مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ} (66)

أما قوله : { فجعلناها } فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه . أحدها : قال الفراء : ( جعلناها ) يعني المسخة التي مسخوها ، وثانيها : قال الأخفش : أي جعلنا القردة نكالا . وثالثها : جعلنا قرية أصحاب السبت نكالا . ورابعها : جعلنا هذه الأمة نكالا لأن قوله تعالى : { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره ، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم ، أما النكال فقال القفال رحمه الله : إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها ، ويقال للقيد النكل ، وللجام الثقيل أيضا نكل لما فيهما من المنع والحبس ، ونظيره قوله تعالى :

{ إن لدينا أنكالا وجحيما } وقال الله تعالى : { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } والمعنى : أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه ، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة ، قال القاضي : اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر ، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالا وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم ، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق ، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة ، ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله : { فجعلناها نكالا } أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم .

أما قوله تعالى : { لما بين يديها وما خلفها } ففيه وجوه أحدها : لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين ، وثانيها : أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم ، وثالثها : المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده ، وهو قول الحسن .

أما قوله تعالى : { وموعظة للمتقين } ففيه وجهان . أحدهما : أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم ، وإن لم ينزل عاجلا فلابد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم . وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله : { هدى للمتقين } لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به ، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم . الثاني : أن يكون معنى قوله : { وموعظة للمتقين } أن يعظ المتقون بعضهم بعضا أي جعلناها نكالا وليعظ به بعض المتقين بعضا فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها ، وهذا خاص لهم دون غير المتقين ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ} (66)

40

ومضت هذه الحادثة عبرة رادعة للمخالفين في زمانها وفيما يليه ، وموعظة نافعة للمؤمنين في جميع العصور :

( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ} (66)

65

المفردات :

الاعتداء : تجاوز الحد في كل شيء .

السبت : هو اليوم المعروف في الأسبوع واعتداؤهم فيه تجاوزهم في حكمه .

خاسئين : صاغرين مطرودين .

فجعلناها نكالا : النكال ما يفعل بشخص من إيذاء وإهانة ليعتبر به غيره . والمراد جعنا عقوبتهم عبرة لغيرهم ، تنكلهم وتمنعهم عن مثل ما فعلوا .

لما بين يديها وما خلفها : للمعاصرين لها ولمن بعدها من الأمم .

الموعظة : ما يبقى من الكلام لاستشعار الخوف من الله بذكر ثوابه وعقابه .

66- فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين . أي فجعلنا هذه العقوبة عبرة ينكل من يعلم بها أي يمتنع من الاعتداء على حدود الله سوء منهم من وقعت في زمانه أو من جاء بعدهم إلى يوم القيامة .

وموعظة للمتقين . أي لهم ، وهم من يقون أنفسهم من عقاب الله من كل أمة ، أو من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو من بني إسرائيل ، خص المتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بالمواعظ .

قال الحافظ ابن كثير : المراد بالموعظة هنا الزجر ، أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل ، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم ، كما روى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » وهذا إسناد جيد ( 176 ) .