مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَـٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (97)

قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد } .

اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { قيما } بغير ألف ، ومعناه المبالغة في كونه قائما بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى : { دينا قيما } والباقون بالألف ، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء .

المسألة الثانية : { جعل } فيه قولان : الأول : أنه بين وحكم ، الثاني : أنه صير ، فالأول بالأمر والتعريف ، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه .

المسألة الثالثة : سميت الكعبة كعبة لارتفاعها ، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج كاعب وكعاب ، وكعب الإنسان يسمى كعبا لنتوه من الساق ، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه .

المسألة الرابعة : قوله { قياما للناس } أصله قوام لأنه من قام يقوم ، وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح ، ثم ذكروا هاهنا في كون الكعبة سببا لقوام مصالح الناس وجوها : الأول : أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة ، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع ، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلية ، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات ، فصار ذلك سببا لاسباغ النعم على أهل مكة . الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم ، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى : { أو لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم } الثالث : أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم . الرابع : أنه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة ، وجعل تلك المناسك سببا لحط الخطيئات ، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات .

واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه ، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني ، وإما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث ، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع ، فلما كانت الكعبة سببا لحصول هذه الأقسام الأربعة ، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس .

المسألة الخامسة : المراد بقوله { قياما للناس } أي لبعض الناس وهم العرب ، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم .

المسألة السادسة : اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سببا لقيام الناس وقوامهم . الأول : الكعبة وقد بينا معنى كونها سببا لقيام الناس ، وأما الثاني : فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببا لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض ، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضا . فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج .

واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس . وأما الثالث : فهو الهدي وهو إنما كان سببا لقيام الناس ، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء . وأما الرابع : فهو القلائد ، والوجه في كونها قياما للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد ، ومن قصده من غير الشهر الحرام ومعه هدي ، وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد ، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلدا ، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ، ولم يتعرض لها صاحبها أيضا ، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام ، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات والمخافات ، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس ذكر بعده هذه الثلاثة ، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد ، لأن هذه الثلاثة إنما صارت سببا لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام ، فكان ذلك دليلا على عظمة هذا البيت وغاية شرفه .

ثم قال تعالى : { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } .

والمعنى : أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة ، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية ، دبر في ذلك تدبيرا لطيفا ، وهو أنه ألقى في قلوبهم اعتقادا قويا في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام ، وفي الشهر الحرام ، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان ، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، فاستقامت مصالح معاشهم ، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالما بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم ، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل ، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف ، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سببا لحصول الأمان في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان ، وفي ذلك الزمان ، وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالما ، فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح ، وكل من كان كذلك كان عالما ، ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سببا لحصول الأمن في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة ، فعل في غاية الإتقان والإحكام ، فيكون ذلك دليلا قاهرا وبرهانا باهرا ، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات ، فلا جرم قال ذلك { لتعلموا } أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه ، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن ، فتعلموا { أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض } ثم إذا عرفتم ذلك ، عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود ، وما كان كذلك ، امتنع أن يكون مخصوصا بالبعض دون البعض ، فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات ، وإذا كان كذلك ، كان الله سبحانه عالما بجميع المعلومات ، فلذلك قال : { وأن الله بكل شيء عليم } فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَـٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (97)

المفردات :

قياما للناس : ما يقوم به أمر الناس ؛ ويصلح شأنهم في دينهم ودنياهم .

والشهر الحرام : الحرام ؛ ( أل ) في الشهر ، للجنس . فيعم الاشهر الحرم الأربعة . وهي : ذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ورجب . وقيل : ( الشهر ) هو شهر ذي الحجة .

والهدى : ما يهدي إلى الحرم من الانعام قربة إلى الله ، للتوسعة على فقراء الحرم .

والقلائد : جمع قلادة ، وهي كل ما علق على أسنمة النعام وأعناقها ، علامة على أنها لله والمراد بالقلائد : ذوات القلائد إذا ساقوها هديا .

التفسير :

97- جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي . . . الآية .

اقتضت حكمة الله تعالى رحمته بعباده ان يصير الكعبة التي هي البيت الحرام قياما للناس أي به قوامهم في إصلاح أمر دينهم ودنياهم فهي مركز الإسلام الأول .

وصلاح أمر الدين بالحج إلى البيت الحرام وأداء المناسك والعبادات ، وصحة الصلاة باستقبال البيت الحرام ، وصلاح امر الدنيا عن طريق تبادل المنافع ، وبذل الأموال والشعور بالأمان والاطمئنان ، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية .

فقد جعل الله الكعبة معظمة في القلوب ، يفد الناس إليها من كل فج عميق لأداء المناسك ، وصار ذلك سببا في إسباغ النعم على أهلها ، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم الخليل : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقوموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ( إبراهيم 37 ) .

وقد حقق الله دعوة سيدنا إبراهيم ، فصارت الكعبة ملاذا للناس ، وأمنا لأهلها على أنفسهم وأموالهم ، فلو وجد الإنسان قاتل أبيه أو أخيه عند الكعبة لم يجز له ان يقتله .

وكذلك جعل الله الأشهر الحرم منطقة زمنية يحرم فيها القتال وذلك لن الناس يتفرغون للتجارة والعمل والإنتاج والإفادة ، فتطمئن الأفئدة ويحصل التآلف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادي .

كما ان الهدي والقلائد ، التي يسوقها المحرمون إلى الحرم فيها ما فيها من التوسعة على الفقراء ، وإشاعة روح المحبة والتسامح والإخاء .

ويشير الإمام القرطبي في تفسيره إلى الحكمة من جعل هذه الأشياء قياما للناس فيقول :

إن الله تعالى خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتقاطع والسلب والغارة ، فلم يكن يد في الحكمة الإلهية من وازع يحملهم على التآلف .

فجعل الله الخليفة في الأرض حتى لا يكون الناس فوضى ، وعظم في قلوبهم البيت الحرام ، وأوقع في نفوسهم هيبته فكان من لجأ إليه معصوما به ، وكان من اضطهد محميا بالالتجاء إليه ، كما جعل الله الأشهر الحرم ملجأ آخر ، وقرر في نفوسهم حرمتها فكانوا لا يطلبون فيها دما ، ولا يروعون فيها نفسا ، ثم شرع لهم الهدي والقلائد فمن علق قلادة على بعيره أو على نفسه لم يروعه أحد حيث لقيه .

والهدي : ما يهدى للبيت الحرام وفي ذبحه منافع للفقراء وقيام لمعيشتهم وثواب للأغنياء ، ورفع لدرجتهم

والقلائد : أي الحيوانات التي توضع في رقبتها قلادة من ورق الشجر ، فمن رآها علم أنها ستقدم للبيت الحرام فترك سبيلها حتى تذبح ، وتوزع على الفقراء الحرم ، وتخصيص القلائد بالذكر – مع شمول الهدي إياها – لبيان أن الشرع أباح تقليد الهدي ، لما فيه من إظهار شعائر الله ، والمبالغة في منع التعرض لها .

ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم . أي شرع الله هذه الأحكام السابقة لتعلموا أنه سبحانه يعلم علما شاملا ما في السموات وما في الأرض ، ولتوقنوا بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم ، وهتاف أرواحهم . . لأن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار ، ولجلب المصالح الدينية والدنيوية دليل على أنه سبحانه يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وعلى أنه بكل شيء عليم فلا تخفى عليه خافية والجملة الأخيرة في الآية توكيد ، لإحاطته تعالى بما كان ، وبما هو كائن ، وبما سيكون .