قوله تعالى : { فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ، فلما أسلما وتله للجبين ، وناديناه أن يا إبراهيم ، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ، إن هذا لهو البلاء المبين ، وفديناه بذبح عظيم ، وتركنا عليه في الآخرين ، سلام على إبراهيم ، كذلك نجزي المحسنين ، إنه من عبادنا المؤمنين ، وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ، وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين }
واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال : { فبشرناه بغلام حليم } أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلوغه ، فقال : { فلما بلغ معه السعي } ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي ، وقوله : { معه } في موضع الحال والتقدير كائنا معه ، والفائدة في اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد ، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته ، قال بعضهم : كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة ، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليما ، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه ، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة ، والإتيان بذلك الجواب الحسن .
أما قوله : { إني أرى في المنام أنى أذبحك } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول : قال السدي : كان إبراهيم حين بشر بإسحق قبل أن يولد له قال : هو إذن لله ذبيح فقيل لإبراهيم قد نذرت نذرا فف بنرك فلما أصبح { قال يا بنى إني أرى في المنام أنى أذبحك } .
وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه ، كأن قائلا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح ، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان ؟ فمن ثم سمي يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة ، وعلى هذا فتقدير اللفظ : إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني : أنه رأى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي ، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح ، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك بالدليل عندهم ، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة ، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور ، وأن لا يراجع الولد فيه ، وأن لا يقول له ؛ { فانظر ماذا ترى } وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد { افعل ما تؤمر } ؟ ، وأيضا فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكرا ، ولو ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي والتفكر حاجة ، وإن كان الثاني ، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما يرونه في المنام حق ، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة ؟ والجواب : لا يبعد أن يقال إنه كان عند الرؤيا مترددا فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح ، والله أعلم .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو ؟ فقيل إنه إسحق وهذا قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم ، وقيل إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي ، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أنا ابن الذبيحين » وقال له أعرابي : «يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال : إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده ، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل ، ففداه بمائة من الإبل ، والذبيح الثاني إسماعيل » . الحجة الثانية : نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، فقال : يا أصمعي أين عقلك ، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة ؟ .
الحجة الثالثة : أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحق في قوله : { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين } وهو صبره على الذبح ، ووصفه أيضا بصدق الوعد في قوله : { إنه كان صادق الوعد } لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به .
الحجة الرابعة : قوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب ، منه أو بعد ذلك فالأول : باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحق ، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه ، وإلا حصل الخلف في قوله : { ومن وراء إسحاق يعقوب } والثاني : باطل لأن قوله : { فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إني أرى في المنام أنى أذبحك } يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه ، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر ، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق .
الحجة الخامسة : حكى الله تعالى عنه أنه قال : { إني ذاهب إلى ربى سيهدين } ثم طلب من الله تعالى ولدا يستأنس به في غربته فقال :
{ رب هب لي من الصالحين } وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد ، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد ، لأن طلب الحاصل محال وقوله : { هب لي من الصالحين } لا يفيد إلا طلب الولد الواحد ، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله : { من الصالحين } لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول ، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق ، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل ، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل .
الحجة السادسة : الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة ، فكأن الذبيح بمكة . ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام ، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحق بوجهين : الوجه الأول : أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك ، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال : { إني ذاهب إلى ربى سيهدين } وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال : { فبشرناه بغلام حليم } فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحق ، ثم قال بعده : { فلما بلغ معه السعي } وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام ، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحق ، وأما آخر الآية فهو أيضا يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده : { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } ومعناه أنه بشره بكونه نبيا من الصالحين ، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح ، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحق عليه السلام .
