ثم قال تعالى : { إلا من رحم ربك } احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، وذلك لأن هذه الآية تدل على أن زوال الاختلاف في الدين لا يحصل إلا لمن خصه الله برحمته ، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وإزاحة العذر ، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار ، فلم يبق إلا أن يقال : تلك الرحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة . قال القاضي معناه : إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة والثواب ، فيرحمه الله بالثواب ، ويحتمل إلا من رحمة الله بألطافه ، فصار مؤمنا بألطافه وتسهيله ، وهذان الجوابان في غاية الضعف .
أما الأول : فلأن قوله : { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } يفيد أن ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة ، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف ، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف ، فالاختلاف جار مجرى المسبب له ، ومجرى المعلول ، فحمل هذه الرحمة على الثواب بعيد .
وأما الثاني : وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف فنقول : جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضا في حق الكافر ، وهذه الرحمة أمر مختص به المؤمن ، فوجب أن يكون شيئا زائدا على تلك الألطاف ، وأيضا فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لا يوجبه ، فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان ، فلم يك لطفا فيه ، وإن أوجب الرجحان فقد بينا في «الكتب العقلية » أنه متى حصل الرجحان فقد وجب ، وحينئذ يكون حصول الإيمان من الله ، ومما يدل على أن حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق الله ، أنه ما لم يتميز الإيمان عن الكفر ، والعلم عن الجهل ، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم ، وإنما يحصل هذا الامتياز إذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقا للمعتقد وكون الآخر ليس كذلك ، وإنما يصح حصول هذا العلم ، أن لو عرف أن ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون ، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالما ، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محال فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وهو المطلوب .
ثم قال تعالى : { ولذلك خلقهم } وفيه ثلاثة أقوال :
القول الأول : قال ابن عباس : وللرحمة خلقهم ، وهذا اختيار جمهور المعتزلة ، قالوا : ولا يجوز أن يقال : وللاختلاف خلقهم ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما ، وأقرب المذكورين ههنا هو الرحمة ، والاختلاف أبعدهما . والثاني : أنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الإيمان ، لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه ، إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف . الثالث : إذا فسرنا الآية بهذا المعنى ، كان مطابقا لقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .
فإن قيل : لو كان المراد وللرحمة خلقهم لقال : ولتلك خلقهم ولم يقل : ولذلك خلقهم .
قلنا : إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثا حقيقيا ، فكان محمولا على الفضل والغفران كقوله : { هذا رحمة من ربى } وقوله : { إن رحمة الله قريب من المحسنين } .
والقول الثاني : أن المراد وللاختلاف خلقهم .
والقول الثالث : وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف . روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا ، وأهل العذاب لأن يختلفوا ، وخلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه : الأول : الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل لا يمكن حصولهما في العبد إلا بتخليق الله تعالى . الثاني : أن يقال : إنه تعالى لما حكم على البعض بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ذلك ، وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال . الثالث : أنه تعالى قال بعده : { وتمت كلمة ربك لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواما للهداية والجنة ، وأقواما آخرين للضلالة والنار ، وذلك يقوي هذا التأويل .
119 { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ . . . }
إلا المرحومين من أتباع الرسل ، الذين آمنوا بهم وصدقوهم ، واتبعوا ما أمروا به ، وتركوا ما نهوا عنه ، وقد مدح الله أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ . . . } . ( الأعراف : 157 ) .
لقد خلقهم الله ومنحهم العقل والاختيار والإرادة ، وأرسل وأنزل الكتب ؛ ليختار الإنسان بكسبه ، واختياره الطريق الذي يريده ، ويتحمل مسئولية اختياره ، ولهذا الاختلاف خلقهم الله ؛ ليتمايزوا ويظهر الخبيث من الطيب .
وقال تعالى : { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } . ( الأعراف : 30 ) .
{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .
أي : نفذ قضاء ربك ، وثبت حكمه ، الذي أكده وأقسم عليه بقوله : لأملأن جهنم من عصاة الجن ومن عصاة الإنس أجمعين .
شاء الله تعالى أن يختلف الناس في منازعهم ومشاربهم ؛ حتى يعمر الكون ، ولو أحب الناس اسما واحدا أو بلدا وسطا واحدا ، أو مدينة معتدلة واحدة ؛ لضاق المكان بأهله .
ومن حكمة الله أن حبب كل إنسان في عمله ومسلكه حتى يعمر الكون ولو هجر الناس جميعا الحياكة ؛ لتعرى الناس ، ولو هجروا الفلاحة ؛ لجاع الناس ، ولو هجروا البناء ؛ لجلس في العراء ، وتلك حكمة إلهية أرادها الله حتى يتم إعمار الكون ، فيكون هناك الملوك والأمراء ورجال السياسة ، ورجال القانون والاجتماع والأدب ، ورجال الحرف من زراعة وصناعة وتجارة ، وأقوام متفوقون ممتازون وآخرون دون ذلك . 82
وشاء الله أن يختار أناس الهدى ويعملون الصالحات ، ويتسابقون في عمل الخير وإتباع هدى المرسلين ؛ حتى يكونوا أهلا للجنة والرضوان ، وشاء الله أن يختار أقوام الضلال والانحراف ، وأن يؤثروا العاجلة على الآجلة ، وأن يكونوا تابعين للشيطان في اقتراف المحرمات والبعد عن الطاعات ؛ وهؤلاء أهل للنار وغضب الجبار .
قال تعالى : { لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } . ( ص : 85 ) . وتكرر هذا المعنى في سورة الأعراف الآية 18 وسورة هود الآية 119 وهو يشير إلى عدالة الله تعالى فما أدخلهم النار ظلما ؛ ولكن ظلموا أنفسهم واتبعوا أهواءهم ، وساروا وراء الشياطين ؛ فجمع الله في جهنم أتباع إبليس من الجن والإنس ، قال تعالى : { من الجنة والناس وهم أتباع إبليس من الجن والإنس } .
وفي الصحيحين : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ، 83 وقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، فقال الله عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ، وقال للنار : أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا يسكن فضل الجنة ، وأما النار فلا تزال تقول : هل من مزيد ، حتى يضع لها رب العزة قدمه ، فتقول : قط قط ، 84 وعزتك ! ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.