الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا} (82)

قوله : { وأما الجدار } [ 81 ] إلى قوله { من كل شيء سببا } [ 83 ] .

هذه حكاية من قول الخضر لموسى أن الجدار الذي أقمته كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما . قال : ابن عباس ومجاهد وابن جبير : كان{[43348]} صحفا مدفونة{[43349]} فيها علم{[43350]} .

[ و ]{[43351]} قال : جعفر بن محمد : كان ذلك سطرين ونصف لم يتم الثالث . وهما : عجب{[43352]} للموقن بالرزق كيف يتعب .

و[ عجب ]{[43353]} للموقن بالحساب كيف يغفل .

و[ عجب ]{[43354]} للموقن بالموت كيف يفرح .

و{ إن كان مثقال حبة من خردل آتينا بها وكفى بنا حاسبين{[43355]} } فحفظا بصلاح أبيهما السابع{[43356]} .

وقال : الحسن كان الكنز لوحا من ذهب مكتوب فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم " : عجبت{[43357]} لمن يوقن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت{[43358]} لمن يوقن بالموت كيف يفرح وعجبت{[43359]} لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها . لا إله إلا الله{[43360]} محمد رسول الله " {[43361]} .

روى ابن وهب : أن الكنز كان لوحا من ذهب مصمت مكتوب فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم " عجب لمن عرف الموت ثم ضحك ، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب ، عجب لمن أيقن/ بالموت ثم أمن أشهد أن لا إله إلا وأن محمدا عبد الله ورسوله " {[43362]} .

وقيل كان في جنب{[43363]} منه : عجب{[43364]} لمن أيقن بالقدر ثم نصب ، عجب لمن أيقن بالنار ثم ضحك ، وعجب لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها . أنا الله الذي لا إله إلا أنا ، محمد عبدي ورسولي . وفي الشق الآخر : أنا الله الذي لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ، خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه ، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه .

وقال : عكرمة : كان الكنز مالا مدفونا . وكذلك روي عن قتادة{[43365]} ، وهو الذي يعطي ظاهر الخطاب لأنه لو كان غير مال لبين بالإضافة فكان يقال : كنز علم ونحوه .

ثم قال : تعالى حكاية عن قول الخضر لموسى : { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } [ 81 ] . أي : باليتيمين . فهذا عذر الخضر في إقامته للجدار . ونصب " رحمة " على المصدر على أنه مفعول من أجله .

ثم قال : { وما فعلته عن أمري } [ 81 ] .

أي : ما فعلت جميع ما رأيت يا موسى من عند نفسي إنما فعلته عن أمر الله{[43366]} .

وهذا يدل على أنه وحي أتاه في ذلك من عند الله{[43367]} .

ثم قال : { ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا } [ 81 ] .

أي : هذا الذي قلت هو الذي يؤول إليه فعلي الذي أنكرته ولم تقدر على الصبر لما رأيته يا موسى . وهذه الأخبار كلها تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم وإعلام له بما جرى لمن كان قبله{[43368]} .


[43348]:ط: كانت.
[43349]:ق: مدفونا.
[43350]:انظر تفسير مجاهد 450، ومعاني الفراء 2/157، وجامع البيان 16/5 وأحكام الجصاص 3/216، والجامع 11/27.
[43351]:ساقط من ط.
[43352]:في جامع البيان "عجبت" لعله الأصوب.
[43353]:ساقط من ط.
[43354]:ساقط من ط.
[43355]:الأنبياء: 47.
[43356]:انظر قول جعفر بن محمد في جامع البيان 16/5.
[43357]:ط: "عجب".
[43358]:ط: "عجب".
[43359]:ط: "عجب".
[43360]:ط: "إلا هو".
[43361]:ط: زاد "صلى الله عليه وسلم" وانظر قول الحسن في جامع البيان 16/6: وفي الجامع 11/27 أنه قول ابن عباس ونحوه عن عكرمة وعمر مولى عفرة، ورفعه عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
[43362]:انظر قوله في جامع البيان 16/6 يرويه عن عبد بن عياش عن عمر مولى غفر.
[43363]:ط : "جانب".
[43364]:ط : عجبا".
[43365]:انظر قولهما في جامع البيان 16/6، وأحكام الجصاص 3/216 والجامع 11/27.
[43366]:وهو تفسير ابن جرير، انظر جامع البيان 16/7.
[43367]:وهو قول الزجاج، انظر معاني الزجاج 3/307.
[43368]:وهو تفسير ابن جرير، انظر جامع البيان 16/7.