مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ} (52)

ثم قال تعالى : { وقالوا آمنا به وإني لهم التناوش من مكان بعيد }

أي بعد ظهور الأمر حيث لا ينفع إيمان ، قالوا آمنا { وأنى لهم التناوش } أي كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب وذلك لا يكون إلا في الدنيا وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة ، فإن قيل فكيف قال كثير من المواضع إن الآخرة من الدنيا قريبة ، ولهذا سماها الله الساعة وقال : { لعل الساعة قريب } نقول الماضي كالأمس الدابر بعدما يكون إذ لا وصول إليه ، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت ، فيوم القيامة الدنيا بعيدة لمضيها وفي الدنيا يوم القيامة قريب لإتيانه والتناوش هو التناول عن قرب . وقيل عن بعد ، ولما جعل الله الفعل مأخوذا كالجسم جعل ظرف الفعل وهو الزمان كظرف الجسم وهو المكان فقال : { من مكان بعيد } والمراد ما مضى من الدنيا .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ} (52)

{ وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } .

المفردات :

التناوش : تناول الإيمان والتوبة .

مكان بعيد : هو الآخرة إذ أماكن الإيمان هو الدنيا .

التفسير :

في يوم القيامة ويوم البعث ومشاهدة الحساب لا يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأنى وكيف يتأتى لهم تناول الإيمان تناولا سهلا من مكان بعيد عن محل القبور ؟ لأن الدار الآخرة هي دار الجزاء والدنيا هي دار العمل وفي الأثر : " الدنيا عمل ولا حساب والآخرة حساب ولا عمل " .

قال الفخر الرازى :

الماضي كالأمس الدابر لا يمكن الوصول إليه والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنون فإنه آت وفي يوم القيامة الدنيا بعيدة لمضيها وفي الدنيا يوم القيامة قريب لإتيانه .

قال تعالى : { لعل الساعة قريب } ( الشورى : 18 )

وقوله تعالى : { من مكان بعيد } والمراد : ما مضى من الدنيا . اه .

وبعبارة أخرى : كما أن رجوع الزمان الماضي من الدنيا بعيد أو مستحيل فكذلك قبول الإيمان في الآخرة بعيد أو مستحيل .

وفي الأدب العربي : أن كليبا لما قتل رغبت قبيلة القاتل في الصلح فأرسلت إلى أخيه جساس تعرض عليه الصلح نظيرا أن ينفذوا له ما يطلب فقال جساس : ( انشروا لي كليبا ) أي : طلب أمرا مستحيلا وهو إعادة كليبا حيا حتى يصطلح ومن شعر جساس :

يا لبكر اشروا كليبا *** يا لبكر أين أين الفرار

أو يكون معنى الآية : الإيمان لا يقبل إلا في الدنيا والعودة إلى الدنيا مستحيلة فأنى لهم الإيمان من مكان بعيد عن الدنيا وأنى لهم العودة إلى الدنيا .

وفي سورة المؤمنون : { ربنا أخرجنا منها فأن عدنا فإنا ظالمون* قال أخسئوا فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : ( 107-108 ) .