مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ} (3)

ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة والشقاق خوفهم فقال : { كم أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا } والمعنى أنهم نادوا عند نزول العذاب في الدنيا ولم يذكر بأي شيء نادوا ، وفيه وجوه الأول : وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب ليس إلا بالاستغاثة الثاني : نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب الثالث : نادوا أي رفعوا أصواتهم ، يقال فلان أندى صوتا من فلان أي ارفع صوتا ، ثم قال : { ولات حين مناص } يعني ولم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب وهو كقوله : { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا } وقال : { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون } والجؤار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة وكقوله : { الآن وقد عصيت قبل } وقوله : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } بقي ههنا أبحاث :

البحث الأول : في تحقيق الكلام في لفظ { لات } زعم الخليل وسيبويه أن لات هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد ، وبسب هذه الزيادة حدثت لها أحكام جديدة ، منها أنها لا تدخل إلا على الأحيان ، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزءيها ، إما الاسم وإما الخبر ويمتنع بروزهما جميعا ، وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء ، وخصت بنفي الأحيان { وحين مناص } منصوب بها كأنك قلت ولات حين مناص لهم ويرتفع بالابتداء أي ولات حين مناص كائن لهم .

البحث الثاني : الجمهور يقفون على التاء من قوله : { ولات } والكسائي يقف عليها بالهاء كما يفق على الأسماء المؤنثة ، قال صاحب «الكشاف » : وأما قول أبي عبيدة التاء داخلة على الحين فلا وجه له ، واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين في مصحف عثمان فضعيف فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط .

البحث الثالث : المناص المنجا والغوث ، يقال ناصه ينوصه إذا أغاثه ، واستناص طلب المناص ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ} (3)

وعقب على الاستكبار والمشاقة ، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم ، ممن كذبوا مثلهم ، واستكبروا استكبارهم ، وشاقوا مشاقتهم . ومشهدهم وهم يستغيثون فلا يغاثون ، وقد تخلى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذلة ، وتخلوا عن الشقاق ولجأوا إلى الاستعطاف . ولكن بعد فوات الأوان :

( كم أهلكنا من قبلهم من قرن ، فنادوا ، ولات حين مناص ) !

فلعلهم حين يتملون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم ؛ وأن يرجعوا عن شقاقهم . وأن يتمثلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون . ينادون ويستغيثون . وفي الوقت أمامهم فسحة ، قبل أن ينادوا ويستغيثوا ، ولات حين مناص . ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص !

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ} (3)

{ كم أهلكنا من قبلهم من قرن } وعيد لهم على كفرهم به استكبارا وشقاقا . { فنادوا } استغاثة أو توبة أو استغفار . { ولات حين مناص } أي ليس الحين حين مناص ، ولا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب ، وثم خصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين ، وقيل هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم ، وقيل للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص ، وقرئ بالرفع على أنه اسم لا أو مبتدأ محذوف الخبر أي ليس حين مناص حاصلا لهم ، أو لا حين مناص كائن لهم وبالكسر كقوله :

طلبوا صلحنا ولات أوان *** فأجبنا أن لات حين بقاء

إما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر في قوله : لولاك هذا العام لم أحجج .

أو لأن أوان شبه بإذ لأنه مقطوع عن الإضافة إذ أصله أوان صلح ، ثم حمل عليه { مناص } تنزيلا لما أضيف إليه الظرف منزلته لما بينهما من الاتحاد ، إذ أصله يحن مناصهم ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن { ولات } بالكسر كجير ، وتقف الكوفية عليها بالهاء كالأسماء والبصرية بالتاء كالأفعال . وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الإمام ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس إذ مثله لم يعهد فيه ، والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل ولقوله :

العاطفون تحين لا من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم

والمناص المنجا من ناصه ينوصه إذا فاته .