مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (5)

قوله تعالى : { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون }

لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى : { ألا له الخلق والأمر } والعظمة تتبين بهما فإن من يملك مماليك كثيرين عظماء تكون له عظمة ، ثم إذا كان أمره نافذا فيهم يزداد في أعين الخلق ، وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته ، وقوله تعالى : { ثم يعرج إليه } معناه ، والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر ، فإن العمل أثر الأمر . وقوله تعالى : { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } فيه وجوه أحدها : أن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو في يوم فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فينزل في مسيرة خمسمائة سنة ، ويعرج في مسيرة خمسمائة سنة ، فهو مقدار ألف سنة ثانيها : هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة فقوله تعالى : { في يوم كان مقداره ألف سنة } يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة ، فكم يكون شهر منه ، وكم تكون سنة منه ، وكم يكون دهر منه ، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين قوله { مقداره خمسين ألف سنة } لأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر ، فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفا لا يتفاوت إلا أن المبالغة تكون في الخمسين أكثر وتبين فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى : ( وفي هذه لطيفة ) وهو أن الله ذكر في الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق ، وأشار إلى عظمة الملك ، وذكر في هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله : { يدبر الأمر } والروح من عالم الأمر كما قال تعالى : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } وأشار إلى دوامه بلفظ يوهم الزمان والمراد دوام البقاء كما يقال في العرف طال زمان فلان والزمان لا يطول ، وإنما الواقع في الزمان يمتد فيوجد في أزمنة كثيرة فيطول ذلك فيأخذ أزمنة كثيرة ، فأشار هناك إلى عظمة الملك بالمكان وأشار إلى دوامه ههنا بالزمان فالمكان من خلقه وملكه والزمان بحكمه وأمره . واعلم أن ظاهر قوله : { يدبر الأمر } في يوم يقتضي أن يكون أمره في يوم واليوم له ابتداء وانتهاء فيكون أمره في زمان حادث فيكون حادثا وبعض من يقول بأن الله على العرش استوى يقول بأن أمره قديم حتى الحروف ، وكلمة كن فكيف فهم من كلمة على كونه في مكان ، ولم يفهم من كلمة في كون أمره في زمان .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (5)

{ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون }

المفردات :

من ولي ولا شفيع : من ناصر ينصركم ولا وسيط يشفع لكم .

يدبر الأمر : يدبر أمر الدنيا مدة بقائها على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة .

التفسير :

يدبر أمر الكون كله في العالم العلوي والسفلي ثم يصعد إليه أثر الأمر وتنفيذه بواسطة الملائكة وهذا تمثيل لعظمة الله وامتثال المخلوقات جميعا لمراده وتدبيره كالحاكم المطلق الذي يصدر أوامره ثم يتلقى من أعوانه ما يدل على تنفيذها .

قال الالوسي :

والمراد بعروج الأمر إليه بعد تدبيره- سبحانه- وصول خبر وجوده بالفعل كما دبر إظهارا لكمال عظمته وعظيم سلطانه وذلك كعرض الملائكة عليه أعمال العباد الوارد في الأخبار . أه ( باختصار ) .

وفي تفسير القرطبي ما يأتي :

وقال ابن عباس : المعنى كان مقداره لو سار غير الملك ألف سنة لأن النزول خمسمائة والصعود خمسمائة وروى ذلك عن جماعة من المفسرين وهو اختيار الطبري ذكره المهدوي .

والمعنى : أن جبريل لسرعة سيره يقطع مسيرة ألف سنة في يوم من أيامكم ذكره الزمخشري .

وقيل : معنى في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون . . . ترفع الأمور الحاصلة في الدنيا صغيرها وكبيرها إلى الله تعالى يوم القيامة ليفصل فيها ويحكم في شأنها ويوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا التي نعدها في هذه الحياة .

والمراد من الألف : الزمن المتطاول الذي هو في لغة العرب أقصى نهاية العدد .

وفي موضع آخر وصف الله تعالى مقدار هذا اليوم بخمسين ألف سنة قال تعالى : تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . ( -المعارج : 4 ) .

قال القرطبي : المعنى أن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة قاله ابن عباس والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر قال شاعرهم :

ويوم كظل الريح قصر طواله *** دم الزق عنا واصطفاق المزاهر

وقيل إن يوم القيامة فيه أيام فمنه ما مقداره ألف سنة ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة . iv

من تفسير ابن كثير :

{ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه . . . . }

أي يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة كما قال تعالى : الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن . . . 'الطلاق : 12 ) .

وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ومسافة ما بينها وبين الأرض خمسمائة سنة وسمك السماء خمسمائة سنة .

وقال مجاهد والضحاك : النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في مسيرة خمسمائة عام ولكنه يقطعها في طرفة عين ولهذا قال تعالى : في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون . أه .

أي : في يوم عظيم هو يوم القيامة طوله ألف سنة من أيام الدنيا لشدة أهواله .

***