مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا} (52)

قوله تعالى : { لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا }

لما لم يوجب الله على نبيه القسم وأمره بتخييرهن فاخترن الله ورسوله ذكر لهن ما جازاهن به من تحريم غيرهن على النبي عليه السلام ومنعه من طلاقهن بقوله : { ولا أن تبدل بهن } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { لا يحل لك النساء من بعد } قال المفسرون من بعدهن والأولى أن يقال لا يحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما يؤتيهن من الوصل والهجران والنقص والحرمان .

المسألة الثانية : قوله : { ولا أن تبدل بهن } يفيد حرمة طلاقهن إذ لو كان جائزا لجاز أن يطلق الكل ، وبعدهن إما أن يتزوج بغيرهن أولا يتزوج فإن لم يتزوج يدخل في زمرة العزاب والنكاح فضيلة لا يتركها النبي ، وكيف وهو يقول : « النكاح سنتي » وإن تزوج بغيرهن يكون قد تبدل بهن وهو ممنوع من التبدل .

المسألة الثالثة : من المفسرين من قال بأن الآية ليس فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهن بل المعنى أن لا يحل لك النساء غير اللاتي ذكرنا لك من المؤمنات المهاجرات من بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ، وأما غيرهن من الكتابيات فلا يحل لك التزوج بهن وقوله : { ولا أن تبدل بهن } منع من شغل الجاهلية فإنهم كانوا يبادلون زوجة بزوجة فينزل أحدهم عن زوجته وبأخذ زوجة صديقه ويعطيه زوجته ، وعلى التفسيرين وقع خلاف في مسألتين إحداهما : حرمة طلاق زوجاته والثانية : حرمة تزوجه بالكتابيات فمن فسر على الأول حرم الطلاق ومن فسر على الثاني حرم التزوج بالكتابيات .

المسألة الرابعة : قوله : { ولو أعجبك حسنهن } أي حسن النساء قال الزمخشري قوله : { ولو أعجبك } في معنى الحال ، ولا يجوز أن يكون ذو الحال قوله : { من أزواج } لغاية التنكير فيه ولكون ذي الحال لا يحسن أن يكون نكرة فإذن هو النبي عليه السلام ، يعني لا يحل لك النساء ولا أن تبدل بهن من أزواج وأنت معجب بحسنهن .

المسألة الخامسة : ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه السلام من أنه إذا رأى واحدة فوقعت في قلبه موقعا كانت تحرم على الزوج ويجب عليه طلاقها ، وهذه المسألة حكمية وهي أن النبي عليه السلام وسائر الأنبياء في أول النبوة تشتد عليهم برحاء الوحي ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم لا يمنعهم من ذلك مانع ، ففي أول الأمر أحل الله من وقع في قلبه تفريغا لقلبه وتوسيعا لصدره لئلا يكون مشغول القلب بغير الله ، ثم لما استأنس بالوحي وبمن على لسانه الوحي نسخ ذلك ، إما لقوته عليه السلام للجمع بين الأمرين ، وإما أنه بدوام الإنزال لم يبق له مألوف من أمور الدنيا ، فلم يبق له التفات إلى غير الله ، فلم يبق له حاجة إلى إحلال التزوج بمن وقع بصره عليها .

المسألة السادسة : اختلف العلماء في أن تحريم النساء عليه هل نسخ أم لا ؟ فقال الشافعي نسخ وقد قالت عائشة ما مات النبي إلا وأحل له النساء ، وعلى هذا فالناسخ قوله تعالى : { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك } إلى أن قال : { وبنات عمك } وقال : { وامرأة مؤمنة } على قول من يقول لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد إذ الناسخ غير متواتر إن كان خبرا .

ثم قال تعالى : { إلا ما ملكت يمينك } لم يحرم عليه المملوكات لأن الإيذاء لا يحصل بالمملوكة ، ولهذا لم يجز للرجل أن يجمع بين ضرتين في بيت لحصول التسوية بينهما وإمكان المخاصمة ، ويجوز أن يجمع الزوجة وجمعا من المملوكات لعدم التساوي بينهن ولهذا لا قسم لهن على أحد .

ثم قال تعالى : { وكان الله على كل شيء رقيبا } أي حافظا عالما بكل شيء قادرا عليه ، لأن الحفظ لا يحصل إلا بهما .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا} (52)

49

ثم أنزل الله تحريم من عدا نسائه اللواتي في عصمته فعلا ، لا من ناحية العدد ، ولكن هن بذواتهن لا يستبدل بهن غيرهن ؛ ولم يعرف أن رسول الله قد زاد عليهن قبل التحريم :

( لا يحل لك النساء من بعد ، ولا أن تبدل بهن من أزواج - ولو أعجبك حسنهن )لا يستثني من ذلك - ( إلا ما ملكت يمينك ) . . فله منهن ما يشاء . . ( وكان الله على كل شيء رقيبا ) . . والأمر موكول إلى هذه الرقابة واستقرارها في القلوب .

وقد روت عائشة - رضي الله عنها - أن هذا التحريم قد ألغي قبل وفاة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وتركت له حرية الزواج . ولكنه [ صلى الله عليه وسلم ] لم يتزوج كذلك غيرهن بعد هذه الإباحة . فكن هن أمهات المؤمنين . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا} (52)

شرح الكلمات :

{ لا يحل لك النساء من بعد } : أي لا يجوز لك أن تتزوج بعد هؤلاء التسعة اللاتي اخترنك إكراماً لهن وتخفيفاً عنك .

{ ولا أن تبدل بهن من أزواج } : أي بأن تطلق منهن وتتزوج أخرى بدل المطلقة لا . لا .

{ ولو أعجبك حسنهن } : ما ينبغي أن تطلق من هؤلاء التسع وتتزوج من أعجبك حسنها .

{ إلا ما ملكت يمينك } : أي فالأمر في ذلك واسع فلا حرج عليك في التسرى بالمملوكة ، وقد تسرى صلى الله عليه وسلم بمارية المهداة إليه من قبل ملك مصر وولدت له إبراهيم ومات في سن رضاعه عليه السلام .

المعنى :

وقوله تعالى في الآية ( 52 ) { لا يحل لك النساء من بعد } أي لا يحل لك يا رسولنا النساء بعد هؤلاء التسع اللائى خيرتهن فاخترن الله واخترنك وأنت رسوله واخترن الدار الآخرة فاعترافا بمقامهن قصرك الله عليهن بعد الآن فلا تطلب امرأة أُخرى ببدل أو بغير بدل ، ومعنى ببدل : أن يطلق منهن واحدة أو أكثر ويتزوج بدلها . وهو معنى قوله تعالى : { ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن } وقوله { إلا ما ملكت يمينك } أي فلا بأس بأن تتسرى بالجارية تملكها وقد تسرى بمارية القبطية التي أهداها له المقوقس ملك مصر مع بغلة بيضاء تسمى الدُّلْدُلْ وهي أول بغلة تدخل الحجاز ، وقد أنجبت مارية إبراهيم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفى في أيام رضاعه عليه وعلى والده ألف ألف سلام .

وقوله تعالى : { وكان الله على كل شيء رقيباً } أي حفيظاً عليما فخافوه وراقبوه ولا تطلبوا رضا غيره برضاه فإِنه إلهكم الذي لا إله لكم سواه به حياتكم وإليه مرجعكم بعد مماتكم .

/ذ52