الحجة الثانية : على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، وكان الزجاج يقول : الله أعلم أيهما الذبيح ، والله أعلم . واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم في موضع الذبح فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا : كان الذبح بمنى ، والذين قالوا : إنه إسحق قالوا هو بالشام وقيل ببيت المقدس ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأمورا بهذا بما رأى ، وهذا الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه ، وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز ، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز ، فعلى القول الأول أنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح ، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور وقته ، وعلى القول الثاني أنه تعالى ما أمره بالذبح ، وإنما أمره بمقدمات الذبح وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ ، واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده ، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد المطلوب إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين الأول : أنه عليه السلام قال لولده إني أرى في المنام أني أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأمورا بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح ، ثم إنه أتى بمقدمات الذبح وأدخلها في الوجود ، فحينئذ يكون قد أمر بشيء وقد أتى به ، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء ، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به ، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح ، وهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح ، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته وذلك يدل على المقصود ، وقالت المعتزلة : لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل نقول إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح ، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به بدليل قوله تعالى : { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه ، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد الأمر الثاني : الذبح عبارة عن قطع الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءا أعاد الله التأليف إليه ، فلهذا السبب لم يحصل الموت والوجه الثالث : وهو الذي عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصا معينا بإيقاع فعل معين في وقت معين ، فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن ، فإذا أنهاه عنه فذلك النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح ، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين ، لأنه تعالى إن كان عالما بحال ذلك الفعل لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن ، وإن لم يكن عالما به لزم جهل الله تعالى الحسن ، وإن لم يكن عالما به لزم جهل الله تعالى وإنه محال ، فهذا تمام الكلام في هذا الباب والجواب : عن الأول أنا قد دللنا على أنه تعالى إنما أمره بالذبح .
أما قوله تعالى : { قد صدقت الرؤيا } فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك الرؤيا واجب العمل بها ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المنام . وأما قوله ثانيا كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءا أعاد الله تعالى التأليف إليه ، فنقول هذا باطل لأن إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به . وأما قوله ثالثا إنه يلزم ، إما الأمر بالقبيح وإما الجهل ، فنقول هذا بناء على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسنا في ذاته ولا ينهي إلا عما يكون قبيحا في ذاته ، وذلك بناء على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل ، وأيضا فهب أنا نسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء تارة يحسن لكون المأمور به حسنا وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسنا ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده ، فإنه يقول له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني ، ويكون ذلك الفعل من الأفعال الشاقة ، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل ، بل أن يوطن العبد نفسه على الانقياد والطاعة ، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف ، فكذا ههنا ، فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم .
المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه ، والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه ، أما أنه أمر بالذبح فلما تقدم في المسألة الأولى . وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع ، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه ، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك الذبح ، والنهي عن الشيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح ، وثبت أنه تعالى ما أراده ، وذلك يدل على أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة ، وتمام الكلام في أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم في المسألة المتقدمة ، والله أعلم .
المسألة الخامسة : في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وبيانه من وجوه الأول : أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح ، فورد أولا في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق ، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة ، فحينئذ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئا فشيئا الثاني : أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقا ، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم :
{ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } وقال عن يوسف عليه السلام : { إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } وقال في حق إبراهيم عليه السلام : { إني أرى في المنام أنى أذبحك } والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين ، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام ، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق ، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال ، والله أعلم .
ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم : { لتدخلن المسجد الحرام } ثم وقع ذلك الشيء بعينه ، ومنها ما يقع على الضد كما في حق إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة ، ومنها ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة .
المسألة السادسة : قرأ حمزة والكسائي : { ترى } بضم التاء وكسر الراء ، أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم ؟ وقيل ما تشير ، والباقون بفتح التاء ، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل .
المسألة السابعة : الحكمة في مشاورة الابن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم ، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالمية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا ، ثم إنه تعالى حكى عن ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال : { افعل ما تؤمر } ومعناه افعل ما تؤمر به ، فحذف الجار كما حذف من قوله :
أمرتك الخبر فافعل ما أمرت [ به ] *** . . .
ثم قال : { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن ، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله .
