أما قوله تعالى : { أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها : هذه وثانيها : قوله في { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء } وثالثها : قوله في النمل { وأدخل يدك في جيبك } قال العزيزي في غريب القرآن : { اسلك يدك في جيبك } أدخلها فيه .
أما قوله : { واضمم إليك جناحك من الرهب } فأحسن الناس كلاما فيه ، قال صاحب الكشاف : فيه معنيان أحدهما : أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء ، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى ، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه . الثاني : أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر ، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران ، ومعنى قوله : { من الرهب } من أجل الرهب ، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك وقوله : { اسلك يدك في جيبك } على أحد التفسيرين واحد ، ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب ، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه ، وذلك قوله : { واضمم إليك جناحك } وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } فما التوفيق بينهما ؟ قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى ، وبالمضموم إليه اليد اليسرى ، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح ، هذا كله كلام صاحب الكشاف وهو في نهاية الحسن .
أما قوله تعالى : { فذانك } قرئ مخففا ومشددا ، فالمخفف مثنى ( ذا ) ، والمشدد مثنى ( ذان ) ، قوله : { برهانان من ربك } حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد ، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات ، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال : { إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } قال القاضي : وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم ، إذ المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله ، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أنه لابد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي ، وأما كونه لا حكمة ههنا فلا نسلم ، فلعل هناك أنواعا من الحكم والمقاصد سوى ذلك ، لاسيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد .
جيبك : الجيب : فتحة القميص من حيث يدخل الرأس .
جناحك : الجناح : العضد والذراع ، لأن الذراع للإنسان كالجناح للطائر .
الرهب : الخوف ، بفتح الراء وسكون الهاء ، بقراءة حفص عن عاصم ، وقرأ الجمهور : [ الرّهب ] بفتح الراء والهاء .
برهانان : حجتان واضحتان ، تثنية برهان ، وهو الحجة القاطعة .
32-{ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذلك برهان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } .
أدخل يدك في جيبك ، والجيب فتحة الثوب تكون في الصدر ، ومن هذا الجيب تدخل الرأس عند لبس الثوب ، قال تعالى : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن . . } [ النور : 31 ] أي : على المرأة المسلمة أن تضع طرف الخمار على فتحة الصدر حتى تستر صدرها .
والمراد : أن الله طلب من موسى عليه السلام أن يدخل يده في فتحة القميص أو فتحة الثوب الخارجي ، فإذا أخرجها خرجت بيضاء بياضا ساطعا ، مثل ضوء الشمس ، بدون مرض أو برص ، فهذه معجزة ثانية ، والعهد في يد موسى أنها تميل إلى السواد أو الحمرة ، فربما دخله الرعب أو الخوف من شدة بياض اليد ، وشدة إشراق الضوء منها ، فأمره الله تعالى أن يضم يده إلى صدره فإن ذلك يذهب عنه الرهب والخوف ، وهي وسيلة عملية لكل خائف ، أن يضع يده في صدره ، حتى يخفف من خفقان قلبه .
وما فسروه من ضم اليد إلى الصدر يدل على أن الجيب موضعه الصدر ، وقرأ حفص : { من الرهب } بفتح الراء وإسكان الهاء ، وقرأ جمهور القراء بفتح الراء والهاء : { من الرهب } ، لقوله تعالى : { ويدعوننا رغبا ورهبا . . } [ الأنبياء : 90 ] وكلها لغات ، وهو بمعنى الخوف .
والمعنى : إذا هالك أمر يدك وشعاعها فأدخلها في جيبك ، وارددها إليه تعد كما كانت .
ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى عليه السلام ، ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعبxii .
هاتان حجتان واضحتان ، ومعجزتان بارزتان ، تأييدا من الله لك ، وهما العصا تنقلب حية ، واليد تضيء كالشمس .
{ إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } .
هاتان الآيتان أرسلناك بهما إلى فرعون وقومه ، إنهم كانوا قوما خارجين على طاعة الله ، فأيدك بالمعجزتين دعما لموقفك ، وإعلاما للجميع بأنك رسول من عند الله مؤيد بالمعجزتين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.