مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (25)

ثم وصف تلك الريح فقال : { تدمر كل شيء } أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات { بأمر ربها } والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات ، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم { فأصبحوا } يعني عادا { لا يرى إلا مساكنهم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة ، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار ، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم ، أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأحال الله عليهم الأحقاف ، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر ، وروي أن هودا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحا لينة هادئة طيبة ، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض ، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم » ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم ، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال : «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به » .

المسألة الثانية : قرأ عاصم وحمزة { لا يرى } بالياء وضمها { مساكنهم } بضم النون ، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي { لا ترى } على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب ، وفي بعض الروايات عن عاصم { لا ترى } بالتاء { مساكنهم } بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم . وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية .

قوله تعالى : { كذلك نجزي القوم المجرمين } والمقصود منه تخويف كفار مكة ، فإن قيل لما قال الله تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } فكيف يبقى التخويف حاصلا ؟ قلنا : قوله { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلا قبل نزوله .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (25)

21

والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير : ( تدمر كل شيء بأمر ربها )وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس . فهذا الوجود حي . وكل قوة من قواه واعية . وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه . والإنسان أحد هذه القوى . وحين يؤمن حق الإيمان ، ويفتح قلبه للمعرفة الواصلة ، يستطيع أن يعي عن القوى الكونية من حوله ، وأن يتجاوب معها ، وأن تتجاوب معه ، تجاوب الأحياء المدركة ، بغير الصورة الظاهرة التي يعرفها الناس من الحياة والإدراك . ففي كل شيء روح وحياة ، ولكننا لا ندرك هذا لأننا محجوبون بالظواهر والأشكال عن البواطن والحقائق . والكون من حولنا حافل بالأسرار المحجوبة بالأستار ، تدركها البصائر المفتوحة ولا تراها الأبصار .

وقد أدت الريح ما أمرت به ، فدمرت كل شيء ( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) . . أما هم وأما أنعامهم وأما أشياؤهم وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى . إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة ، لا ديار فيها ولا نافخ نار . . ( كذلك نجزي القوم المجرمين ) . . سنة جارية وقدر مطرد في المجرمين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (25)

21

المفردات :

تدمر : تهلك .

فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم : فاجأتهم الريح فدمرتهم ، ولم يبق شيء يرى إلا مساكنهم .

كذلك نجزي القوم المجرمين : بمثل تلك العقوبة يجزي الله كل من كذب رسله .

التفسير :

25- { تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين } .

إنها جزء من هذا الكون الخاضع لأمر الله ، المسبح بحمده ، فهذه الريح تحولت إلى عذاب أليم ، وإلى ريح صرصر عاتية ، تأخذ بأنفاس المكذبين وتقطع رقابهم .

وقد ورد أنهم حفروا لأنفسهم حفرا ، وربطوا أنفسهم بالسلاسل ، وتركوا رقابهم فوق الأرض ، فكانت الريح تقطع أعناقهم ، وتترك أجسامهم ، كالنخلة الهالكة التي قطع أعلاها المثمر المفيد وترك أسفلها قليل الفائدة .

وفي سورة الحاقة يقول الله تعالى : { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ( 6 ) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ( 7 ) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ( 8 ) } . ( الحاقة : 6-8 ) .

لقد أهلكهم الله هلاكا مدمرا ، جزاء عتوهم وكفرهم وعنادهم ، وجعل مثل هذا الهلاك لكل من أجرم وكفر .

{ كذلك نجزي القوم المجرمين } .

أي : مثل تلك العقوبة التي نزلت بعاد قوم هود ، يعاقب الله بها كل من أجرم وكذب وعتا وتكبر ، وكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .

قال الإمام فخر الدين الرازي : والمقصود منه تخويف أهل مكة .

وفي السنة الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح يقول : ( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها ، وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ، وشر ما أرسلت به ) . فإذا تخيلت السماء تغير لون الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر ، فإذا أمطرت سُرِّى عنه ، فسألته أم المؤمنين عائشة فقال : ( لعله يا عائشة كما قال قوم هود : { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا . . . }25 ( الأحقاف : 24 ) ) .

أخرج الحديث مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، عن عائشة ، وأورده ابن كثير في تفسير الآية مع غيره من الأحاديث النبوية .