فعند ذلك قال موسى عليه السلام وقد عرف منهم العناد { ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار } فإن من أظهر الحجة ولم يجد من الخصم اعتراضا عليها وإنما لما وجد منه العناد صح أن يقول ربي أعلم بمن معه الهدى والحجة منا جميعا ومن هو على الباطل ويضم إليه طريق الوعيد والتخويف وهو قوله : { ومن تكون له عاقبة الدار } من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة والدليل عليه قوله تعالى : { أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن } وقوله : { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقباها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت فإن قيل العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار ، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها بخير في حق البعض وبشر في حق البعض الآخر ، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر ؟ قلنا إنه قد وضع الله سبحانه الدنيا مجازا إلى الآخرة وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق ، فمن عمل فيها خلاف ما وضعها الله له فقد حرف ، فإذن عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير ، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار ، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله : { إنه لا يفلح الظالمون } والمراد أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع بل يحصلون على ضد ذلك وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم .
عاقبة الدار : العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ، قال تعالى : { أولئك لهم عقبى الدار } [ الرعد : 22 ] .
الظالمون : المشركون الكافرون .
37-{ وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون }
أجاب موسى إجابة مهذبة ، فهم لم يقدموا حجة ولا دليلا حتى يناقشهم ، لكنهم اتهموه بدون دليل ، وموسى واثق في صدقه وفي نصرة ربّه .
قال موسى : الله أعلم بأني جئت بالرسالة من عنده صادقا ، وأن العاقبة ستكون للمؤمنين ، بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة ، وحاشا لله أن ينتصر الظالمون ، فتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا .
ويتعلق بالآية أنها جاءت لوحة هادفة في أدب الخطاب فموسى لم يجبهم بأنهم كاذبون ، وأنه رسول مؤيد من عند الله ، لكنه أجابهم بطريق التجهيل ، أي الجهل بمن تكون له العاقبة ، على طريقة القرآن الكريم حين قال : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } [ سبأ : 24 ] وكذلك موسى هنا يقول : الله أعلم بالصادق منا ، وبمن تكون له العاقبة والغلبة في النهاية ، لأن الظالم منّا لن يفلح .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.