مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ، ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين }

اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم :

أما قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم } ففيه بحثان :

الأول : اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة ، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوها ، أحدها : ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه البتة وهو قول الأصم ، وثانيها : ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم : إن فيها كتاب الله فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك : خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم ، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق ، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين ، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علما لموسى عليه السلام علما مضافا إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهدا موثقا جعلوه لله على أنفسهم ، وهذا هو اختيار أبي مسلم . ( وثالثها ) : أن لله ميثاقين ، ( فالأول ) : حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم ، ( والثاني ) : أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد . هذا قول ابن عباس وهو ضعيف . ( الثاني ) : قال القفال رحمه الله : إنما قال : ( ميثاقكم ) ولم يقل مواثيقكم لوجهين ، ( أحدهما ) : أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال : { ثم يخرجكم طفلا } أي كل واحد منكم . ( والثاني ) : أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد ، والله أعلم .

وأما قوله تعالى : { ورفعنا فوقكم الطور } فنظيره قوله تعالى : { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } وفيه أبحاث :

البحث الأول : الواو في قوله تعالى : { ورفعنا } واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدما فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل ، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال : فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم . ( الثاني ) : قيل : إن الطور كل جبل قال العجاج :

داني جناحيه من الطور فمر *** تقضي البازي إذا البازي كسر

أما الخليل فقال في كتابه : إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم ، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضا على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد ، وقال ابن عباس : أمر تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخا في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم ، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجودا يلاحظون الجبل ، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم ( الثالث ) : من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز ، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادرا عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول . ( الرابع ) : قال بعضهم : إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف . أجاب القاضي بأنه لا يلجئ لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف .

أما قوله تعالى : { خذوا ما آتيناكم بقوة } أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل ، قال الجبائي : هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال : خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال : اكتب بالقلم ولا قلم ، وأجاب أصحابنا بأن المراد : خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل .

وأما قوله تعالى : { واذكروا ما فيه } أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه . فإن قيل : هلا حملتموه على نفس الذكر ؟ قلنا : لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به . فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال .

أما قوله تعالى : { لعلكم تتقون } أي لكي تتقوا ، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل ، وجوابه ما تقدم .

واعلم أن المفهوم من قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة } أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذا للميثاق ولا صح قوله من بعد : { ثم توليتم } فدل ذلك منهم على القبول والالتزام .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

40

ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين . ( وإذ أخذنا ميثاقكم ، ورفعنا فوقكم الطور : خذوا ما آتيناكم بقوة ، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك ، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) . .

وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى ، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد . والمهم هنا هو استحضار المشهد ، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة . وأن يعزموا فيه عزيمة . فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع ، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة . . إنه عهد الله مع المؤمنين . . وهو جد وحق ، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق . . وله تكاليف شاقة ، نعم ! ولكن هذه هي طبيعته . إنه أمر عظيم . أعظم من كل ما في هذا الوجود . فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه ، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف . ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة ، كما قال رسول الله [ ص ] وقد نودي للتكليف : " مضى عهد النوم يا خديجة " . . وكما قال له ربه : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا . . وكما قال لبني إسرائيل :

( خذوا ما آتيناكم بقوة ) . ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) . .

ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم . . لا بد مع هذا من تذكر ما فيه ، واستشعار حقيقته ، والتكيف بهذه الحقيقة ، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة . فعهد الله منهج حياة ، منهج يستقر في القلب تصورا وشعورا ، ويستقر في الحياة وضعا ونظاما ، ويستقر في السلوك أدبا وخلقا ، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير .

ولكن هيهات ! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها ، وغلبت عليها جبلتها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

نقض العهد

( وإذ أخدنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون( 63 ) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين64 ) (

المفردات :

الطور : هو الجبل المعروف الذي ناجى عليه موسى ربه تعالى ورفع الجبل فوق رؤوسهم كان لإرهابهم بعظمة القدرة من دون أن يكون لإجبارهم وإكراههم على العمل بما أوتوه . قال تعالى في سورة الأعراف : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع به . ( الأعراف : 171 ) . والنتق هو الهز والزعزعة والجذب والإقتلاع .

التفسير :

63- وإذ أخدنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور . . . هذا بيان لنعمة أخرى أنعمها الله على اليهود مع بيان حالهم فيها عرض عليهم من التكاليف . أي واذكروا وقت أن أخذنا عليكم بأن تتبعوا موسى وتعملوا بالتوراة التي يجيئكم بها من عند الله . ورفعنا فوقكم الطور . تخويفا لكم .

فعن ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها ، فأمر الله جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى أقبلوا ، لأنهم ظنوا أنه واقع بهم ( 171 ) .

خذوا ما أتيناكم بقوة . المراد من القوة : الجد والاجتهاد كما قال ابن عباس : أي قلنا لهم ، خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد مع حسن النية والإخلاص ، فإن ذلك يدفعهم إلى النظر في الآيات حتى يقتنعوا ويحسنوا العمل .

وهنا سؤال وهو أنه يأخذ من الآية أن إيمانهم كان بالإلجاء والإكراه ، وهذا ينافي التكليف الذي يقوم على الاختيار ، فهو الذي يكون العقيدة الصحيحة المبينة على الإقناع ، ولهذا قال تعالى : لا إكراه في الدين ( البقرة256 ) . وقال لنبيه وكان حريصا على إيمان الناس : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( يونس99 ) .

والجواب أن الاختيار كان موكولا إليهم في كل عروض الإيمان عليهم ، ولما لم يمتثلوا ، كانت آيات التخويف لهم بمنزلة مشروعة القتال للكفار ، لإصلاح حالهم مع الله تعالى ، فإن الحكمة تدعوا إلى الأخذ بالقوة إذا فشل النصح والإرشاد ، ولهذا ينبغي أن يؤدب الوالد بالقوة ابنه المعوج السلوك إذا لم ينفع معه تكرار النصح حتى لا يستمر فساده ( 172 ) .

واذكروا ما فيه لعلكم تتقون : أي بعد أخذ الكتاب بقوة ادرسوا ما فيه وداوموا على تذكره حتى يرسخ في قلوبكم ، فإذا فعلتم ذلك صفت قلوبكم وارتقت في السلوك إلى ربكم ، وبهذا تصير نقية من أدران الرذائل ، راضية مرضية عند ربها . والعاقبة للتقوى .