الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا} (52)

قوله تعالى : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ } بالتاء أهل البصرة ، وغيرهم بالياء { النِّسَآءُ مِن بَعْدُ } أي من بعد هؤلاء النساء التسع اللاّتي خيّرتهنّ فاخترنك لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، قصره عليهنّ ، وهذا قول ابن عبّاس وقتادة . وقال عكرمة والضحاك : لا يحلّ لك من النساء إلاّ اللاّتي أحللناها لك وهو قوله : { إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ } ثمّ قال : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ } التي أحللنا لك بالصفة التي تقدّم ذكرها .

روى داود بن أبي هند عن محمّد بن أبي موسى عن زياد رجل من الأنصار قال : قلت لأُبيّ بن كعب : أرأيت لو مات نساء النبي صلّى الله عليه وسلم أكان يحلّ له أنْ يتزوّج ؟ فقال : وما يمنعه من ذلك وما يُحرّم ذلك عليه ؟ قلت : قوله : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ } فقال : إنّما أحلّ الله له ضرباً من النساء فقال : { يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ .

. . } ثمّ قال : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ } .

وقال أبو صالح : أُمر أنْ لا يتزوّج أعرابية ولا عربية ويتزوّج بعد من نساء قومه من بنات العمّ والعمّة والخال والخالة إنْ شاء ثلاثمائة . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : معناه لا يحلّ لك النساء من غير المسلمات فأمّا اليهوديّات والنصرانيّات والمشركات فحرامٌ عليك ، ولا ينبغي أنْ يكنَّ من أُمّهات المؤمنين .

وقال أبو رزين : { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ } يعني الإماء بالنكاح . { وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } قال مجاهد وأبو رزين : يعني ولا أنْ تبدّل بالمسلمات غيرهنّ من اليهود والنصارى والمشركين { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } من السبايا والإماء الكوافر .

وقال الضحّاك : يعني ولا تبدّل بأزواجك اللاّتي هنّ في حبالك أزواجاً غيرهنّ ، بأن تطلّقهنّ وتنكح غيرهن ، فحرّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق النساء اللّواتي كنّ عنده ، إذ جعلهنّ أُمّهات المؤمنين ، وحرّمهن على غيره حين اخترنه ، فأمّا نكاح غيرهنّ فلم يُمنع منه ، بل أُحلّ له ذلك إنْ شاء . يدلّ عليه ما أخبرناه عبدالله بن حامد الوزان ، عن أحمد بن محمد بن الحسين ، عن محمّد بن يحيى قال : أخبرني أبو عاصم عن جريح عن عطاء عن عائشة قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلَّ له النساء .

وقال ابن زيد : كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأة ذاك فقال الله : { وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } يعني تُبادل بأزواجك غيرك أزواجه ، بأنْ تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلاّ ما ملكت يمينك لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت فأمّا الحرائر فلا .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الاصفهاني ، عن أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي ، عن أحمد بن نجدة ، عن الحماني ، عن عبد السلام بن حرب ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة قال : كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل : بادلني امرأتك وأُبادلك بامرأتي ، تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي ، فأنزل الله عزّ وجلّ : { وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } قال : فدخل عيينة بن حصين على النبي صلّى الله عليه وعنده عائشة فدخل بغير إذن ، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه : " يا عيينة فأين الاستئذان ؟ " قال : يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت ، ثمّ قال : مَنْ هذه الحميراء إلى جنبك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه عائشة أُمّ المؤمنين " . قال عيينة : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ، قال رسول الله صلّى الله عليه : " إنَّ الله عزّ وجلّ قد حرّم ذلك " ، فلمّا خرج ، قالت عائشة : مَنْ هذا يا رسول الله ؟ قال : " هذا أحمق مطاع وإنّهُ على ما ترين لسيّد قومه " .

قال ابن عبّاس في قوله : { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ، وفيه دليل على جواز النظر إلى من يريد أن يتزوّج بها ، قد جاءت الأخبار بإجازة ذلك .

أخبرنا عبدالله بن حامد ، عن محمد بن جعفر المطيري ، عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان عن عاصم الأحول ، عن بكير بن عبد الله المزني أنَّ المغيرة بن شعبة أراد أنْ يتزوّج بامرأة ، فقال النبيّ ( عليه السلام ) : " فانظر إليها فإنّه أجدر أن يودم بينكما " .

وأخبرنا عبد الله بن حامد ، عن محمد بن جعفر ، عن علي بن حرب قال : أخبرني أبو معاوية ، عن الحجّاج بن أرطأة ، عن سهل بن محمد بن أبي خيثمة ، عن عمّه سليمان بن أبي خيثمة قال : رأيت محمد بن سلمة يطارد نبيتة بنت الضحّاك على إجار من أياجير المدينة قلت : أتفعل هذا ؟ قال : نعم ، إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول : " إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أنْ ينظر إليها " .

وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى ، عن الحميدي عن سفيان ، عن يزيد ابن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة أنّ رجلاً أراد أن يتزوّج امرأة من الأنصار ، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم : " أُنظر إليها فإنَّ في أعين نساء الأنصار شيئاً " . قال الحميدي : يعني الصّغَر . { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً } حفيظاً .