والآن آن أن نطلع على الموقف العظيم الكريم الفريد في حياة إبراهيم . بل في حياة البشر أجمعين . وآن أن نقف من سياق القصة في القرآن أمام المثل الموحي الذي يعرضه الله للأمة المسلمة من حياة أبيها إبراهيم . .
( فلما بلغ معه السعي . قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ، فانظر ماذا ترى . قال : يا أبت افعل ما تؤمر : ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) . .
يالله ! ويالروعة الإيمان والطاعة والتسليم . .
هذا إبراهيم الشيخ . المقطوع من الأهل والقرابة . المهاجر من الأرض والوطن . ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام . طالما تطلع إليه . فلما جاءه جاء غلاماً ممتازاً يشهد له ربه بأنه حليم . وها هو ذا ما يكاد يأنس به ، وصباه يتفتح ، ويبلغ معه السعي ، ويرافقه في الحياة . . ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد ، حتى يرى في منامه أنه يذبحه . ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية . فماذا ? إنه لا يتردد ، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة ، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم . . نعم إنها إشارة . مجرد إشارة . وليست وحياً صريحاً ، ولا أمراً مباشراً . ولكنها إشارة من ربه . . وهذا يكفي . . هذا يكفي ليلبي ويستجيب . ودون أن يعترض . ودون أن يسأل ربه . . لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد ? !
ولكنه لا يلبي في انزعاج ، ولا يستسلم في جزع ، ولا يطيع في اضطراب . . كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء . يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب :
( قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك . فانظر ماذا ترى ) . .
فهي كلمات المالك لأعصابه ، المطمئن للأمر الذي يواجهه ، والواثق بأنه يؤدي واجبه . وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن ، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه ، في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي ، ويستريح من ثقله على أعصابه !
والأمر شاق - ما في ذلك شك - فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة . ولا يطلب إليه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته . . إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده . يتولى ماذا ? يتولى ذبحه . . وهو - مع هذا - يتلقى الأمر هذا التلقي ، ويعرض على ابنه هذا العرض ؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره ، وأن يرى فيه رأيه !
إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه . وينتهي . إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر . فالأمر في حسه هكذا . ربه يريد . فليكن ما يريد . على العين والرأس . وابنه ينبغي أن يعرف . وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاماً ، لا قهراً واضطراراً . لينال هو الآخر أجر الطاعة ، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم ! إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها ؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى . .
فماذا يكون من أمر الغلام ، الذي يعرض عليه الذبح ، تصديقاً لرؤيا رآها أبوه ?
إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه :
( قال : يا أبت افعل ما تؤمر . ستجدني - إن شاء الله - من الصابرين ) . .
إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب . ولكن في رضى كذلك وفي يقين . .
( يا أبت ) . . في مودة وقربى . فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده . بل لا يفقده أدبه ومودته .
( افعل ما تؤمر ) . . فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه . يحس أن الرؤيا إشارة . وأن الإشارة أمر . وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب .
ثم هو الأدب مع الله ، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال ؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ، ومساعدته على الطاعة :
( ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) . .
ولم يأخذها بطولة . ولم يأخذها شجاعة . ولم يأخذها اندفاعاً إلى الخطر دون مبالاة . ولم يظهر لشخصه ظلاً ولا حجماً ولا وزناً . . إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه ، وأصبره على ما يراد به : ( ستجدني - إن شاء الله - من الصابرين ) . .
يا للأدب مع الله ! ويالروعة الإيمان . ويالنبل الطاعة . ويالعظمة التسليم !
فلما بلغ معه السعي : فلما بلغ السن التي تساعده على أن يسعى مع والده في أعماله ، وحاجات المعيشة .
ترى : تشير وتفكر ، مأخوذ من الرأي .
102- { فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } .
تبدأ قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام ، وقد بشر الله الخليل بإسماعيل ، ويفهم من السياق أن إسماعيل قد شبّ عن الطوق ، وبلغ مبلغ القدرة على السعي ، ومساعدة والده في العمل ، وقيل كان عمره ثلاثة عشر عاما .
