مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا} (100)

قوله تعالى :{ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : أن الكفار لما قالوا { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } طلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم وتتسع عليهم معيشتهم فبين الله تعالى لهم أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ولما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد وعلى هذا التقدير فلا فائدة في إسعافهم بهذا المطلوب الذي التمسوه فهذا هو الكلام في وجه النظم ، والله أعلم .

المسألة الثانية : قوله : { لو أنتم } فيه بحث يتعلق بالنحو وبحث آخر يتعلق بعلم البيان ، أما البحث النحوي : فهو أن كلمة « لو » من شأنها أن تختص بالفعل لأن كلمة « لو » تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال والمنتفى هو الأحوال والآثار لا الذوات فثبت أن كلمة « لو » مختصة بالأفعال وأنشدوا قول المتلمس :

لو غير أخوالي أرادوا نقيصتي*** نصبت لهم فوق العرانين مأتما

والمعنى لو أراد غير أخوالي وأما البحث المتعلق بعلم البيان فهو أن التقديم بالذكر يدل على التخصيص فقوله : { أنتم تملكون } دلالة على أنهم هم المختصون بهذه الحالة الخسيسة والشح الكامل .

المسألة الثالثة : خزائن فضل الله ورحمته غير متناهية فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح وهذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشيء ثم قال تعالى : { وكان الإنسان قتورا } أي بخيلا يقال قتر يقتر قترا وأقتر إقتارا وقتر تقتيرا إذا قصر في الإنفاق فإن قيل فقد دخل في الإنسان الجواد الكريم فالجواب من وجوه . الأول : أن الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان البخل . الثاني : أن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل . الثالث : إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق : وهم الذين قالوا { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا }

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا} (100)

90

المفردات :

خشية الإنفاق : أي : خوف الفقر .

قتورا : أي : مقترا بخيلا ، يقال : قتر عليه ، يقتر ، قترا ، وقتر أي : ضيق عليه .

التفسير :

100- { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } .

المراد من الإنفاق هنا : الفقر ، يقال : أنفق فلان إذا افتقر ، وقال أبو عبيدة : أنق ، وأملق ، وأعدم ، وأصرم ، بمعنى : أي : قل لهم أيها الرسول : إنكم لو تملكون التصرف في خزائن الله ؛ لأمسكتم خشية الفقر : أي : خشية أن تزول وتذهب مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا .

{ وكان الإنسان قتورا } . أي بخيلا شحيحا ، والقتر ، والإقتار ، والتقتير : هو التقصير في الإنفاق .

قال النيسابوري :

وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الناس ممن هو كريم جواد ؛ لأن اللام في الإنسان للجنس أي : هذا الجنس من شأنه الشح ، إذا كان باقيا على طبعه ؛ لأنه خلق محتاجا إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح ، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال ، فبه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون ، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة ، ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية ، فإذا الأصل في الإنسان هو البخل . والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي ؛ طلبا للثناء أو الثواب . وقيل : المراد بهذا ، الإنسان المعهود السابق ، ممن قالوا : لن نؤمن لك ؛ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . . . فبيّن الله تعالى : أنهم لو ملكوا خزائن الأرض ؛ لبخلوا بها{[497]} .

وقال ابن كثير :

إن الله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا . إذا مسّه الشرّ جزوعا . وإذا مسّه الخير منوعا . إلا المصلّين } ( المعراج : 22 ، 19 ) .

وشبيه بهذه الآيات قوله سبحانه :

{ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } . ( النساء : 53 ) .

أي : لو أن لهم نصيبا في ملك الله ؛ لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير ، وقد جاء في الصحيحين : ( يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ){[498]} .

وجاء في تفسير الخطيب ما يأتي :

فإن قيل : قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم ؛ أجيب من وجوه :

الأول : أن الأصل في الإنسان البخل ؛ لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد وأن يحبس ما به يدفع الحاجة ، وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجوز به لأسباب من الخارج ، فثبت أن الأصل في الإنسان البخل .

الثاني : أن الإنسان إنما يبذل ؛ لطلب الثناء والحمد ، وليخرج من عهدة الواجب ، فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل .

الثالث : أن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ، وهم الذين قالوا : { لن نؤمن لك حتى تفجر من الأرض ينبوعا }{[499]} .


[497]:- تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 15/97.
[498]:- أخرجه البخاري في 97- كتاب التوحيد، 19- باب حدثنا معاذ ابن فضالة حديث 2012 عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم ج 7 ص 80 السح الصب الدائم، والليل والنهار منصوبان على الظرف ومعنى لا يغيضها شيء أي: لا ينقصها يقال: غاض الماء وغاضه الله لازم ومتعد وفي رواية أبي هريرة في مسلم: (قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم أنفقْ أنفقْ عليك). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يمين الله ملأى).
[499]:- تفسير الخطيب الشربيني ج 2 ص 325.