مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

المسألة الرابعة : وهي إقامة الجدار فقد أجاب العالم عنها بأن الداعي له إليها أنه كان تحت ذلك الجدار كنز وكان ذلك ليتيمين في تلك المدينة وكان أبوهما صالحا ولما كان ذلك الجدار مشرفا على السقوط ولو سقط لضاع ذلك الكنز فأراد الله إبقاء ذلك الكنز على ذينك اليتيمين رعاية لحقهما ورعاية لحق صلاح أبيهما فأمرني بإقامة ذلك الجدار رعاية لهذه المصالح ، وفي الآية فوائد . الفائدة الأولى : أنه تعالى سمى ذلك الموضع قرية حيث قال : { إذا أتيا أهل قرية } وسماه أيضا مدينة حيث قال : { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة } . الفائدة الثانية : اختلفوا في هذا الكنز فقيل : إنه كان مالا وهذا هو الصحيح لوجهين . الأول : أن المفهوم من لفظ الكنز هو المال . والثاني : أن قوله : { ويستخرجا كنزهما } يدل على أن ذلك الكنز هو المال وقيل إنه كان علما بدليل أنه قال : { وكان أبوهما صالحا } والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال إذ كنز المال لا يليق بالصلاح بدليل قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } وقيل : كان لوحا من ذهب مكتوب فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا الله محمد رسول الله . الفائدة الثالثة : قوله : { وكان أبوهما صالحا } يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وعن جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء وعن الحسن ابن علي أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما : بم حفظ الله مال الغلامين ؟ قال : بصلاح أبيهما قال فأبي وجدي خير منه ؟ قال : قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون . وذكروا أيضا أن ذلك الأب الصالح كان الناس يضعون الودائع إليه فيردها إليهم بالسلامة ، فإن قيل : اليتيمان هل عرف أحد منهما حصول الكنز تحت ذلك الجدار أو ما عرف أحد منهما ؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار . وإن كان الثاني فكيف يمكنهم بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز والانتفاع به ؟ الجواب : لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان عالما به ثم ( إن ) ذلك الوصي غاب وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السقوط ولما قرر العالم هذه الجوابات قال : { رحمة من ربك } يعني إنما فعلت هذه الفعال لغرض أن تظهر رحمة الله تعالى لأنها بأسرها ترجع إلى حرف واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى كما قررناه ثم قال : { وما فعلته عن أمري } يعني ما فعلت ما رأيت من هذه الأحوال عن أمري واجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله ووحيه لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع بقي في الآية سؤال ، وهو أنه قال : { فأردت أن أعيبها } وقال : { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة } وقال : { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } كيف اختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاث وهي كلها في قصة واحدة وفعل واحد ؟ والجواب : أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه فقال : أردت أن أعيبها ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيها على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية ، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى ، لأن المتكفل بمصالح الأبناء لرعاية حق الآباء ليس إلا الله سبحانه وتعالى .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

75

المفردات :

عن أمري : عن رأيي واجتهادي .

ما لم تستطع : أي : تستطع ماضيه : اسطاع ، الذي أصله : استطاع .

82- { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربّك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا } .

كان الخضر قد أقام الجدار وعدله وثبته في مكانه ، وقصته : أن الجدار كان ملكا لغلامين يتيمين ، قد مات أبوهما ولو سقط الجدار ؛ لاستولى الأوصياء على الكنز الذي تحته ، وكان تحت الجدار كنز من ذهب وفضة ، فأراد الله سبحانه وتعالى ، أن يبلغ اليتيمان أشدهما ، أي : سن القوة والفتوة والرشد ؛ فيستوليان على هذا الحائط ، ويستخرجان الكنز من تحته ، وهذا كله بتوجيه الله ، وإرادته ورحمته بعبادة ولم يفعله الخضر برغبته ؛ بل بأمر الله سبحانه وتعالى له . وفي هذا ما يدل المسلم على أن يحني رأسه لكل ما يجيء به القدر ؛ فقد يأتي الله تعالى بالنعمة ، وقد يأتي بالمحنة ، ونحن أمرنا أن نشكر على النعماء ، وأن نصبر على البأساء ، وأن نرضى بأسباب القضاء .

إن هذه المصالحة مع القدر ، وحلاوة الرضا والتوافق ، تمنح المؤمن زادا من قوة اليقين ، وهدوء الباطن ، وحلاوة التسليم ، لكل ما يأتي به الله على حد قول القائل :

سلّم الأمر تجدنا *** نحن أولى بك منك

وفي الحديث الصحيح : أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره ، حلوه ومره )52 .

وفي الحديث الشريف : ( ما من عبد يبتلى بمصيبة فيقول : اللهم ، اؤجرني في مصيبتي وعوضني خيرا منها ؛ إلا عوضه الله خيرا مما فقده )53 .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات ولد المؤمن ؛ قال الله تعالى : يا ملائكتي ؛ أقبضتم روح ولد عبدي ؟ ! فيقولون : نعم يا ربنا ، فيقول الله تعالى : فماذا قال عبدي ؟ فيقولون : يا ربنا ، حمد واسترجع ، فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة ، وسمو : بيت الحمد )54 .

ومعنى : حمد واسترجع ، أي قال : الحمد لله ، إنا لله وإنا إليه راجعون .

وروى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المسلم من هم ولا حزن ولا تعب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه ، ويزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )55 .

وفي الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أشدكم بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلي الرجل على حسب دينه ، ولا يزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )56 .

وهذه المعنى تلتقي مع قصة موسى والخضر ، وترمز إلى الرغبة الإلهية العليا في تسليم المؤمن ، ورضاه بالقضاء والقدر ، والتمتع بحلاوة الرضا ، واليقين بالثواب والجزاء الكريم للصابرين .

قال تعالى : { ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين . الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } . ( البقرة : 157 ، 155 ) .

وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله عز وجل : إذا ابتليت عبدي في حُبيبتيه ( يعني : عينيه ) فصبر واحتسب ؛ لم أجد له جزاء دون الجنة )57 .

ويقول تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين . ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } . ( البقرة : 154 ، 153 ) .

/خ82