السؤال الأول : لم لم يقل على ظهورها ؟ أجابوا عنه من وجوه ( الأول ) قال أبو عبيدة التذكير لقوله ما والتقدير ما تركبون ( الثاني ) قال الفراء أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزل الجيش والجند ، ولذلك ذكر وجمع الظهور ( الثالث ) أن هذا التأنيث ليس تأنيثا حقيقيا فجاز أن يختلف اللفظ فيه كما يقال عندي من النساء من يوافقك .
السؤال الثاني : يقال ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك وقد ذكر الجنسين فكيف قال تركبون ؟ والجواب : غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المعتدي بواسطة .
ثم قال تعالى : { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } ومعنى ذكر نعمة الله ، أن يذكروها في قلوبهم ، وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق وجه البحر ، وخلق الرياح ، وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء وأراد ، فإذا تذكروا أن خلق البحر ، وخلق الرياح ، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصريفات الإنسان ولتحريكاته ليس من تدبير ذلك الإنسان ، وإنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير ، عرف أن ذلك نعمة عظيمة من الله تعالى ، فيحمله ذلك على الانقياد والطاعة له تعالى ، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها .
ثم قال تعالى : { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } .
واعلم أنه تعالى عين ذكرا معينا لركوب السفينة ، وهو قوله { بسم الله مجراها ومرساها } وذكرا آخر لركوب الأنعام ، وهو قوله { سبحان الذي سخر لنا هذا } وذكر عند دخول المنازل ذكرا آخر ، وهو قوله { رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } وتحقيق القول فيه أن الدابة التي يركبها الإنسان ، لا بد وأن تكون أكثر قوة من الإنسان بكثير ، وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان ، ولكنه سبحانه خلق تلك البهيمة على وجوه مخصوصة في خلقها الظاهر ، وفي خلقها الباطن يحصل منها هذا الانتفاع ، أما خلقها الظاهر : فلأنها تمشي على أربع قوائم ، فكان ظاهرها كالموضع الذي يحسن استقرار الإنسان عليه ، وأما خلقها الباطن ، فلأنها مع قوتها الشديدة قد خلقها الله سبحانه بحث تصير منقادة للإنسان ومسخرة له ، فإذا تأمل الإنسان في هذه العجائب وغاص بعقله في بحار هذه الأسرار ، عظم تعجبه من تلك القدرة القاهرة والحكمة غير المتناهية ، فلا بد وأن يقول { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } قال أبو عبيدة : فلان مقرن لفلان ، أي ضابط له . قال الواحدي : وكان اشتقاقه من قولك ضرب له قرنا ، ومعنى أنا قرن لفلان ، أي مثاله في الشدة ، فكان المعنى أنه ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نضبطها ، فسبحان من سخرها لنا بعلمه وحكمته وكمال قدرته ، روى صاحب «الكشاف » : عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان إذا وضع رجليه في الركاب قال : «بسم الله ، فإذا استوى على الدابة ، قال الحمد لله على كل حال ، سبحان الذي سخر لنا هذا ، إلى قوله لمنقلبون » وروى القاضي في «تفسيره » عن أبي مخلد أن الحسن بن علي عليهما السلام : رأى رجلا ركب دابة ، فقال سبحان الذي من علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، ثم تقول : سبحان الذي سخر لنا هذا ، وروي أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أنه كان إذا سافر وركب راحلته ، كبر ثلاثا ، ثم يقول : سبحان الذي سخر لنا هذا ، ثم قال : اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا السفر واطو عنا بعد الأرض اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل ، اللهم أصحبنا في سفرنا ، واخلفنا في أهلنا » وكان إذا رجع إلى أهله يقول «آيبون تائبون ، لربنا حامدون » قال صاحب «الكشاف » : دلت هذه الآية على خلاف قول المجبرة من وجوه ( الأول ) أنه تعالى قال : { لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم } فذكره بلام كي ، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منا هذا الفعل ، وهذا يدل على بطلان قولهم أنه تعالى أراد الكفر منه ، وأراد الإصرار على الإنكار ( الثاني ) أن قوله { لتستووا } يدل على أن فعله معلل بالأغراض ( الثالث ) أنه تعالى بين أن خلق هذه الحيوانات على هذه الطبائع إنما كان لغرض أن يصدر الشكر على العبد ، فلو كان فعل العبد فعلا لله تعالى ، لكان معنى الآية إني خلقت هذه الحيوانات لأجل أن أخلق سبحان الله في لسان العبد : وهذا باطل ، لأنه تعالى قادر على أن يخلق هذا اللفظ في لسانه بدون هذه الوسايط .
