قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } صار التقدير كأنه قال ، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه ، وكونوا منقادين له ، وما لم يبلغه الرسول إليك فلا تسألوا عنه ، ولا تخوضوا فيه ، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم . الثاني : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } وهذا ادعاء منه للرسالة ، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات ، بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } إلى قوله { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم ، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات ، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا ، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات ، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم .
الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسؤكم .
المسألة الثانية : أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف وجوه الأول : قال الخليل وسيبويه : قولنا شيء جمعه في الأصل شياء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره ، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء ، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه ، واحد منها مذكور ، وإثنان خطرا ببالي .
أما الأول : وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء ، مثل حمراء ، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء ، والثاني : أنها لما كانت في الأصل شياء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيها بالمعدول كما في عامر وعمر ، وزافر وزفر ، والعدل أحد أسباب منع الصرف . الثالث : وهو إنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله ، والكلمة من حيث أنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة ، ونصف الكلمة لا يقبل الإعراب ، ومن حيث إن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية ، بل ألصقناه بأولها ، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها ، فلا جرم منعناه بعض وجوه الإعراب دون البعض ، تنبيها على هذه الحالة ، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام .
الوجه الثاني : في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء : وهو أن أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء ، وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف ، فكذا هاهنا .
الوجه الثالث : ما ذكره الكسائي : وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيها في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء ، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن للكسائي أن يقول : القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول : القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي .
المسألة الثالثة : روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة ، فقام على المنبر فقال : «سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به » فقام عبد الله ابن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال : «أبوك حذافة بن قيس » وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله : الحج علينا في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال عليه الصلاة والسلام : «ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » وقام آخر فقال : يا رسول الله أين أبي فقال «في النار » ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فأنزل الله تعالى هذه الآية .
واعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه : «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من كان سببا لتحريم حلال » إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله تعالى ، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها .
ثم قال تعالى : { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } وفيه وجوه : الأول : أنه بين بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم . والوجه الثاني : في تأويل الآية أن السؤال على قسمين . أحدهما : السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه ، فهذا السؤال منهي عنه بقوله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } .
والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم .
فإن قيل قوله { وإن تسألوا عنها } هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله { لا تسألوا عن أشياء } فكيف يعقل في { أشياء } بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا .
قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها ، والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولا عنه شيء واحد ، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين .
الوجه الثالث في تأويل الآية : إن قوله { لا تسألوا عن أشياء } دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، فقوله { وإن تسألوا عنها } أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن يبين لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا .
ثم قال تعالى : { عفا الله عنها } وفيه وجوه : الأول : عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها . الثاني : أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال { عفا الله عنها } يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم . الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية { إن تبد لكم تسؤكم } وهذا ضعيف لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى هذا الوجه فقوله { عفا الله عنها } أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق » أي خففت عنكم بإسقاطها .
ثم قال تعالى : { والله غفور حليم } وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها ما ذكرناه في الوجه الأول .
101- يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . . . الآية .
روى البخاري – بسننه– عن أنس بن مالك قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ، وقال فيها ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ) ( 22 ) قال : فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجوههم – لهم حنين – فقال رجل : من أبي ؟ فقال فلان : فنزلت هذه الآية .
وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البحيرة والسائية والوصيلة والحام .
وذكر المفسرون روايات متعددة في سبب نزول الآيتين ومنها ما رواه البخاري أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه : ( فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقام هذا ، فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله ؟ قال : ( النار ) فقام عبد الله بن حذافة وكان إذ لا حى يدعى إلى غير أبيه ، فقال من أبي يا رسول الله ؟ فقال : أبوك حذافة . . ( 23 ) .
قال القرطبي : ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع ، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض .
المعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإيمان ، لا تسألوا نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو بالأحكام الشرعية أو بغيرها ، هذه الأشياء ( إن تبد لكم وتظهر ) ( تسؤكم ) أي تغمكم وتحزنكم وتندموا على السؤال عنها لما يترتب عليها من إحراجكم ومن المشقة عليكم ، ومن الفضيحة لبعضكم .
فالآية كما يقول ابن كثير : تأديب من الله لعباده المؤمنين ، ونهى لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ، لأنها إذا ظهرت لهم تلك الأمور ربما سائتهم وشق عليهم سماعها ، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ) .
وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم .
والسؤال نوعان : سؤال يمكن الاستغناء عنه وسؤال يحتاج الإنسان إلى معرفته فيما يتعلق بتفصيل أحكام نزل بها القرآن الكريم أو شرح لها .
والمعنى لا تكثروا أيها المؤمنون من الأسئلة التي لا خير لكم في السؤال عنها ، وإن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة ، فتطلبوا بيانها لكم حينئذ لاحتياجكم إليها .
قال القرطبي : قوله تعالى : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم . فيه غموض . وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ، ثم قال : وإن تسألوا . . . إلخ . فأباحه لهم فقيل : إن المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ، ولا يصح حمله على غير الحذف .
قال الجرجاني : الكناية في ( عنها ) ترجع إلى أشياء أخر ، كقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين يعني آدم ، ثم قال : ثم جعلناه نطفة أي : ابن آدم ، لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال .
فالمعنى : وإن تسألوا عن أشياء – أخر – حين ينزل القرآن من تحريم او تحليل أو حكم ، أو مست حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم فقد أباح – سبحانه – هذا النوع من السؤال ( 24 ) .
عفا الله عنها . أي هناك اشياء سكت عنها القرآن ، ولم يكلفكم فيها بشيء ، فلا تسألوا عنها ، ولكن إن سألتم عنها ينزل عليكم التكليف بحكمها ، أي فلا تكثروا من السؤال ( 25 ) .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ، فيحرم من أجل مسألته ) ( 26 ) .
والله غفور حليم . والله واسع المغفرة والحلم والصفح ولذا لم يكلفكم بما يشق عليكم ، ولم يؤاخذكم بما فرط منكم من أقوال وأعمال قبل النهي عنها .