد هنا فالمعنى يفعلن الزنا أي يزنين ، والتعبير بذلك لمزيد التهجين ، وقرأ ابن مسعود { يَأْتِينَ } فالإتيان على أصله المشهور ، و { صَلَحَ مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل { يَأْتِينَ } والمراد من النساء كما قال السدي وأخرجه عنه ابن جرير النساء اللاتي قد أنكحن وأحصن ، ومثله عن ابن جبير { فاستشهدوا } أي فاطلبوا أن يشهد { عَلَيْهِنَّ } بإتيانهن الفاحشة { أَرْبَعةً مّنْكُمْ } أي أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم قال الزهري : مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود ، واشترط الأربعة في الزنا تغليظاً على المدعي وستراً على العباد ، وقيل : ليقوم نصاب الشهادة كاملاً على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ولا يخفى ضعفه ، والجملة خبر المبتدأ والفاء مزيدة فيه لتضمن معنى الشرط ، وجاز الإخبار بذلك لأن الكلام صار في حكم الشرط حيث وصلت اللاتي بالفعل قاله أبو البقاء وذكر أنه إذا كان كذلك لم يحسن النصب على الاشتغال لأن تقدير الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز ، وتقديره بعد الصلة يحتاج إلى إضمار فعل غير فاستشهدوا لأنه لا يصح أن يعمل النصب في { اللاتى } ، وذلك لا يحتاج إليه مع صحة الابتداء( {[234]} ) وأجاز قوم النصب بفعل محذوف تقديره اقصدوا اللاتي أو تعمدوا ، وقيل : الخبر محذوف والتقدير فيما يتلى عليكم حكم اللاتي ، فالجار والمجرور هو الخبر وحكم هو المبتدأ فحذفا لدلالة فاستشهدوا لأنه الحكم المتلو عليهم ، والخطاب قيل : للحكام ، وقيل : للأزواج .

{ فَإِن شَهِدُواْ } عليهن بالإتيان . { فَأَمْسِكُوهُنَّ } أي فاحبسوهن عقوبة لهن { فِى البيوت } واجعلوها سجناً عليهن { حتى * يَتوفاهن الموت } المراد بالتوفي أصل معناه أي الاستيفاء وهو القبض تقول : توفيت مالي على فلان واستوفيته إذا قبضته . وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك فهناك استعارة بالكناية والكلام على حذف مضاف ، والمعنى حتى يقبض أرواحهن الموت ولا يجوز أن يراد من التوفي معناه المشهور إذ يصير الكلام بمنزلة حتى يميتهن الموت ولا معنى له إلا أن يقدر مضاف يسند إليه الفعل أي ملائكة الموت ، أو يجعل الإسناد مجازاً من إسناد ما للفاعل الحقيقي إلى أثر فعله .

{ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً } أي مخرجاً من الحبس بما يشرعه من الحدّ لهن قاله ابن جبير وأخرج الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما عن عبادة بن الصامت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك واربدّ وجهه ، وفي لفظ لابن جرير يأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك فأنزل عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة " وروى ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال : كانت المرأة أول الإسلام إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن فإن كان لها زوج أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق وليس عليها حد ولا يجامعها .

وروى ابن جرير عن السدي كانت المرأة في بدء الإسلام إذا زنت حبست في البيت وأخذ زوجها مهرها حتى جاءت الحدود فنسختها ، وحكاية النسخ قد وردت في غير ما طريق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ورويت عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، والناسخ عند بعض آية الجلد على ما في سورة النور وعند آخرين إن آية الحبس نسخت بالحديث ، والحديث منسوخ بآية الجلد ، وآية الجلد بدلائل الرجم . وقال الزمخشري : «من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ، ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال ، ويكون السبيل على هذا النكاح المغني عن السفاح » ، وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في «معالم السنن » : إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله تعالى لهن سبيلاً ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً فلما قال صلى الله عليه وسلم : «خذوا عني » إلى آخر ما في الحديث صار ذلك بياناً لما في تلك الآية لا ناسخاً له ، وصار مخصصاً لعموم آية الجلد ، وقد تقدم لك في سورة البقرة ما ينفعك في تحقيق هذا المقام فتذكره .


[233]:- قوله: في القاموس: أتوته أتوة والذي في القاموس أتوته أتيته فليحرر اهـ مصححه.
[234]:- ولم يمنعوا التقدير مقدما فيما تضمن معنى الشرط لأنه لا يعامل معاملته من كل وجه اهـ منه.