ورأى إبراهيم في المنام أن الله يأمره بذبح إسماعيل ، وكان ذلك ليلة الثمن من ذي الحجة ، فتروى إبراهيم في الأمر ، وقال : هل هذه الرؤيا من الله أم أضغاث أحلام ؟ فسُمّي يوم الثامن من ذي الحجة بيوم التروية ، وفي الليلة التالية تأكد الأمر بذبح إسماعيل ، وفي الصباح عرف أنه أمر من الله ، فسُمِّي عرفات .
وفي ليلة العيد تأكّد الأمر فعزم على التنفيذ في الصباح ، فسُمي يوم الأضحى ، أي : يوم الذبح والتضحية ، وقد شاور إبراهيم ولده ليعدّ نفسه للأمر وليثبّته ويصبّره إن احتاج إلى ذلك .
فالأمر كان خطبا كبيرا : الخليل يسلم أمره لله ، ويتكلم في هدوء ورزانة ، فيقول : { يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى . . . }أي : فلما رزق الخليل بإسماعيل ، وكبر إسماعيل ، وأصبح قادرا على مساعدة والده ، ومعاونته في العمل ، أجلس الخليل ولده إسماعيل بجواره ، وقال يا بني ، إني رأيت رؤيا من الله تعالى ، يكلّفني بذبحك تقربا إليه ، لكن إسماعيل كان هادئا رزينا ، ثابتا موفقا حين قال : { يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } .
{ يا أبت } في هدوء وثبات ، { افعل ما تؤمر } ، نفذ ما أمرك الله به من ذبحي ، ستجدني بمشيئة الله وتوفيقه ومعونته من الصابرين الثابتين الملتزمين .
ونلحظ هنا أنه قدّم المشيئة : لأنه لا حول له ولا قوّة في هذا الأمر الجلل إلا بمشيئة الله وتوفيقه .
علَّق صبره على مشيئة الله في قوله : { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } . فلما استثنى وفقه الله للصبر ، وإنه لموقف مؤثر في تاريخ الإسلام ، بل في تاريخ البشرية : أب يضحي في هدوء وامتثال ، وغلام في ميعة الصبا – ثلاثة عشر عاما - يمتثل هادئا مستعينا بالله ، صابرا راضيا مستجيبا ، صادقا في وعده ، حليما مطيعا لربه ولوالده ، لقد كان بلاء أيّ بلاء ، وقد استجابا لأمر الله ربّ العالمين ، وهكذا الأنبياء عليهم السلام ، يلهمهم الله تعالى في جميع مراحل حياتهم ما يجعلهم في أعلى درجات السمو النفسي ، واليقين القلبي ، والكمال الخلقي .
كمْ تحمّل نوح الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، كم تحمل أيوب الذي مرض مرضا شديدا ، وانهدم منزل على أولاده ، فصبر أيوب ، ودعا الله في تضرع وإخلاص ، فاستجاب الله دعاءه ، ويسر له الشفاء ، ورزقه ذرية صالحة ، ضعف أولاده السابقين . ويونس حين تضرع إلى الله وهو في جوف الحوت ، فاستجاب الله له ، وأمر الحوت أن يلفظه على الشاطئ ، ثم أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون ؛ فآمنوا فأكرمهم الله في الدنيا والآخرة ، وموسى الذي قارع جبروت فرعون ، وصاول السحرة ، واستعد للهجرة ، وفلق الله له البحر ؛ فسار فيه هادئا فوق طريق يابس ، ثم أغرق فرعون وقومه ، ونجّى موسى ومن معه من المؤمنين . وعيسى وقد حاول الأعداء قتله وصلبه فرفعه الله إليه ، محمد صلى الله عليه وسلم وقد مكث في مكة يدعو قومه ثلاثة عشر عاما ، ثم هاجر إلى المدينة ، وحارب في غزوات متعددة ، مثل : بدر ، وأحد ، والخندق ، والحديبية ، وفتح مكة ، وتبوك ، وحنين ، والطائف ؛ ثم نصره الله نصرا مبينا .
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أشدكم بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، وما يزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة . " {[550]}