واعلم أن الكلام على هذه الوجوه معلوم ، فلا فائدة في الإعادة .
يذكر الناس بهذه الإشارة بنعمة الله عليهم في اصطفائهم بخلافة هذه الأرض ، وبما سخر لهم فيها من قوى وطاقات . ثم يوجههم إلى الأدب الواجب في شكر هذه النعمة وشكر هذا الاصطفاء ؛ وتذكر المنعم كلما عرضت النعمة ، لتبقى القلوب موصولة بالله عند كل حركة في الحياة :
( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) . . فما نحن بقادرين على مقابلة نعمته بنعمة مثلها ، وما نملك إلا الشكر نقابل به هذا الإنعام .
مقرنين : أي : مطيقين ، قال عمرو بن معدي كرب :
لقد علم القبائل ما عقيل *** لنا في النائبات بمقرنينا
13- { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } .
أي : إذا ركبتم السفينة تأملتم في نعمة ربكم الذي سخر البحر والسفن لنا حتى نقول : { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } . ( هود : 41 ) .
وإذا ركبتم الدابة أو السيارة أو الطائرة أو أشباه ذلك قلتم : { سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون } .
وروح النص تفيد أن الإنسان عندما يستقر على ظهر السفينة ، أو على ظهر الدابة يذكر الله تعالى ، ويشكر أنعمه التي لا تحصى ويقول : { سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون } .
ومثل هذا الدعاء يقوله المؤمن عند ركوب المصعد إلى الأدوار العليا ، والسيارة والطيارة ؛ لأن هذا التسخير يذكرنا بأفضال الله علينا .
14- { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } .
وإنا راجعون إلى الله ، ومصيرنا إليه .
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل
جاء في حاشية شيخ زادة على تفسير البيضاوي ما يأتي : وليس المراد من ذكر النعمة تصورها وإخطارها في البال ، بل المراد تذكر أنها نعمة حاصلة بتدبير القادر العليم الحكيم ، مستدعية لطاعته وشكره ، فإن من تفكر في أن ما يركبه الإنسان من الفلك والأنعام أكثر قوة وأكبر جثة من راكبه ، ومع ذلك كان مسخرا لراكبه ، يتمكن من تصريفه إلى أي جانب شاء ، وتفكر أيضا في خلق البحر والريح وفي كونهما مسخرين للإنسان مع ما فيهما من المهابة والأهوال ، استغرق في معرفة عظمة الله تعالى وكبريائه ، وكمال قدرته وحكمته ، فيحمله ذلك الاستغراق على أن يقول متعجبا من عظمة الله : { سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون } .
ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة :
روى الإمام أحمد ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته كبّر ثلاثا ، ثم قال : { سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون } . ثم يقول : ( اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هوّن علينا السفر ، واطو لنا البعد ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم اصحبنا في سفرنا ، واخلفنا في أهلنا ) .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا رجع إلى أهله قال : ( آيبون تائبون إن شاء الله ، عابدون لربنا حامدون )2 .
هناك أذكار ثلاثة ما ينبغي لعبد أن يدع قولها ، وليس بواجب ذكرها في اللسان ، وهي :
دعاء السفر في البحر : { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } . ( هود : 41 ) .
ودعاء السفر في البر : { سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون } .
ودعاء دخول المنازل : { رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } . ( المؤمنون : 29 ) .