ثم قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا }
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى في هذه السورة ذكر مكارم الأخلاق وأدب نبيه على ما ذكرناه ، لكن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل فكلما ذكر للنبي مكرمة وعلمه أدبا ذكر للمؤمنين ما يناسبه ، فكما بدأ الله في تأديب النبي عليه الصلاة والسلام بذكر ما يتعلق بجانب الله بقوله : { يا أيها النبي اتق الله } وثنى بما يتعلق بجانب من تحت يده من أزواجه بقوله بعد : { يا أيها النبي قل لأزواجك } وثلث بما يتعلق بجانب العامة بقوله : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات } ثم كما ثلث في تأديب النبي بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بجانب نبيهم ، فقال بعد هذا : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } وبقوله : { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : إذا كان الأمر على ما ذكرت من أن هذا إرشاد إلى ما يتعلق بجانب من هو من خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بالذكر ؟ فنقول هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها وبيانه هو أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكد العهد ، ولهذا قال الله تعالى في حق الممسوسة { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا } وإذا أمر الله بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما والقرآن في الحجم صغير ولكن لو استنبطت معانيه لا تفي بها الأقلام ولا تكفي لها الأوراق ، وهذا مثل قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف } لو قال لا تضربهما أو لا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص بالضرب أو الشتم ، أما إذا قال لا تقل لهما أف علم منه معان كثيرة وكذلك ههنا لما أمر بالإحسان مع من لا مودة معها علم منه الإحسان مع الممسوسة ومن لم تطلق بعد ومن ولدت عنده منه .
وقوله : { إذا نكحتم المؤمنات } التخصيص بالذكر إرشاد إلى أن المؤمن ينبغي أن ينكح المؤمنة فإنها أشد تحصينا لدينه ، وقوله : { ثم طلقتموهن } يمكن التمسك به في أن تعليق الطلاق بالنكاح ، لا يصح لأن التطليق حينئذ لا يكون إلا بعد النكاح والله تعالى ذكره بكلمة ثم ، وهي للتراخي وقوله : { فما لكم عليهن من عدة } بين أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يسقط بإسقاطه لما فيه من حق الله تعالى ، وقوله : { تعتدونها } أي تستوفون أنتم عددها { فمتعوهن } قيل بأنه مختص بالمفوضة التي لم يسم لها إذا طلقت قبل المسيس وجب لها المتعة ، وقيل بأنه عام وعلى هذا فهو أمر وجوب أو أمر ندب اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال للوجوب فيجب مع نصف المهر المتعة أيضا ، ومنهم من قال للاستحباب فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشيء ، وقوله تعالى : { وسرحوهن سراحا جميلا } الجمال في التسريح أن لا يطالبها بما آتاها .
( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ، فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) . .
ولقد سبق في سورة البقرة بيان حكم المطلقات قبل الدخول في قوله تعالى :
( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، ومتعوهن على الموسع قدره ، وعلى المقتر قدره ، متاعا بالمعروف حقا على المحسنين . وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح . وأن تعفوا أقرب للتقوى ، ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ) . .
فالمطلقة قبل الدخول إن كان قد فرض لها مهر ، فلها نصف ذلك المهر المسمى . وإن لم يذكر لها مهر فلها متاع يتبع قدرة المطلق سعة وضيقا . . وقد زاد هنا في آية الأحزاب بيان حكم العدة لهذه المطلقة وهو ما لم يذكر في آيتي البقرة . فقرر أن لا عدة عليها . إذ أنه لم يكن دخول بها . والعدة إنما هي استبراء للرحم من الحمل ، وتأكد من أنها خالية من آثار الزواج السابق ، كي لا تختلط الأنساب ، ولا ينسب إلى رجل ما ليس منه ، ويسلب رجل ما هو منه في رحم المطلقة . فأما في حالة عدم الدخول فالرحم بريئة ، ولا عدة إذن ولا انتظار : ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) . . ( فمتعوهن )إن كان هناك مهر مسمى فبنصف هذا المهر ، وإن لم يكن فمتاع مطلق يتبع حالة الزوج المالية . ( وسرحوهن سراحا جميلا ) . . لا عضل فيه ولا أذى . ولا تعنت ولا رغبة في تعويقهن عن استئناف حياة أخرى جديدة .
وهذا حكم عام جاء في سياق السورة في صدد تنظيم الحياة العامة للجماعة المسلمة .
{ يا أيها الذين آمنوا } : أي يا من صدقوا بالله ورسوله وكتابه وشرعه .
{ إذا نكحتم المؤمنات } : أي إذا عقدتم عليهن ولم تبنوا بهن .
{ من قبل أن تمسوهن } : أي من قبل الخلوة بهن ووطئهن .
{ فما لكم عليهن من عدة } : أي ليس لكم مطالبتهن بالعدة إذ العدة على المدخول بها .
{ فمتعوهن } : أي أعطوهن شيئاً من المال يتمتعن به جَبْراً لخاطرهن .
{ وسرِّحوهن سراحا جميلا } : أي اتركوهن يذهبن إلى أهليهن من غير إضرارٍ بهن .
ينادي الله تعالى عباده المؤمنين المسلمين فيقول لهم معلماً مشرعاً لهم : { إذا نكحتم المؤمنات } أي عقدتم عليهن ، { ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } أي من قبل الدخول عليهن الذي يتم بالخلوة في الفراش ، { فما لكم عليهن من عدة } تعتدونها عليهن لا بالإقراء ولا بالشهور إذْ العدة لمعرفة ما في الرحم وغير المدخول بها معلومة أن رحمها خالية ، فإن سميتم لهنّ مهراً فلهن نصف المُسمَّى والمتعة على سبيل الاستحباب ، وإن لم تسموا لهن مهراً فليس لهن غير المتعة وهى هنا واجبة لهن بحسب يسار المُطلِّق وإعْساره وقوله : { وسرحوهن سراحا جميلاً } أي خلوا سبيلهن يذهبن غلى ذويهن من غير إضرار بهن ولا أذى تلحقونه بهن .
- ليس على المطلقة قبل الدخول بها عدة بل لها أن تتزوج ساعة ما تطلق .
- المطلقة قبل البناء إن سمى لها صداق فلها نصفه ، وإن لم يسم لها صداق فلها المتعة واجبة يقدرها القاضي بحسب سعة المطلق وضيقه .
- حرمة أذية المطلقة بأي أذى ، ووجوب تخلية سبيلها تذهب حيث شاءت .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.