قوله تعالى : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا } .
المسألة الأولى : أم : منقطعة ، والتقدير بل يحسدون الناس .
المسألة الثانية : في المراد بلفظ «الناس » قولان : الأول : وهو قول ابن عباس والأكثرين أنه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم ، ومن هذا يقال : فلان أمة وحده ، أي يقوم مقام أمة ، قال تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا } .
والقول الثاني : المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين ، وقال من ذهب إلى هذا القول : أن لفظ الناس جمع ، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد .
واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لإرادة طائفة معينة من الناس ، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية ، كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس ، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين :
المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين :
فالقول الأول : أنه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا .
والقول الثاني : أنهم حسدوه على أنه كان له من الزوجات تسع .
واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين ، ثم أنه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وضم إليها إنه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم . فأما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه ، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به ، بل إن جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته ، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد .
واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهوديين ما يدفع ذلك فقال : { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } والمعنى أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك ، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه ، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه ؟
واعلم أن { الكتاب } إشارة إلى ظواهر الشريعة { والحكمة } إشارة إلى أسرار الحقيقة ، وذلك هو كمال العلم ، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة . وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالإنسان من الكمالات ، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم .
وقيل : إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم : كيف استكثرتهم له التسع ، وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية ؟
يحسدون الناس : الحسد : تمنى زوال نعمة الغير .
الحكمة : العلم النافع ، أو النبوة .
ثم بين الله تعالى سر هذا العناد و التمادي في الضلال ، فذكر أنه يرجع إلى حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم و أمته ، و سيطرة الحقد على نفوسهم ، فوبخهم على ذلك بقوله :
54 _ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ . أي : أنهم ليس لهم دليل يستندون إليه ، وسبب يتمسكون به في تكذيبهم . بل هم يحسدون الناس ، وهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، على ما آتاهم الله من فضله ، و أنعم به عليهم حيث : أعطاهم النبوة ، و الكتاب ، و الحكمة .
ولا غرابة في هذا ، ففضل الله واسع ، وقد آتى الله آل إبراهيم _أي : إبراهيم و من معه- الكتاب ، والحكمة ، والنبوة ، وآتاهم الله مع ذلك ملكا عظيما واسعا .
ومن ذلك ما أعطاه الله تعالى يوسف عليه السلام ، من السلطان في مصر .
وما أعطاه الله تعالى داود وسليمان عليهما السلام ، من النبوة و الملك العظم فلا غرابة- بعد هذا- أن يؤتي الله محمد صلى الله عليه وسلم- وهو من أولاد إبراهيم- مثلما أعطى إخوانه الأنبياء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.